البقاء خارج أرض الوطن
جمال السائح
رواية أدبية
في ضمن سلسلة في حلقات روائية وقصصية خاصة بالمؤلف تحت عنوان :
(( موسوعة السائح ـ أدب الثقافة الجنسية ))




( 1 )

عندما كانت تتحدث في الهاتف النقّال ، ما كان بالها ليغفل عن حقيقة ، هي ولشدّما صارت تلازمها ، باتت تشعر بالتعب منها ، لأنها كانت تستشعر الحاجة الي الاتصال هاتفيا، طالما كانت في الحمام ، او حتى في دورة المياه، مع انها لم تكن تهتم بمثل هذا الامر من قبل ، أو انها لم تكن توليه مثل هذه العناية .
ولكن هاتفها لما تركها تعتاد جرسه ، كلما ارتادت حوض السباحة في حمامها ، او حتى دورة المياه . . كانت قد آثرت على نفسها ، ان تصطحبه معها ، كلما قصدت الاستحمام ، او عرضت لها فكرة التخلّي . وبمرور الوقت مرست على الاتصال هاتفيا ، كلما كانت هناك ولأكثر من أي وقت آخر .
كانت ترى في هاتفها ، صورة تبعث فيها رحيل الانفاس الى عالم اخر ، ربما كان اقرب صورة منه اليها ، هو عالم البلدان الخارجية . . فلطالما تمنت ان تُغرق نفسها في عوالم تلك الاقطار الساحرة !
هي ليست من اولئك اللائي يمكن ان ينال الخداع منهن وطرا ، فتقع فريسة لأحلام ليس لها حقيقة متكاملة . بل انها ، ولربما كانت أذكى الناس ، ممن يكون حولها ، خاصة اولئك الذين كانت تعرفهم ، وكانت على اتصال مطرّد بهم .
ان هوى الخارج ما كان بالذي يستهويها الى هذا الحد، لكنه استهواها حقا ! واستهوى حبيبها وبعلها الاستاذ الجامعي جليل محسن . لقد كانت حقا مصادفة جميلة ان تستاق الاقدار المتنامية ، ووفقا لتنامي الظروف الثقافية ، هذين الزوجين للتحرك نحو اهداف ، لا تشرق عليها الشمس، الا خارج أرض الوطن !
لذا ، كان لهواها ان يزهر ويورق اكثر ، خاصة حينما يكون له ان يحقق لها وردي من الاحلام ، إذ كانت ومنذ صغرها مغرمة بدروس الجغرافيا والتنقل بين البلدان ، لا سيما الاقطار الاوربية ، وذلك من فوق خارطة اطلس العالم الذي كان والدها قد ابتاعه لها ! وها هو الحلم يتحقق وريعه قد ركن عند الباب ، ينتظر المثول بين يدي صاحبيه . . حينما يكون للاخيرين ان ينهضا به ، ويرحلان بمعيته صوب الافاق البعيدة ، والتي لا يرونها الا في الاحلام !
كانت معاملات السفر كلها تنذر بقرب الرحيل ، لاكتمالها واكتمال الرغبة لدى كلّ من صانِعَي القرار . فهذه العقود الثقافية تترى على خليلها وزوجها الاستاذ جليل، والذي لم يتوان عن تلبية مطالبها وعلى الفور ، بعد ان كان وجد اُذناً صاغية عند خليلته ، وشريكة عمره رحاب عبد الوهاب !
كانت الافكار تتداعى لديها مجتمعة بين الحين والاخر، غير انها كانت تشعر بحديث داخلي غريب وسريع . ما كان يتناولها باسقاطات ربما كانت مغرمة بهوى ما ، فلربما كان مرِحاً بعض الشيء ، لكنها كانت تدرك انها حديثة عهد به ، يعني بمثل هذا الهوى ! وهي التي لم تعتد الاصغاء اليه من قبل ، فضلا عن كونه سابقا لأوانه ، الا انها ربما علّلت حصوله لديها ، او مقاربته اياها ، لرقّة احاسيسها ، وغور مشاعرها التي تميل وعلى الدوام ميلا رومانسيا ، حالِماً كل الحلم ، سابحاً في غلالة من الاضواء . .
كانت تستغرقها هذه التداعيات الى حدّ مغالب ! تكاد معه ان تستثيرها تلك التجاذبات ذات المنعطفات الغريبة ، وكأنها مغريات غير عادية ، كانت انبعثت من قلب ما يزال ينبض بعمر السنين الآتية ، ومن قبل ان تتصرم وتأتي! لقد كان ثمة ايحاءات تطرق أحلامها ، تراقص فيها الهوى الجريح قبل اصابته ، لتسبح مع عبق يوسع غوره في كل ازمنتها ، وتغرق متداخلة في اشياء آتية ! ربما تداعت في اقفاص رؤاها صورا ، ظلت تغازلها بشيء من الاغواء والتغريب:
ـ بتُّ أزاول التفكير كثيرا ، أشغل أوقاتي بحثا عن صور كثيرة للماضي ، أفتش عن أزهار أضاعها نفس التأريخ! فلئن أبقى لغيري ما يشبع نهمه ، الا انه كان غالى في اخفاء الكثير من أيامي الماضيات ! ولقد غيّب في أدراجه العديد من الوان سعادتي التي كنت استشعرها من قبل .
انه ليسعدني ان استذكر نكهة تبعث في نفسي ألق تلك الايام الخوالي ! ومما يثير في نفسي الفرح والسعادة ان استحضر ذكريات مضت ، ومشاهد غيّبتها سحب الايام الجديدة ، المدغمة في سلالة الأيام الحاضرة ، لكني صرت لا اذكر شيئا ، واصبحت اقرب الى شخص ، بدا لنفسه كمن كان فقد ذاكرته !
ان هذا من أصعب الامور ، لانه عادة من يخسر ذاكرته ، فانه لا يشعر معها انها كذلك . فكيف إن غدوت عالما بأسباب الدوار الذي أخذ يعصف برأسي . . انه يفتقر الى محفظة ذهنية حقا ! ها انا اعاني الفقر ، ليس لي ماض ، مع اني امتلك مثله ، ولكني عندما وجدتني لا اذكر منه شيئا ، او أن لا احتفظ الا بالقليل منه ، إنقلب الحال امامي سيّان ! فلقد أصبح حالي ـ انا التي تمتلك كل ماض وحضارة ـ كما لو كنت لا أذكر من ماضياتي أي شيء الا ما تداعى منه. ولقد انقلب حالي كحال التي فقدت ذاكرتها حقا ، وغدوت معها في حال واحدة ! تخضع لشروط وخصائص واحدة مع اختلاف الاسباب . . وان تميزت خصوصيات الحال من احدنا الى الاخر !
غير اني ما ازال اشعر بالحنين الى الايام والربوع ، ولو كانت تناثرت متطايرة من فكري ! وأشتاق الى اهلي وأحبّتي وصحبي الطيبين ، ولو غدوت لا أذكر منهم شيئا ، فلقد استحالت ايامهم الى هذيان ، انقلبت كالدوامات ، غائبة عن بالي ، تتوارى خلف الجدران ، كما لو راحت تخبئ نفسها ، خوف ان تقع فريسة اغتصاب ! تلح في الاستتار ، حتى باتت تتخفّى حياء وخجلا ، لأغدو بعدئذ كمسكينة لا تذكر من أيامها شيئا!

( 2 )

دخلت حمّامها ذات صباح .. بعد ان ظلت تتقلب فوق فراشها ، دون ان تقوى على استعادة اسباب النوم في عينيها، فنهضت وقصدت حوض الحمام . وبعد دقائق كانت قد انحدرت بجسدها الى داخله ، فأخذت تستشعر الدفْ .. ، قلَبت وجه الماء بيديها ، وحركته بهدوء ، كما لو كانت تتعامل مع موجود ، كان له ان يتحلى بالكياسة والخلق الجميل .
وبينما كانت رقعة رغوة الصابون تأخذ بالاتساع ، فلقد كانت تشرع هي بمسح جسدها في كل الانحاء . الا انها حانت منها ابتسامة ! فلربما غفلت عن بعض الاشياء ، او اعتراها نسيانها .. لكنها تدرك انها ، وإن تبجحت يوما ما بالتناسي ، فانه ليس لها ان تنسى اهم جزء في جسدها ، واكثر الاقسام حيوية واثارة .
حينها كان يقف الى جانبها ، يرقبها بعينين بدت لها كما لو كانتا تبكيان من فرط الاعياء ، وطول المكث هاهنا وادامة النظر الى رغوة صابونها التي تندّر عليها ضميرها ، حينما خالها مجموعة من البصل المثروم ، والمثيرة لغدد الدمع في الانسان .
ـ لقد سبقتِني الى الحمام !
ـ وجدتُكَ ما تزال تغطّ في نومك ، ولا تحاول الاستيقاظ .
ـ لا أحاول ؟ !
ـ أجل ، فاني كنت قد استيقظت مبكرا من دون ان اقوى على النوم مرة اخرى .. لقد انتظرتكَ تجفو النوم ، ولم أرك تفعل حتى فاجأني أذان الفجر ، فقمت لأداء الصلاة . بعدها عدت ، ولم أجدك فتىً مهذبا ، بل كنت عاقّا كسولا ، لم تطاوعك نفسك .
ظل يبتسم لها ، وهو يشاغلها بجسده ، حينما تفاجأت به ، وهو يندس في حوضها يشاركها الجلوس فيه :
ـ أتقاسمني حوض الحمام ، ولا تقاسمني حوض الفراش ؟
قالت له ذلك ، فاجابها مسرعا ، وهو يحاول مضايقتها بساقيه :
ـ اني لأجدك تختلفين عن سائر النساء اللائي اسمع عنهن .. فلطالما أخبرني اصدقائي وعلى الدوام ، بأن نساءهن غالبا ما يتمنّعن عليهن في الفراش ، وحينما يفكرن في عدم البخل عليهن بالجنس ، تجدينهن أشد الناس تقتيراً .
ـ هيه ، لا تغتر بما اصنع او ادعوك اليه ، لاني انا الاخري من جنس هؤلاء ، وإن اختلفت النسب وتباينت.. فان لي ساعات مناجاة أخلو فيها الى ربي ، لا أسمح لك فيها ان تضايقني .
ـ وهل يشاركك الرب الفراش ، وهو يعلم انك تحتي . . وفي عصمتي ؟ !
ـ تذكرتُ ! علينا ان نحضّر للسفر ، فانه على الابواب .
ـ أنا الاخر ، كنتُ سأطلب منكِ هذا نفسه .
ـ والمنزل .. منزلنا هذا ؟
ـ سأتركه في ذمة أخي ، سيرعاه في غيبتنا ..
ـ لا تنسى ان غيبتنا ستطول ، ستمتد لسنوات ، لديك عقود عمل في مركز الابحاث العالمي وثمة حصص تدريس منظمة في الجامعة العربية الخاصة ثمة ، كما تعلم .. فلا تدعه يؤجره لأحد . . أقول ، فليمكث هو وأسرته فيه ، فلو استأجره غريب ، فانه ما كان ليهتم بشؤونه قط، بل من الممكن أن يحيله خرابا ويترك ارضه ـ ان كان لأحد في مثل هذه الايام ، ان يغادر ويترك بيتا كان استأجره ـ يباباَ ، او يقلبه خيالا كديارٍ ، عفت عليها السنون ، حتى استحالت طللا بعد رسم وأثر !

( 3 )

ـ جينا ، يا صديقتي وحبيبتي . . ان الامر ليس كما تتصورين ..
ـ كيف اذن ؟ !
ـ ولو أنّا ارتبطنا وتعلقنا بهذه الارض ! فثمة أرض اخرى هي بأمسّ الحاجة الينا.
ـ وأنتم الاخرون ايضا ، كنتم وما زلتم بحاجة اليها؟
ـ بالضبط .. بأهلها وأناسها .
ـ ولكن لماذا هي بأمسّ الحاجة اليكم .. اقصد اليكما ؟
ـ الينا والي امثالنا .. لأن عملتنا نادرة ، والوطن يلتمس عودتنا . . ذلك أن فئاتنا قليلة ، تُحسب لها كل الحسابات . كما انها لا تُقدّر بثمن !
ـ كيف ؟ لا أفهم ما تقصدين ؟
ـ إن افكارنا متحررة غير مستبدة ، ونحن نعيش وسط الناس ، ولم ننزو . لا نحب التعقيد ، ولا الغلو في الدين، او المغالاة في فهمه غير المقصور على شريحة من المفكرين دون آخرين ، او حتى تفسير مظانّ الاعتقادات ، ورؤية الاشياء من حولنا . وتصور ايديولوجيتها المتحركة بمطاطية غير قابلة للرؤية مطلقا، كما هو الله نفسه !
اننا حقا نطمح الى إنشاء وطن حر .. نبلغ به فناء الذرى في سماء العلى ، يضمن فيه المواطن حصوله على انواع الحريات ، لا سيما أبسطها ، وهي حرية التعبير عن الرأي للوصول الى كامل سعادته !
ـ كامل سعادته ؟!
ـ أجل . لأن اطلاق الحريات الفردية والعامة ، وفي ظل قانون مبدئي خلقي قوي ، سيضمن لنا وللجميع من حولنا اسباب دوامها ، بحيث يكفل تحقق جميع هذا ، والوصول الى الحرية المنشودة وبلوغ السعادة المقصودة . فلا من عُرفٍ بال يقيّد قدميك ومعصميك ، ولا من تقاليد ساذجة يمكنها ان تقوم مقام قوانين السعادة ، او ان تحلّ محل أبسط مفردات الحياة الحرة الكريمة ، لتحيل حياتنا وبالتالي الى عُقَد وحُرمات ، ما كان الله قد أنزل بها من سلطان !
ـ أووه .. ونحن اين سيكون موقعنا من الإعراب ؟
ـ كيف تسألين هذا ؟ . . ( جينا ) انك تعرفين حقيقة مشاعري تجاهك ، ولربما تدركين اكثر منها ، اني ومنذ ان تعرفت اليك هنا في لندن ، وتوطّدَت بيننا بعدئذ اواصر الصداقة اكثر فاكثر ، فاني لم اجد صديقة نصوحة ، اصح وافضل منك ، ولا حتي زميلة وفية ، اطيب منك ! والارجح انك كنت لي اختا رؤوما ، ربما تربأ فوق كل مشاعر واحاسيس أي اخت اخرى ، او حتى وفائها ومبلغ إخلاصها .
ـ رحاب ! سيكون بالامكان أن تمكثان أنت وزوجك ها هنا ، وان تبقيان في نفس الجامعة لتفوقكما الذي ما كان له نظير . . وإذن ، فانه سيمكنكما مزاولة التدريس ، والتدرج في سلكه لمراحل اكثر تقدما .
ـ لقد فعلنا ، ولكن الحنين الي الوطن ربما يزداد فينا اكثر من أي وقت مضى . الا تعلمين اننا هنا منذ سنوات عدة ، نعيش ونحيا في بريطانيا بعيدا عن ارض الوطن التي كنا قررنا يوما تركها ، لمثل هذه الاغراض التي اشتغل زوجي فيها ونشط وابدع . والان ، لقد آن الاوان لكي نعود . فقد سئمت البعد والنأي عن الاحباب ، ومللت رؤيتهم في ايام الفرص التي نختلسها اختلاسا . . ( تسكت قليلا ) لنترك الاية معكوسة هذه المرة ، فبدلا من زيارة الوطن بين الاونة والاخرى ، وفي ضمن تواريخ متباعدة ، سنقوم هذه المرة بعكس الصورة ، والعمل على الاستيطان ثانية في ارض الوطن ، والقيام بسفرات الى بريطانيا وغيرها ، او بترتيب انشطة رحلات سياحية الى بريطانيا ، وذلك في كل فرصة تسنح لنا بها . . أليس هذا اجمل وأمتع ! بل هو اطيب واظرف !
ـ أما أنا فأنصحك بأن لا تنسخي آية عملت بها ، ولطالما بقيتْ وفيةً لك ، حاولي ان تزيدي عدد رحلاتكم التفقدية الى بلدكم بين المرة والاخرى . . صدقيني ليس عليك عكس الآية ، لانه بامكانكما الذهاب والعودة مرارا ، ذلك لانه وبوسع مداخيلكم أن تفي بالنهوض بأعباء مثل هذا الغرض ، واكثر !
ـ أنت لا تدركين مشاعر الاهل والوالدين ، انهم يحبونني جدا ، ولقد آلمهم فراقي عنهم كل هذه المدة ، حتى ولو كان يتخلل ذلك كله ، وبين الحين والاخر زيارات في العطلات ، لا سيما العطلة الربيعية والصيفية ، إن كان بامكاننا استغلالها لانه كثيرا ما كانت عقود زوجي جليل ، لا تعرف صيفا ولا شتاء ، لأنه غالبا ما ينعم بصفقات خاصة ، لا يتعين لها وقت خاص ، او زمان معين . فهي ترتبط بسليقة الزبون ، وطبيعة العمل والنشاط ! ولكن وجدت من الاصلح أن أظل الى جانبهم في السنوات القادمة ـ لا سيما والديّ ـ وهو ما تبقى لهما من سنين في حياتهما الآتية .
قالت جينا :
ـ وعليه ! فلدينا مدة لا بأس بها .. أشهر معدودات.. بامكاني ان اظل الى جانبك ، وأن اتواصل معك . ولكني كلما فكرت بأنّكِ وأستاذ جليل ، ستتركانا ولمدة طويلة ، او الى الابد . .
مقاطعة اياها :
ـ سنعود اليكما في العطل والاجازات .
جينا بغير رضى :
ـ أجل .. أجل ، ولكني لا استطيع ان افكر كيف سأظل أعيش من دونك ، لقد اصبحت لي ظلا ملازما ، ربما كان هذا وبسببٍ ، مِن اني لم أحظ بوفاء معتبر من اخواتي الاربعة ، واللائي يعشن معي في بريطانيا ، ويحيا ثلاث منهن الى جانبي في لندن ، او ربما كان ذلك يرتبط ـ وهو ما احسه ـ بنفس شخصيتك التي كانت ولما تزل تؤثر في اعماقي ، وبقوة لا مثيل لها .
ـ لا عليك يا حبيبتي ، فانا الاخرى لا اجدك الا اختا لي ، كما يمكن ان تعدّينني أنتِ كذلك ، اختاً حميمة لكِ . أما بخصوص ما ذكرتيه بالنسبة لاخواتك وضعف الرباط الذي كان له ان يسيطر على أجواء العلاقة بينكن ، فنحن الاخرون ما زلنا نعاني منه ، وبنفس المستوى الذي تعانون منه أنتم كذلك . هذا ، مع وجود فوارق نسبية متعددة . ولكن ! ربما تسمعين كلاما من بعضنا ينافي كلامي، فانه يمكن حمله على تلك الاواصر الاُسَرية والروابط العائلية التي تستخدم المظاهر الخداعة ولقلقة اللسان ، ذي الكلام المعسول ، كذريعة لإخفاء واقع الحال السيء الذي يخيّم على مجتمعاتنا ، ليلبسها وبالتالى حقيقة بائسة . . إذ ان علاقاتنا العائلية اصبحت لا تعدو حدود الكلام والوعود الكاذبة التي لا نجد من يفي بها الا القليل من المخلصين . وان تواجد غيرهم فالدافع الاساس لهم اغراض مصلحية ليس إلا ّ! حتى اصبح احدنا يتنكر للاخر عمليا ولكنه عند الحديث تجدينه اخلص المخلصين ، وفي غير ذلك ليس لنا منه ايما حظ !
ـ وهل الاخت تفارق اختها وتجفوها ؟ !
ـ سوف لا يحصل مثل هذا . سوف لا يحصل مثل هذا بالتأكيد .
ـ ستحدّثين نفسك انك تختلفين عن كل اولئك المتهاونين بالروابط العائلية وحجم العلاقات الاُسرية وانك ملتزمة بالاخلاص لمبادئك الخلقية قولا وعملا . .
ـ انا الاخرى ربما أتأثر بهذه الاجواء المريضة ولا اُبرّئ نفسي ان النفس لأمّارة بالسوء ولكن صدّقيني لا أحسب نفسي من اولئك ابدا.. من اصحاب القطيعة ودائما ادعو الله ان يجنّبني الدخول في مداخلهم او الوقوع في مزالقهم !
بينما عادت جينا تقول :
ـ ما عليك ، غير اني أجدك يا صديقتي ماهرة بالتلاعب بسياسة التخلص من اصراري واصرار امثالي ، لأنك ستتمكنين من التملّص من الحاحاتي عبر الاعتذار اليّ والى امثالي بأي وسيلة مقنعة وأخرى مماثلة واقوى ! لأنك ستحاولين اقناعي بضرورات السفر والرحيل ذلك أن في أعماقك ثمة اعتقاد راسخ ، يؤكد على ضرورة التسليم الى حقيقة مفادها أن الحنين الى الاهل والوطن يربو على الالتصاق بصداقات شخصية جميلة ، طالما انها لا تلعب دورا مباشرة في زيادة معدل مداخيلكم الشهرية ّ! وانه لشيء أكيد ان يتيسر للفرد منّا امكانية المحافظة على مثل هذه العلاقات الصديقة والروابط الشخصية . إذ ان اسباب كل هذا له ان يتوافر عبر اللجوء الى استخدام وسائل عدة ، تمكّنه وبالتالي من ان يحرص على مثل هذه العلائق والتواصل مع اصحابها ولو كانوا يبعدون عنه آلاف الكيلومترات ! من دون ان يضطر الى التفريط بحقيقة انسانية مثيرة ، تتمثل في دعم صلة الرحم لديه والالتصاق بالعائلة الحقيقية ، وملازمتهم فضلا عن خدمتهم من قرب وخدمة الوطن ! وبالتالي ، فلربما عرضه عدم الالتزام بها الى عواقب سيئة ! واخيرا والله لقد قتلتموني بقصة الحنين لديكم ؟
اجابت رحاب :
ـ هذا الحنين موجود ، لكنه ربما اصبح هو الاخر كاذبا ! او تبدّل بعد زواله او حتى في حال أوج حالاته ، فان يشوبه الكثير من الاخلاط بات من المسلّمات والامور الطبيعية كسائر ما قمت بسره عليك الان ومن الممكن ان تتعرض مثل هذه المشاعر الحنينة الى ضربة قاهرة أو ردود فعل عكسية ، وذلك حينما يصطدم صاحب الشأن بمفردات جديدة استحوذت على اهله واصحابه واقاربه واصدقائه وابناء بلده حيث تبدّل شأنهم الى اسوأ وخرجوا عليه مثلا بعد غيبة مديدة في غير الحُلّة والصورة التي كان يتخيلها او يتوقعها !
ثم قالت تواصل الحديث :
ـ انا اصارحك ربما دفعتني الى سبيل العودة اسباب اخرى كانت تقف صفا واحدا الى جانب حنيني الصارخ الى ملاعب الصبا ومغاني الشباب. . ارض وطني الغنّاء لأني بتّ متأكدة وبعد كل هذه السنين الطويلة التي قضيتها هنا ، وبعد ان صار بوسعي التأقلم في مثل هذه الاجواء المعيشية والطبيعة البشرية بعرفها وتقاليدها التي اصدقك القول إن قلت لك اني معجبة بطبيعة الحياة هنا . . نعم فاني بتّ واثقة ان بامكاني العيش ومن دون العودة الى ارض الوطن وبقصد الاقامة الدائمية ! اصبحت متأكدة من نفسي ان بوسعي القيام بذلك أبد الدهر ، ولو كان حنيني الى وطني يملأ فؤادي ما حييت ، ويهز جوانحي ، بل يعصف بكياني كله ، وبنفس تلك المشاعر التي يخفق لها قلبي !
سكتت واردفت :
ـ ولكنه طالما كان ثمة مصالح ومنافع احسن تنتظرنا في وطننا من دون ان نشعر بطائل الغربة في بلدان غير بلدنا وذلك حال الشعور بان الواقع في الخارج قد تداعى وكما قد بان ومن قبل في ذاكرتنا حتى ولو كان يتمثل لنا في اوج روعته ! لكن حبنا الى اثبات وجودنا في بلدنا بات يسيطر علينا اكثر . . اذ اننا سوف نتمتع وبلا شك بالقدر الكافي من المكانة والاحترام والتقدير ، كما سنكون قد احتفظنا بنفس المستوى المادي والمعيشي الذي كنا نتمتع به ايام كنا في الخارج بفارق ربما يكون جزئي او سطحي. . حتى ولو تفاوت الامر وبلغ فارقا ملموسا ، فان ما سنحصل عليه من امتيازات في بلدنا ، هو بالتأكيد سيعوّضنا عن مثل هذه الخسارة الحاصلة !
كانت رحاب متحمسة وهي تلملم الكلمات وسط صخب من الافكار :
ـ ان مجرد ان يتملكنا شعور بالرضا والحرية اكثر ، او العيش في بلدنا الذي نطمح ان نصنع فيه كل ما نشاء من مشاريع وخطط ، دون خوف من مجون اجنبي ، او سلطة قانون يختص بالمقيمين ، او الرعايا الغرباء . . ولو كان لنا ان نحصل كذلك على وثيقة الجنسية التابعة لذلك البلد ، فاننا سنبقى نحمل هموم الغربة والنأي ، ونعاني زخما من المشاكل والوساوس ، ذاتها التي يعيشها المهاجر الذي لا يحمل وثيقة معتبرة ! لأنه وبالتالي سيعوزنا وقت طويل كيما نتمكن من امتلاك اسباب العيش هناك من دون ان نستثير شخصا من حولنا ، أو نظل نحمل شعورا بليدا بأنّا لسنا من اهل البلد ، انه احساس ربما كان يخرق كل حُرماتنا وبالرغم من كل ما يخامر نفوسنا بالاعتزاز . . كما ان من الممكن ان يظل يتواصل لدينا التعاطي مع مثل هذا القيد من الافكار التي تتمطى فوق انفاسنا قسرا ومن دون حدود ! ولو كان لنا ان نحوز على عشرات الجنسيات او نُمنح افخر الوثائق الرسمية والمهنية، لأن طول الايام وبعد السنين كان زرع في دواخلنا المُحبطة المزيد من الحقد على انفسنا التي باعت ثقتها بمنحة من أمنية ربما ظلت تزدهر في أعماقنا !
وأخيرا كان لها ان تخلص الى نتيجة هي غاية في البدهية :
ـ صحيح اننا رغبنا في العودة الى ارض الوطن، الا اننا كذلك لم نرغب قط عن التردد الى بريطانيا وغيرها من بلدان الخارج . لقد اعتدنا وبمرور الايام ان نتحرك كيفما نريد واينما نشاء ، من دون ان يكرهنا احد على المكوث والبقاء في مكان دون اخر او بلد او مصر دون غيره ، حتى ولو كان يتمثل في أبهى جنان الخارج التي يحلم في الوصول اليها والاقامة بها او الاستيطان فيها .. كل احد من الناس .
غير ان ( جينا ) فاجأتها بضحكة متواضعة تضاعفت آثارها شيئا فشيئا ، وذلك حينما احست بأن الحديث في ذلك قد كثر ، حتى شعرت بضرورة الخروج على طبيعة الكلام وتغيير مساره ، فقالت لها :
ـ أقول لك هل تتكلمين من الحمام وبالضرورة من حوض الاستحمام فيها ؟ !
أجابتها رحاب وبسرعة :
ـ كيف عرفتِ ؟
ـ ان من يعيش معك دهرا لا يمكنه ان تغيب عن باله مثل هذه المفردات ، فحاذري ان تغفلي عن هاتفك النقال فيغرق في ماء الحمام.
فبادلتها ضحكة رقيقة وهي تقول :
ـ لا .. اني الان اتحدث عبر هاتف المنزل.
ـ أووه فالمصيبة أعظم ، عليك الان ان لا تغفلي عن اثنين وليس واحد . إياك ان يغرق هذا الاخر في حوض الاستحمام .
ـ لا ، لا تقلقي ، فثمة من يحافظ عليه .
ـ أووه ، لا تزالين تصرين على عدم الدخول الى الحمام بمفردك . فجليل الان ومن دون شك يقوم الى جانبك .
ـ انك ذكية جدا .
ـ فهو اذن يقاسمك حوض الاستحمام .
ـ انه يضايقني دائما في هذا الحوض .
ـ لا شك ان الحوض صغير .
ـ اجل هذا في نظره ، وانه ليبحث عن حوض اكبر ليس بوسع أي شركة منتجة ان تصنّعه له ، الا اذا طالبها بذلك خصيصا له !
ـ فلربما تصور ان هذا جزء من اسباب الموفقية في الحياة الزوجية المشتركة .
ـ أجل ! ولهذا هو وعلى الدوام يشاركني الفراش والاستلقاء في حوض السباحة في الحمام.
ـ ولربما في الامر جانب يتعلق بك انت الاخرى .
ـ كيف يا حبيبة عمري .
ـ انك قد أشبهتيه .
ـ ليس الى هذا الحد .
ـ كنت وما زلت تكرهين الاستحمام او النوم لوحدك .
ـ أيتها القطة الاليفة ، اني لا اذكر احدا قاسمني فراشي او شاركني حوض الاستحمام غيرك .
ـ انا . . أجل ! وربما كان يمثل لي هذا مدعاة لاسباب الفخر .
ـ ...
ـ والان إن كنت بحاجة ولمرة اخرى الي ان اشارككما المكانين ، فاني على استعداد للمثول بين يديك في اقل من نصف ساعة .
ـ أيتها القطة المدللة ، انك تطمعين في اكثر من هذا ، فلو فعلت كان للفراش ان يخسف بنا ، ولكان ايضا لحوض الاستحمام أن يصيبه ـ وبكل تأكيد ـ صدع ليس الى رأبه سبيل!
وفي لحظة واحدة ، ارتسمت فوق شفاههما ابتسامات كانت تفتقر الى صوت يحكي فلسفتها..

( 4 )

في نفس الوقت الذي تنفس فيه الصبح انفاسه كانت الطائرة العائدة من خارج الوطن تحط في ارض المطار .. وبعد دقائق كانت رحاب وجليل قد أخذا مكانيهما في سيارة اجرة، اتجهت بهما الي منزلهما الذي فارقاه لسنوات مضت كانت تتخللها بين الحين والاخر اوقات قصيرة يستغلها الاثنان في العودة الي ارض الوطن لمطالعة وجوه الاهل والاحبة ليعودا بعدها الى وطنهما الثاني في الخارج .
ـ هل اتصل اخوك سمير بك .. انه لم يحضر ولا حتى لاستقبالنا .. وهو يعلم اننا اليوم عائدون ابدا الي ارض الوطن .
ـ انا الاخر لا اعلم ، تذكرت اين هو تلفونك النقال .
ـ ألم تعلم انه غرق في حوض الحمام .
ـ اوه ، ما زلت تصطحبينه معك كلما توجهت الى الحمام او دلفت الى دورة المياه.
ـ انها سنّة الحياة ، ولا تبديل لها !

( 5 )

لم يكن ثمة احد في المنزل ، وما كان في انتظارهما ايما شخص . تساءل وتساءلت .. ابرقا هاتفيا للاهل والاقارب ولكل من يعرف اخاه هو وافراد أسرته . فلم يجدا أي اثر للرجل.. هو وعائلته ! لكنهما وجدا كل شئ في المنزل مرتّبا ونظيفا ، وكل شئ في مكانه . فلم يختل وضع البيت ابدا ، ولم تتعرض أي زاوية او جدار او حتى ابسط نافذة فيه او اثاث الى أي اصابة او ضرر .
ـ انه امر محير ، امر غير قابل للتصور .
اجابها مستطردا :
ـ لقد اتصلت واتصل الاخرون بكل مكان واخر ، اعلموا مراكز الشرطة واستفسروا في المستشفيات . . فلم يجدوا له ولاسرته أيما اثر.
فقالت :
ـ والاغرب انهم يقولون ان هذه الاسرة كانت والى البارحة متواجدة في مسكنها ، وبجميع افرادها .

( 6 )

ـ انهضي .. انهضي ! بالله عليك دعي عنك هذا النوم الثقيل ، قومي ، فانا لا ادعوك الان الى فعل الحب ..
جاءه صوتها ثقيلا متثائبا كما لو كان ذا لون شاحب بارد :
ـ ما بك .. يعلوني صوتك بالصراخ . . ومتى؟!.. في اول الصباح .
ـ انهضي والقي عن عينيك اثار النوم .
لكنه تفاجأ بيدها تسحب كفه لتقود بها الي ثدييها .. كيما تستلقي ثمة فوق نعومة ما كان ليشك انها تتصل بهما ! انها ما تزال تمتلك مفردات الاثارة او التواصل معها حتى في احلك الظروف . لكنه انتزعها من بين يديها هذه المرة ! كي يلفت بصرها هذه المرة الي مفاجأة كانت هي اكثر اثارة ودهشة :
ـ ما بك ؟
قالت هذا وبصرها ينتفض ويمتد مضطربا ليصل ما بين حاجبيها .
ـ سأطلعكِ على أمر خطير .. خطير وللغاية !
ـ امر خطير ؟ !
ـ اتصل بي سمير منذ دقائق ..
ـ سمير ! اخوك سمير ؟
وبسرعة لم تتجاوز اللحظات كانت قد قعدت في منامها ، وسوّت من جلستها وتباشير الفرح تغمر مقلتيها . . ولقد كانت قامت من نومتها وهي تردد :
ـ عظيم ، عظيم ! .. مدهش حقا امر مدهش وللغاية ! .. واين كان .. اين كان طوال كل هذه المدة . . واسرته اين ذهبت ، اين كان قد ذهب هو وعائلته ؟ ألم تسأله؟
ـ امنحيني الصبر .. فهناك ما يدهش اكثر .. انه اتصل بي يسألني : لماذا لم نأت ، لماذا لم نصل اليه في الوقت المحدد او الموعد المرسوم له ومن قبلنا نحن انفسنا !
ـ ؟ !
ـ ولقد ظل ينتظرنا في المطار !
ـ المطار ؟ ! ينتظرنا في المطار ! أي مطار هو هذا ، أي مطار يقصد ؟ !
ـ مطار العاصمة بالتـأكيد .
ـ هو لا يأتي لاستقبالنا والان يعلل غيبته وقصوره بعدم وصولنا ! انه اجحاف !
ـ ولكن . . !
لكنها تابعت القول تتساءل :
ـ ألم نحط في المطار ، ولم نعثر له على أيما أثر هناك؟
ـ لا ! لم نحط ولم نصل ، ولم نكن قد تحركنا قيد أنملة عن موطننا الثاني في بريطانيا .
فقالت مندهشة والاستياء يعلو وجهها وبوضوح سافر غير مشوب :
ـ بربك ماذا تقول ؟
فاجابها والغرابة قد أعيته :
ـ قومي وانظري بنفسك .. تطلعي الى كل ما حولك .. ادفعي برأسك خارج النافذة، ارخي كل الستائر في المنزل ! ستجدين نفسك في نفس منزلنا في ..
ـ في ماذا ؟
ـ في بريطانيا !
ـ في لندن ! في نفس لندن ؟
ـ اجل ! لاننا ما زلنا في لندن .
ـ ما زلنا في لندن ؟ ! ماذا تقول .. هذا ليس اوان الفكاهة ثقيلة الدم !
ـ اني لا احدثك باي دعابة .. بل هي الحقيقة التي تمتنع على التصديق .
ـ واذن ! فانه امر غير معقول . هذا الذي تحدثني به غير معقول تماما . بل ماذا تقصد من كلامك كله هذا ؟ !
ـ لا اقصد غير الحقيقة المُرة غير العادية والتي تستعصي على الافهام بل العقول .
كانت في تلك الاثناء تقلب بناظريها في الحجرة.. حقا انها ليست حجرتها التي رقدت فيها ليلة امس ! انها ليست نفس غرفتها التي تأوي اليها وآوت اليها بالفعل والكائنة في منزلها في العاصمة. . في ارض الوطن . فكل شئ حولها لا يدل على انها حجرتها التي لم تغادرها بعد ! انها نفس مخدعها في المنزل الذي كانا يسكنان فيه في لندن .
قفزت من سريرها ، وسحبت احدى الستائر حتى اضطرت الى اسقاطها رغما عنها وذلك بعدما كانت تشك أن في الامر لعبة مزرية لا تحتمل كل هذا المزاح الوقح ، فتبينت لها الحقيقة ساطعة كنور الشمس في رابعة النهار ! كالقمر في الليلة الليلاء ! لقد تبدت لها الحقيقة غير القابلة للتصديق ابدا ولو كان أخبرها بها كل ثقات العالم وكل من تثق بهم ! لانها امر اقرب الى الخيال ، بعيدة عن الواقع كل البعد ! كانت الستارة قد تكشفت ، وبدت لها الاشياء من خلف النافذة واضحة كل الوضوح ! لقد جعلت تتطلع الى نفس الطبيعة التي كانت ترى اليها كل صباح يوم كانت تحيا كأي امرأة تعيش هي وزوجها في لندن . . عاصمة بريŸ