|
هل سيشكل فشل حكومة
الجعفري سلما لأياد علاوي ؟؟
الدكتور عبد الله يوسف الجبوري
17 ايلول 2005
من المفيد ان نقف بتأمل للمرحلة التي أعقبت زوال الدكتاتورية ، لنطل من خلالها
على مرحلتين :
الأولى : حيث العراق محتلا من قبل أمريكا
والثانية : مجيء المعارضة العراقية الى الحكم
ولكي نكون اكثر دقة في التحليل وتحدي الرؤية المستقبلية لعراق متحرر بشكل حقيقي
سواء من الدكتاتورية والرأي الواحد ، أو من الإحتلال وتحول البلد الى دولة ذات
سيادة بمعنى الكلمة وليس بمستوى وصل فيه رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء
أقل مستوى من جندي امريكي مرتزق ، هذا التحرر يجب أن لا يقودنا لطعن من ناضل في
مرحلة كان الشعب العراقي يتطلع الى خلاص وطني ، وليس الوقوع في نظام متعدد
الدكتاتوريات وطائفي أكثر من طائفية صدام ،، هذا القول يدفعنا لأن نتناول الوضع
الذي مر به العراق في ظل اكثر من صيغة حكم ولا نستطيع ان نقول نظام حكم ، هذه
الصيغ الاعتباطية التي عاشت في ظل الفوضى ، باتت ليست مؤهلة لخلق نظام سياسي
ورسمي متميز بالرغم من شعارات الرئيس بوش وتصريحات المسؤولين في صيغة الحكم
العراقية .
إذن قضية الخلل الإداري المتمثل في غياب مؤسسة الدولة العراقية لتحل محلها
مؤسسة عسكرية محتلة للبلد ، وتوليها امور غاية في الدقة في حياة شعب عانى لأكثر
من ثلث قرن قضاها في الحروب والتخريب السياسي والإقتصادي وتدني مستوى الوعي
الإجتماعي ، رافقت غياب المؤسسة الرسمية وبروز مؤسسة السلطة الحزبية التي لا
تمتلك قدرة ولا خبرة لإدارة الفوضى التي خلقها الإحتلال ، وهو ما يدفعنا يدفعنا
لتحميل المسؤولية كاملة لكل القوى الوطنية ، هذه القوى وأولها من قبل بالمحتل
مقابل التخلص من الدكتاتورية ، وهذا ما خلق الهوة بين المواطن الذي فقد أمله في
الحصول على العمل ، وبين المؤسسة التي تم استحداثها بحسب حاجة المحتل لها وليس
بحسب حاجة الدولة والمواطن لخدماتها ، وهذا بات يدفع الى الفوضى شيئا فشيئا ،
فالكل يعلم ان مجلس الحكم الإنتقالي يتحمل كل ما حدث في البنية الإقتصادية
والسياسية التي بات يعاني منها الوضع الداخلي ، فهو قبل بأكثر من صيغة مقتبسة
من دول بعيدة كل البعد عن الواقع العراقي ، وخضع العراق لحالة من التجريب كانت
فاشلة بسبب تعدد وجهات النظر وسيطرة العقل الأمريكي على التخطيط والتنفيذ وقبول
من يريد السلطة بذلك ، مما نتج عنها تدمير البنى التحتية وغياب القانون الرادع
وظهور فوضى الفساد الإداري والمالي الذي كان أعضاء مجلس الحكم الإنتقالي قد
اعترفوا به منذ الأيام الأولى لحكم بريمر .
وعلى هذا الأساس ، بات الوضع يسير بشكل منحدر بأتجاه الكارثة ، واستفاد من ذلك
أصحاب السوابق والمتلونين والانتهازية والسراق والمجرمين ، لا سيما إذا ما
أخذنا بنظر الإعتبار ان السادة أعضاء مجلس الحكم والوزراء قد ساهموا في هذا
الفساد من خلال سكوتهم وتبادلهم للإتهامات التي تصب في النهاية ،، أولا بمصلحة
المحتل ، وثانيا في مصلحة المجرمين والمرتشين وأصحاب السوابق ، علما بأن هناك
ملاحظات للفساد تم تأشيرها ولا سيما أولئك الذين تم جلبهم عبر ترشيحات وزارة
الخارجية الأمريكية والبنتاغون لقيادة مرحلة تأسيس الهيكل الإداري لما بعد صدام
.
ولقد تم تأشير علاقة بين البعض من هؤلاء مع قادة البيت الأبيض من الصقور
والحمائم والكل يسلب بثروات العراق وخيراته وحرمان أبناءه من حقوقهم المادية
والوطنية ، فقد قام بعض من هؤلاء مثل المشرفين على هيئة التصنيع العسكري من بيع
أجهزة ومعدات الهيئة الى رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي ، وهي تقنيات عالية
الكفاءة ، وغالية الثمن وهي تعمل الآن في جنوب أفريقيا لصالح رامسفيلد ، ومن
كان مشرفا على هيئة التصنيع العسكري يمتلك الآن ملايين الدولارات في أوربا وهم
معروفون للناس جميعا .. يضاف لذلك مشاركة البعض في نهب سيارات وزارة الداخلية
العراقية وتوزيعها على أقرباءهم وبيع عدد كبير من هذه الآليات الى أحزاب ذات
حضور ودور في رسم سياسة العراق ، ومن ثم قامت هذه الأحزاب بإعادة بيعها الى
الحكومة ثانية !!
إذن مظهر الفساد تحول من حكومة بريمر والتشكيلات الناتجة عنها مثل الوزراء
والمدراء العامين الى مرحلة حكومة الدكتور أياد علاوي التي غرقت هي الأخرى في
الفساد ، وقد لا يقبل البعض ان نشير الى ذلك لكن الحقائق موجودة ونتمنى من الكل
ان يكون صدره واسعا لتقبل الملاحظات التي ربما نوردها لأننا نتمنى للعراق كل
الخير ، فوزراء من حكومة الدكتور علاوي وممن كان مستوزرا في زمن مجلس الحكم
كانت أيديهم ومع الأسف ملوثة ، فقد تم نقل 19 مليار دينار عراقي عبر طائرة تم
توقيفها في لبنان ، ولا نعرف مصيرها ، وادعت وزارة الداخلية آنذاك أنها تريد
شراء معدات فنية للأمن الوطني ، وهذا لا يمكن قبوله كون دول العالم لا تتعامل
بالنقد مثل هكذا صفقات وعقود ولكن لا ندري بمصير هذا المبلغ ، وكذلك صفقة
المعدات التي كان السيد وزير الدفاع الشعلان قد قام بنقل أموالا نقدية لها
ويبلغ مقدارها 500 مليون دولار وهي الأخرى لا يعرف مصيرها ، والفساد الذي شهدته
وزارتي الكهرباء والداخلية ووزارة الصحة والوزارات الأخرى شواهد على هزالة
الوضع العراقي .
هذا الوضع كانت حكومة الدكتور أياد علاوي جزء منه وهي ذاتها التي كانت مستمرة
من فترة مجلس الحكم الإنتقالي الى مرحلة ، أطلق عليها حكومة علاوي وهي مجرد
مسميات أما أهدافها وأسلوب إدارة البلد من قبلها لا يختلف عن طريقة مجلس الحكم
العراقي .
إذن كانت حكومة علاوي مجرد صورة مقلوبة لمجلس الحكم ، أي أنها حكومة عينها بول
بريمر تشكلت بأسم حكومة برئيس وزراء ووزراء ورئيس جمهورية ، والكل كان فعله
الوطني على مستوى الملف الأمني هزيلا بل ربما يمكننا إطلاق كلمة هزيلا عليه ،
وذلك بسبب العمليات العسكرية ضد مدن غرب العراق ووسطه ، فأزمة الوضع في مواجهة
رفض السيد مقتدى الصدر للإحتلال والطريقة التي تم فيها حل الأزمة ، يؤشر ضعف
الترابط الوطني بين الحكومة والشعب ، إذ تم إستعارة أسلوب نظام صدام في معالجة
هكذا أمور وهو أسلوب القتل والتدمير وبشراكة أمريكية وشراكة ميليشيات الأحزاب
التي تفتقد الى الخبرة في العمل السياسي الداخلي فتحولت من قوى وطنية تريد
قيادة الشعب الى جيوش جرارة أرادت ان تثبت ولاءها للمحتل على حساب الشعب . وهذا
الأمر تجسد أكثر في مشاركة الميليشيات في الهجوم على الفلوجة والذي باركه
الدكتور أياد علاوي والبعض من وزرائه وقيادات الحكم وبتوجيه امريكي .
والى جانب فشل حكومة علاوي في تلافي الفشل والفوضى الحاصلة في الداخل السياسي
والإقتصادي ، كانت تجربة الجمعية الوطنية المؤقتة هي الأخرى مؤلمة وقاتلة كونها
أسست لأسلوب المحاصصة اولا ، ولأنها فشلت في التعبير حتى عن أسمها إذ جاءت على
أنقاض تجربة الحكم بقيادة أمريكية ، وهكذا بات من الصعب إعفاء أي من الأحزاب أو
الشخصيات المشاركة في هذه التجربة المؤلمة ، أو إعفائها من نتائجها اللاحقة
والتي انعكست على المزيد من الفوضى الأمنية والرشوة والسرقة وتبديد أموال البلد
وضياع الهدف التي جاءت من أجله عملية (( تحرير العراق )) والتي بنيت على كذب
الإدارة الأمريكية وتعاون أعضاء مجلس الحكم فيها وهو ما لا يمكن إعفاء حكومة
الدكتور أياد علاوي منها .
مالذي حدث في التحضير للإنتخابات ؟؟ ضرب للمدن تأزم الموقف الداخلي بحرب طائفية
وأهلية غير معلنة ، وضياع البلد في مخطط امريكي أقره البيت الأبيض الأمريكي
وأعلنه الرئيس بوش وقبل به الجميع ممن هم في الحكومة ، وهذا معناه الرضوخ
والقبول بتوقيتات الإدارة الأمريكية لكل المراحل التي يؤسف لها ، فكانت تجربة
الإنتخابات العراقية التي لم يشارك فيها الشعب ، وليس السبب أن الشعب لا يريد
أن يشارك ، ولكن رؤية البيت الأبيض مع مخطط داخلي تسنده قوى إقليمية قد ساعد
على إبعاد عدد كبير من الناس عن المشاركة ، وتتحمل حكومة الدكتور أياد علاوي
معظم الخطأ الحاصل في تطبيق منهج الإنتخابات .
هذا الفشل في إدارة البلد انتقل الى الحكومة التي جاءت وفقا للإستحقاقات
الإنتخابية والتي خضعت مباشرة لتدخل البيت الأبيض الأمريكي ، فقد أسهم السيد
رامسفيلد وكونداليزا رايس في إفشال ظهور حكومة الجعفري في الوقت المحدد ، وتمت
مغازلة السنة من قبل أمريكا على أمل ان تحدث الحرب الأهلية والطائفية ، ولكن
ووفقا لحسابات البيت الأبيض كان ذلك لا يمكن ان يقدم الخدمة المطلوبة ، فتراجعت
في اللحظة الأخيرة وزجت بالسنة في معترك خطير كانت من نتائجه المزيد من الدمار
والتأخير لنهوض الحكومة ، مما دفع بالقوى الى مزيد من التجزئة والتشرذم وظهور
تحالفات وتكتلات وتكشف فساد مالي وإداري الى جانب ملاحظات البعض في قضايا
الإنتخابات .
لقد أنعكس هذا التأخير على أداء حكومة الدكتور الجعفري ، يدعمه تفشي الفساد
وتصاعد العمليات الإرهابية من جهة وبروز دور المقاومة الوطنية المناهظة للمحتل
واللقاءات التي جرت بين القيادة الأمريكية والمقاومة العراقية وقد أحرج ذلك
حكومة الجعفري ودفع بها للتخبط والغرق في الفوضى ، حتى جاءت التوجيهات
الأمريكية بضرورة القيام بأعمال عسكرية شرسة ضد مدن ما يسمى بالمثلث السني ،
فأقدمت حكومة الجعفري على إبتكار (( عملية البرق )) وتبعتها بالمشاركة في
عمليات السيف والرمح وغيرها من المسميات الفارغة ، والتي تبين أنها فشلت فشلا
ذريعا في تقديم أية نتيجة لصالح هدوء الوضع الأمني على أدنى حد ، وهنا تحملت
حكومة الجعفري وتتحمل تصاعد الصراع الطائفي الذي بات أهم سمات السياسة الداخلية
وتشترك فيه كل الأطراف ، وقد عبرت بعض العمليات المتبادلة بين الشيعة والسنة
الى التأكيد على حقيقة وجود بوادر حرب طائفية على نطاق واسع بدون أدنى شك .
ما نريد قوله الآن هو ان هذا الفشل الذي تعيشه حكومة الجعفري وتخلي المرجعية عن
دعم قائمة معينة والقانون الجديد للإنتخابات كله يقود بأتجاه أن تتحول الأمور
لصالح كتل سياسية أخرى ، وهذا ما يؤكد ان الدكتور أياد علاوي ومساعديه يتوجهون
للمزيد من حملات الدعاية المناهضة لحكومة الجعفري ويحاولون تقديم الوعود
والمغريات لعدد غير قليل من الشخصيات العراقية ولا سيما السنية منها
والليبرالية من الأطراف الشيعية ، في تشكيل تحالف قوي يدعمه الأمريكان بشكل
واضح وربما سيتوسع ليشمل قائمة التحالف الكردستانية التي تجد الان في إياد
علاوي الحليف الأفضل إذا ما قيس بالتحالف مع قائمة الإئتلاف العراقي الموحد ،
والسبب يعود الى دور مهم لأمريكا في محاولة تحييد وتحجيم التيار الشيعي ودعم
التيار الليبرالي بعد ان وجدت في القوائم والأحزاب الدينية نموذجا غير مشجع
للإستمرار في منحهم فرصة الحكم مرة ثانية .
فحكومة الجعفري فشلت في الإنفتاح على المحيط العربي واقتصرت عملها الدبلوماسي
فقط مع إيران وقليلا مع الكويت الذي قدمت فيه تنازلات في منح الكويت جزءا من
الأراضي العراقية الغنية بالنفط ، وفشلت في تقديم إيران كدولة إقليمية كما هو
حال تركيا والأردن والسعودية من خلال منح إيران فرصة المساهمة في السيطرة على
جزء من السياسة الداخلية والإقتصادية وهذا ما سينعكس مستقبلا على دور إيران في
العراق .
كل ذلك سوف يسهم في إيصال علاوي الى الحكم ليس بسبب أفضلية الدكتور أياد علاوي
، ولكن نكاية بالجعفري الذي سوف تواجه حكومته عزلة داخلية خانقة قد لا يخرج
منها إلا وهو مثقل بالفشل الذي سيقدم علاوي كمنقذ ، وهو ما نخشى من انه لا
يختلف عن تجربته الماضية . حيث أن الجعفري بقي في الحكومة لمدة أقل من سنة
وفشله قد يكون سهل المعالجة لكن عندما يأتي علاوي الى الحكم فأنه سوف يبقى أربع
سنوات وهنا وبما ان العراق مبني على الفوضى والخراب ، فأن الخراب سوف يزداد
وتزداد معه الفوضى ويتطور الإرهاب ليصبح مشكلة لا يمكن التعامل معها ولا تقبل
القوى الإرهابية عندها بالتنازل عن موقفها القوي ، وهذا ما سيدفع بأمريكا مرة
ثانية لمغازلة المقاومة الوطنية والتي لا تلق قبولا من الأكراد والشيعة .
ترى كيف يمكن للدكتور الجعفري او الدكتور أياد علاوي او حتى القائمة الكردية
الإجابة على تساؤلات ما بعد الدستور والمحاصصة فيما لو فشل التصويت على الدستور
وحدث الفراغ الدستوري ؟؟
|