From : almawed2003@yahoo.com
Sent : Monday, September 12, 2005 5:46 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

بسم الله الرحمن الرحيم
رسالة الى وزراء الثقافة العرب
اطروحة ادبية فنية في سياسة العمل الثقافي
جمال السائح
كاتب عراقي في القصة والرواية 

 


سيادة وزير الثقافة المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد ،
اني الكاتب القصصي والروائي جمال السائح ، أتوجه اليكم بمزيد من الشكر والتقدير لقاء منحكم اياي مثل هذه الفرصة، وانه ليسعدني أن أتجاذب أطراف الحديث مع فخامتكم ، إذ ان تعاطى هموم الادب في عالمنا البشري اليوم لا سيما العربي منه أصبح من يوميات الاديب المعاصرة . .
سوف يكون حديثي مفتوحا ، لا يروم الاقتضاب ولا الاسهاب ، بل يقع بين هذا وهذا . . لأني لا اريد أن استخلص ، فلربما يفوتني شيء مما أحسبه على ضرورة المقال ، ولا اريد ان اطيل، بحيث أبتعد عن صلب الموضوع ، فيفقد الكلام أهميته ودقته . .
أما عن نفسي ، فاني ازاول الكتابة في الادب القصصي والروائي ، وعلى الخصوص أدب الرواية القصيرة ، باعتبار ان مشاريعي القصصية التي وضعت لها ما يقرب من الألف فكرة ، كنتُ حدّدت فيها الشكل العام للبناء القصصي ، وهو الصيغة الاولية التي تنطلق من عندها أحداث كلٍّ منها على حدة . .
ومن البديهي ، الذي لا يمكنه ان يغرب عن بالكم ، ان مثل هذا الحجم من الافكار ، هو ليحتاج الى ذهنية تتمتع بهدوء نسبي ـ في اقل التقادير، وامكانية تفحص دقيقة ، وسرعة في معالجة التقنية التي تمرر عواملها في جزئيات الحدث ، وبراعة متمرسة في رسم الحركة المتداخلة للشخصيات في عمق الاشياء التي تتحدث عنها مفارقات الحكاية . .
هذا ، اضافة الى تنوع في المنهجية العامة للاسلوب القصصي ، والذي له ان يفرض عناوينه العامة والتفصيلية على اجواء الحدث العام والتي لها أن تتوزع على جملة القنوات المتصلة بمصادر الحبكة الموضوعية ، والمكونة بدورها لمجمل الدِّلالات الحَدَثية ، ومن ثم صياغة محددة ربما تنأى بعناصر القصة ، او تقترب بها من طبيعة الصراع المفترض حدوثه ، في سلسلة من المقاطع المقننة بمناخات الحدث او أجواء الحركة المترادفة بفعل ذلك الضخ الزمكاني ، والذي له ان يدعم الشخصيات او يعمل على افراغها من محتواها ، فيما لو لم يتيسر للكاتب السيطرة على تحركاتها النوعية ، حتى لينتج عن ايجابية تلك الصناعة وضوح في الفكرة ، وصلابة في المنهجية المتبعة لصياغة العمل ، فضلا عن وثبة في مجال الوصف والنقلات الواعية لطبيعة الجمل المنتقاة في مثل الظروف التي تتلبس معاني القصة ، في ظل جملة من أسباب تعمل ما بوسعها ، للحيلولة دون وقوع أي اتصال مدمّج ، يستطيع أن يمزج ما بين الدلالات اللغوية والاشارات الرمزية ، بشكل يفقد معه القارئ حرية الحركة داخل النص ، بعد ان كان فقدها المبدع نفسه ، من دون ان يشعر بأنه اضاع عنصرا وجيها ، بامكانه ان يلعب دوره النزيه في ترتيب حلقات المعالجة النصية لنفس الحدث . .
كل هذا ليحدث ، ومن دون ان يعي ـ في الوقت ذاته ـ انه كان قد تخلى عنها عنوة ، وربما تحت ضغط سحابة من السرديات ، التي كانت أشغلته عن بناء الاشكال الرمزية وتوزيعها بالكامل . . وتنويع ملامحها الذاتية والموضوعية بصورة شيئية ، لها أن تتداخل بدواعي ظنية ، وعلى حساب التلميحات التي تقرب من المفاهيم الادراكية . فتتعاطى صناعة الابعاد الحسية والمعنوية المؤثرة في قلب الحدث ، الذي يمكنه ان يتفاعل مع العناصر السردية السابقة واللاحقة، كي يتم التعاون المنهجي من أجل صياغة حالة خاصة من السرد ، لا يكاد يشعر معها المتلقي الا بما يوحي له بالخمول ، عبر فرض صيغة عليه، تتصف بالتقاعس ، ولا تثمر الا التشاغل بما يمكن له ان يستاقه ، الى حيث لا يريد ان يرحل هو وبأفكاره . .
يعني ان لا يصبح معها القارئ نفسه ، دخيلا على الحدث الذي كان يتابع وقائعه ، او بالعكس تماما . . في حالة ربما يفقد معها السيطرة على جزئيات الحدث ، وحوار الشخصيات التي لها ان تتداخل هي الاخرى ، إن لم نقل تتصارع ، دون معنى ، يمكن ان يزرعه المبدع في عقلية القارئ نفسه، والذي كان تركه على قارعة احدى المفارقات التي زجّته في عمق سرادقها بحثا عن اشياء لا تجدي . .
حتى اذا أفاق معها هذا ، كان له ان يتذكر بأنه أهدر الكثير من وقته في التفتيش عن صور ، هي غير متوافرة اصلا في عنصر الحدث ولا في زمانيات الموقع التي كان للمبدع ان يضخها في نفسيته ، من دون فهم لطبيعة المجريات التي استأخذت بمادة الحكاية ذاتها ، وذلك كله له ان يجري، والوعي الذاتي للقارئ هو في غيبوبة قسرية ، انقطع معها عن مساحة الواقع الخارجي ونطاقات مناخية كان أحرى بالكاتب لو يتجنب إقحامها او على اقل التقادير أن يتجنب الاسهاب في ارسال ظلالها وإسقاط شعاعاتها ، بل وفي إرخاء سياقاتها غير المجدية ، في طريق قراءة المتلقي الذاهب على رسله . .
حتى كان قد اصبح هذا المُخاطَب ، هو الذي يحاول ان يدفع بعجلة الحكاية الى النهاية ، بينما الحقيقة تفرض نفسها بصورة عكسية تماما ، لأن المنتج القصصي هو المكلف باختيار طبيعة السياق ، وبالتالي اختياره لنهاية يمكن ان تتسع لها سلسلة الاحداث المتتابعة في داخل نسيج الحدث العام للقصة نفسها ، والتي يتولاها بناء ينبغي ان يفعم بسياقات متتالية ، كي لا تشذ الاحداث عن طبيعة النص ومحتوى الدلالات اللغوية لا سيما ما يقع منه في حيز المضمون الفعلي لاساسيات المعنى والفكرة قياسا الى متطلبات الاجواء العامة للقصة ، والتي تحرص على ان تحفظ الصراع القصصي . . في اطارٍ من الجدل المدعم ، بتقنية الحوار المنبعث بين طيات المعالم الحدثية كافة .
كل هذا ، هو بميسوره أن يحيل القارئ إما الى دوامة يتوه فيها ، او وضوح من دون طائل يعني بجدواه ، فيخلو فيه المعنى تباعا من سلطة الرمز المطاطية ، والتي تتقلب في خضم مناعة حيوية ، لها تضفي على جملة المستوى الكلي للحكاية خصوبة متينة ، تعلو فوق الحدث نفسه ، لتتعالى عليه بالتالي في اطار يتفق مع بنائه النصّي وفقرات العبارات التي تتسع لمختلف الجمل ، حتى ينقلب ولربما الى سطحية تغلب على الخطاب ، وضبابية تعلن عن تساقط جملها ، بسبب تلقيحها قبل موسم تكاثرها !
مما يضطر هذا كله ، بالمتلقي الى الاسراع في متابعة الاحداث ، بعد محاولة إفراغ عناصرها ـ ومن قبل صانع النص نفسه ، من أهم السياسات التي يفترض به ان يقسو ، ومن خلالها على ذهنية القارئ ، كي يستأخذه بتقنية الابداع الذي توصل اليه ، عبر خصائص نتاجه الادبي (باعتباره هو المبدع) . .
ولا يريحه ! إلا بعد ان يشعره بلذة المتعة الحاصلة ، نتيجة متابعته لسلسلة الوقائع التي تتضمنها احداث القصة . . من حيث الاسترسال مع الحدث ، ومن دون ملالة ، او انعاش لرتابة كانت قضت منذ زمان . . حتى يترتب عليه تشريد قسري لموهبة المتلقي في حريته لانتقاء صور الجمالية ومعاني الاثارة التي ينبغي ان تثري العمل القصصي ، وبالشكل الذي تتوزع معه على ضوء الاحداث المتراكمة، وفي مختلف الاصعدة . .
وبالتالي ستعمل على اثارة روح المتعة في نفسه ، ونفث نفحة من القناعة الذاتية بما انطوى عليه المثال من فكر مجد ، ومشاهد ترقى حتى الى مكانة تؤهلها لان تشبع الاغراض النفسية بالحس المسلّي كذلك ، زائداً عليه المعنى الذي لا ينتهي الا عند ابتداء رقعة الترف الفكري . . بإقحامٍ لأساليب تبعث الملل في قالِب الحكاية ، المثقل بأركانه جميعها (والتي بدلا من ان تنوء هي بثقله ، يصبح قالب الحكاية هو الذي ينوء بعبأها ، وهذا ما يثير الجدل) . . ومن قبل ان تبعثها في نفس الاخر .

سيدي معالي الوزير
ان الادب في عالم اليوم ، يتجه وبشكل لا ارادي نحو السعي لتأصيل حالة من الطواعية لكل الاداب ، وهذا ما اراه يندرج في صيغ الاحساس الفطري الموحد من حيث ان طبيعة الاشياء يجب ان تأخذ دورها المتفاعل في كل الادوار رغما عن ارادة الازمنة المندحرة بفعل الانطوائية والتشدد الفكري والتحجر في قراءة الدين والوقوف على تفسير محدد ، يلائم الذوق التقليدي والذي لا يفهم سوى لغة الانغماس في الذات التأريخية للاسلاف دون الاخرين ، كما لو كان الزمان لا يتحرك الا بفعل نوابض علقت اطرافها في غابر السنين مما أدى بالمفكرين لا سيما النخبة الى التحرك صوب الثورة الفكرية ومن ثم تعاقبت السنون حتى ولدت الحداثة وما بعدها . .
ولكن من المؤسف انه اليوم وحينما يتحرك المبدع في داخل حدوده الانسانية ، نجد ان كثيرا مما حولنا يؤلب الرأي العام التقليدي الذي يجتر عوامله من توريخ العصر الحاضر ، يعني عكس عصرنة التأريخ ، مستغلا عظم العلاقة المتأصلة ما بين الانسان وتأريخه الديني، كي يطرق عليه لعنته كلما تهدد الابداع افكاره المهترئة والتي ما عاد يقوى على تسويقها ، الا في عالم هؤلاء من الذين ظلوا يتباكون على ايام عصور مضت ، ونسوا ما ذكِّروا به من ضرورات العصر التي يجب ان يذرفوا الدموع عليها خوف الفوت ، لأن عجلة الزمان تتحرك اسرع من ذي قبل ، وقاطرتها تقطع المسافات التي تربط ما بين السنون ، بسرعة تعادل عشرات الكيلومترات ، حتى غمرتهم خيوط العناكب واستأسدت من حولهم كل المتغيرات التي شعروا معها بأن لها ان تنهي احلامهم القديمة وأوهامهم المغبرة ، بعد ان تأكّد لهم ان رؤوسهم قد خوت الا من موروثهم الممزق . .
فلم يعد معهم من زاد سواه ، فعرجوا عليه بعدها ، يجترون منه ما يشاؤون تمثلا ببعير الصحراء . . ومن ثم يقطعون المسافات تلو المسافات ، ويعودون يجترونه نفسه ، لكنهم نسوا ان البعير يتزود ثانية بعد خواء معدته السفرية ومن جديد ، فواصلوا الاجترار ، ولقد اصبح موروثهم التأريخي اصفرا يشبه القئ ، لا يهضمه اسد ولا يلعقه كلب ! بل ولا تستسيغه حتى جرذان الصحراء التي تتغذى على أوصال الجثث الفاسدة . . فضلا عن انهم نسوا ان البعير هو غالبا ما يفعّل نشاط تلك المعدة في السفر وحده ! لكنهم كانوا يفعّلون نشاطاتهم تلك في كل الاوقات ، في الحضر والبدو !
ولقد غدوا بعدها يتغذون على فيلم واحد ، وسيناريو واحد ، وممثلين هم ذاتهم على طول الطريق . . يقوم عمل كل هذا الفريق على ذات النص الواحد . وغاب عنهم حركة الزمان من حولهم ، وكيف ان الانسان هو رأس عجلة التأريخ ، وهو رأس الهرم في قمة التغيير ، لأن الزمان ما كان الا هو ، وإلا فان الزمان عنصر مجرد يفقد محتواه طالما فقد الانسان محتواه . لذا ، كانوا هم قد فقدوا كل محتواهم الايديولوجي ، لانهم ما زالوا يتقلبون في وحي تلك الايام الخالية ، بينما الانسان العصري والذي كان قد دفع بعجلة الزمان الى أمام حتى استطاع ان يغيّره تدريجيا ، من دون ان يؤثر على الثوابت التي تقوم عليها اسس الحياة والبعث . .
بينما انقلبوا يتهمون التجديد باعتباره ثورة على الزمان ، لأنهم لم يعوا حقيقة ذواتهم التي أبقت على البقرة حية ، فغاب عنهم طعم لحمها ، ونكهة مذاقها ، لأنهم كانوا وقعوا في عبادتها . . كذلك تأريخهم ، فبدلا من ان يعملوا على تطوير نسل الابقار، ويتركوا البشرية تتغذى من لحومها وألبانها ، عمدوا الى السجود لها كما عمدوا الى السجود الى التأريخ نفسه ، حتى احالوه الى القدسية بكل ما ورثوه عنه من أسمال وآثار . . وتردّوا في حفرته يبحثون عن نعل لأحد القادة القدماء ، كي ينعموا بالنظر اليه والبحث في آلية عمله . .
فهؤلاء بدلا من ان يستغلوا التأريخ ويدفعوا به الى امام ، وفق حركة ذكية ، عملوا على عبادته وتقديس كل مفرداته ، وتأليه كل أفراده ، والانكباب على كل يومياته . . حتى غدوا كمن ظل ذهنه يعيش على فيلم واحد وبالاسود والابيض ، ويتغذى عليه ويستلهم منه أفكاره . . بينما كانت ولمّا تزل استوديوهات السينما من العالمية من حولهم تتسابق في التنافس على انتاج احدث الافلام، واكثرها متعة واثارة ، واغزرها معاني ورموز ، وأبعدها غورا في رسم الملامح وتصوير معاني الوعي الانساني الحديث والقديم معا ! وأمعنها بساطة في العرض ، وصولا الى التلاعب بثوابت نفس التقنية والفنية التي ما عادت تقنية الامس وفنية الماضي في عالم السينما هي الاخرى بالتي تنفع . .
بينما ما كانوا يلمسون في فيلمهم هم الا الاصالة التي نسوا انها ما كانت تمثل الا فترة من الزمان ، ونقطة انطلاقة لمرحلة اخرى تأتي لاحقا ، ليتوالد الزمن ثانية ، ويستمر التواصل والعطاء ، فيتلاحق التعاطي مع دورات العقل والموهبة ، التي تجعل من الزمان يكبر ، ولا تعود تتعامل معه كما لو كان طفلا يرضع ، او صغيرا يحبو ، وعمره قد ناهز الثلاثين !
هكذا قتل الفكر المريض زماننا الذي نعيش فيه ، وهكذا منع الفكر العليل كل ما يدعو الى تغذية الزمان بسنين جديدة ، ليس الغرض منها ان تدفع بعمره الى امام وتتركه يتقدم ، بل الغرض الاساس منها ان تحقنه بحقنات حضارية ، تعمل على تغذيته ثقافيا وخلقيا ، بحيث تواصل الضخ في وعيه وبشكل انسيابي متوازن متعادل، لا يحمله على التضور من الجوع ، ولا الاصابة بالبدنة من كثرة الافراط في تناول الطعام !
بينما ظلوا يعلنون ان تأريخا كان يمثل نقلة حضارية ، نبذت فيه الانسانية كل اوثان الجاهلية وأرجاس ما باد من العهود التي خلّفتها وراءها . . لكنهم حين يصطدمون بحركة التأريخ وضرورات العصرنة ، وفوائد التجديد ، وبوادر الحضارة ، فضلا عن حاجة الانسان الى ما يؤهله ويؤهل ابناءه الى العيش وفق هذا العالم المفتوح الذي يحيط به من كل جانب ، وترغمه تقنياته على الانغمار فيها ، والتجانس معها ، وبشكل يدفع بقدرته العقلية والعملية ـ التي لا تقل عن قدرة الاخرـ على التواصل مع مفرداتها اليومية ، ومستقبلها الذي غدا هو الاخر مستقبله ، وبالصورة التي تحفظ استقلاليته وقوة تفاعله الفكري في الوقت نفسه . . فحين يصطدمون
كي ينتج ، ويعمل على تنمية مواهبه ، فيتوفر له الهدوء الفكري ، كي يقدح زناد عقله ، ويشتغل بأفكاره ، ويعود ليفكر ويتأمل ، من دون ان يقض مضجعه صوت يعرفه جيدا ، لكنه ينبعث اليه من دهاليز التأريخ المظلمة وأتون النيران التي كان أطفأها العصر الحديث حينما دفع بالتيار الكهربائي بدلا من ايقاد شعلة من نار ، حتى ترك الزمانَ يرتاح ويستأنس بمثل هذا الفكر، وترك الحضارة تستعيد عافيتها مع استعادة عافية العقل ، بفعل توافر كل هذه الامكانيات العصرية التي لها ان تدفع بسرعة التلقي والإنماء الى اسرع مما يتصوره العقل بفعل وحي الآلة وعمل الالكترونات بشكل لا يتعارض مع قيمة الانسان الخلقية . . والتي لا ينكرها جميعها هؤلاء الذين يعيشون في هذا العصر ، وأفكارهم قد ظلت تقتعد لها مكانا في رحم التأريخ ، وهي لما تزل تغتذي من ضرعه . . حيث تراهم ينحون باللائمة الشرعية على كل ما اسمه حضارة وحداثة تسعى سعيها في الاشياء . . مع انهم بقوا على قيد الحياة بفعل أنفاسها الطبيعية والصناعية . .
وما يعلمون انهم ، وحينما عمدوا الى حرب الحضارة ، ما كانوا الا قد نفو عناصر الحضارة وبأشكالها المختلفة ، حتى انعكس ذلك على نفيهم للانسان الذي ما كانت للحضارة ان يقوم لها قيام، الا بفعل جهده الانساني والعقلي والفكري والعلمي والعملي . . ومن ثم كان نفيهم لأنفسهم ، لأنهم حين نفوا الانسان كانوا قد نفوا في نفس الوقت انفسهم . . لأن رفض الحضارة لا يسعه الا ان يلحق الرفض بأسباب الوجود التي ما كانت الحضارة ، الا وليدة صنعه ووليدة حاجته ، فما كانت لتكون الا به ولأجله أساسا .
لكنهم حينما لا يرون الا انفسهم ، سيكون تفسيرهم للايديولوجية الحضارية ينحصر في وجودهم انفسهم ، وفي قراءاتهم الذاتية للاشياء من حولهم ، وفي الصور التي يزرعونها في كل مكان كالالغام المميتة والقاذفة بروع الانسان قبل ان تذهب بأوصاله وتعمل على تشتيتها كما تعمل على تشتيت افكاره وبعثرتها كما لو كانت تبعثر حطاما او حتى قمحا وشعيرا ، وما درت عقولهم انهم يبعثرون كيانات انسانية صنعها الله في طرفة عين كانت عندنا تعدل خمسين الف سنة ، يعرج فيها الملائكة والروح اليه . . وبذلك كان لهم ان يقتلوا الانسان، ويحصدوا ثمن انتاجه ، وريع أفكاره ، بعد ان كانوا قد حظروا على عقله التجوال في الانواء والآفاق ، بعد ان منعوه من الحديث بلغته التي نشأ عليها بحجة انها تزيده ولعا بتدوين الافكار وتسجيل الخواطر التي كان اُغرِم بها ومنذ الصغر !
حتى كانوا قد قطعوا عليه السبيل بينه ، وبين المستقبل كي لا يكويهم بنار الفكر المتوهجة طالما هو في حركة افقية وعامودية باتجاه الامل الذي ينعش أفكاره ويغذي أحلامه . . تلك التي كانوا قد فكروا بها هي الاخرى وعمدوا الى محاولات طائشة لاغتيالها ، لكنهم لما باؤوا بالفشل الذريع ، اقنعوا انفسهم بأنها اشياء لا ترى ولا تسمع الا تحت طائلة النوم ، واذن فهي اشياء لا جدوى منها ولا جدوى من التفكير بالقضاء عليها لأنها منعدمة وما كان منعدما لا ينبغي الاهتمام باعدامه وخنق انفاسه . .
لكنه فاتهم ان الاحلام تتجسد ، وانها واقع فكري مستقل بحد ذاته ، وانها تتفاعل مع الرؤى العقلية ، لتصبح حلما يعيش صورة واقعية تتنفس رعشات المرح والجد معا ! كي يستثمر كل الوقت ، وينضح بعرق الحب والوئام ، من أجل ان تصل القوافل الى المدى صوب الافاق ، حينما يتم الانتهاء من تعبيد الطريق امام الاجيال التي تأتي من وراء المفكر والمبدع ، كي يبدأوا هم وبأنفسهم بعدها مرحلة جديدة في الإنماء والتعبيد !
ولقد كان همهم ان يدَعوه يقطع المسافات على ظهر الجمال والبغال كي يتمثل التأريخ بأصدق معانيه ، بينما كان لهم ان يمتطون ظهور احدث الطائرات للتنقل بين اقصر المسافات . . وتراهم يرددون : سُبحان الذي سخّر لنا هذا ، وما كُنّا له مُقرنين ! غير انهم نسوا انهم كان عليهم ان يقولوا : وما كُنا مقرّنين إلا بأصفادنا التي تركنا حلقاتها تنمو ويتزايد ضغطها حتى تعاظمت وألقت بثقلها على انفاسنا وصهرت عقولنا بعد ان كانت قد صهرت افكارنا ، وتركتها تتأرجح بين خمائل ، كانت اجسادنا قد تعلقت بأغصانها . . فما كنا نعلم اننا قد متنا منذ زمن ولم يبق منّا سوى تذكار ظل يثير الانانية في النفوس ، والنعرات في القلوب، وكل المشاعر الهجينة الرمادية التي ظللنا ننثرها في العيون كما يُذّرّ الرماد في العيون .
* * *
وخلاصة الكلام . . فإن البشر سواسية امام الله ، وما كان الادب الا ليوحد النفوس جميعا كما يوحدها العلم ، لأننا نقرأ لفكتور هيجو ونثني على كامو ونشيد بفكر البرتومورافيا ، وادغار آلان بو ، وهنري جيمس و . . بينما يُقرؤنا الغرب السلام ، فيحيّي فينا صالح مرسي ونجيب محفوظ ! ويغمر الاخير بتحفة نوبل للسلام . . ويبارك بجهود أحلام مستغانمي وفؤاد التكرلي ونزار قباني وغسان كنفاني وحنا مينا وفؤاد التكرلي ونازك الملائكة والفيتوري وسعدي يوسف ، كما ينادي بذكرى أيام طه حسين وروح توفيق الحكيم وأمطار بدر شاكر السياب وأبي القاسم الشابي وفدوى طوقان وأحمد شوقي وإيليا ابو ماضي . . بينما بريطانيا ما تزال تذكر الجواهري وبلند الحيدري ، وكم بقيت فرنسا تنشد عبقات ، كان تركها هناك الشاعر الراحل عبدالوهاب البياتي . .
وصناعة العلم تتلاقح بين البلدان ، وحركة التصدير والاستيراد ، هي الاخرى تتناسل بفعل الحاجة الى البضاعة وتسويقها في نفس الوقت ، والعوَز الى المال واستثمارها كذلك . .
أما في كل هذا آيات للمؤمنين ، أمَا في كل هذا آيات ، لِمَن كان له عقل وألقى السمع وهو شهيد ، بل لكل لبيب وعاقل ، ولكل ذي فكر وتمحيص !
فما كان للمسيحي واليهودي والمسلم الا ليأتي الله فردا ، لا يمجده ثمّتَ الا عمله الصالح ، وعندئذ كان لمنكر ونكير ان يكتبوا على اضبارته من يكون هو ؟ والى اي اعتقاد ينتمي ! وليس بوسع احد ان يحدد هويته المستقبلية في عالم الاخرة الا بفعل عمله واجتهاده في خلقه وانسانيته وجهده ! ليس إلا !
فلربما يموت المرء مسلما ويحشر مسيحيا ، ويموت يهوديا ويحشر مسلما ! والدين كله عند الله واحد سواء كان ما تعورف عليه في الارض بالمسيحية او اليهودية او الاسلام ، لِما كان عليه افرادها من تصور عن طبيعة كينونة الاله والايمان بوجوده ، ولكن قل كلٌّ يعمل على شاكلته ! فما يبقى من هذه الدلالات الا عمل الانسان ، فهو تأشيرة دخوله ، إما الى بلدة الجحيم او الى بلدة النعيم ، او يظل هكذا في فندق الترانزيت ، فوق الاعراف حتى يحكم الله بأمره بعد ان ينظر في شأنه !
سيدي فخامة الوزير
لذلك ما كان ان يبقى الا وجه الله ، لكن ربي ورب آبائي الاولين آثر على نفسه الا ان يبقى معه الانسان ، فيخلده في الدارين ! يتركه يناشده ويناجيه ، ويستمع الى لحن وجده ، ونغمة كربه، لكنه لا يقتر عليه من رحمته ، فيثلج صدره بين الفينة والاخرى . .
لذا ، فان جنس الانسان ما كان الا مكرما ، ومن ثقل طائلة هذه الكرامة انها لو توزن بحرمة الكعبة واستباحتها ـ على سبيل الفرض ـ ما كان الا لكرامة المؤمن ان ترجح ، فحظر اهانة الانسان، ومسّه بالتجريح القولي والفعلي ، وترك لنا منطقاً نتناطق به ، ونتثاقف من خلاله !
وكما لحرمة القول والفعل مثابة ، فان للجسد صولة ، يمكن من خلالها ان يعبر الافاق كي تسهم الجوارح والاعضاء والحواس في انتصار مظلوم ! او يعبر افاق اللذة كي يعيش اللحظة التي تصله باللحظة التي تليها ، ويظل في اثرها باقيا على قيد الحياة ، كي ينعم اكثر بنعمة الوجود التي تدفع عنه نقمة العدم ، بعد أن كان الله قد أرادها له ، ماثلة له وللعيان ، طيلة حركة التأريخ وعودة الزمان ! حينما يأتي الله ينقص الارض من اطرافها كما لو كان لها ان تلد اليوم !
* * *
وكانت رحلتى عبر الايام ، وفي خلال قوارب الادب ، حيث دفء الشتاء فيه ، وارتعاشة الخريف (كما يحكي لغة المطر : مجدد الشعر العربي ـ بدر شاكر السياب) .
ولكن ظل للجسد كل الوحي في ذاكرتي الادبية ، حتى كنت متأثرا ولا زلت بأدب البرتومورافيا الذي كان فيه السياق اللغوي يحاكي لغة الجسد التي كان يعيشها هو في أغلب اللحظات حتى بعد أن تقدم به العمر ! لكني كنت وما زلت اعنون الجسد تحت عناوين شتى ، خدمة للاغراض الثقافية المتنوعة ، وذلك انطلاقا من حرصى على القيام بمسؤوليتي تجاه الاجيال خير قيام، واهتمامي بالتعاطي مع صورة الجسد التكوينية بكل شفافية متزنة ، يمكنها ان تتعامل مع ما يحيط بها من معادلات ، كما هو يمكنها وفي الوقت ذاته ان تتداخل مع الملامح والتفاصيل بشكل لا يدعو الى الرثاء ، ولا الى الجنوح !
همومي يمكنها ان تتقاطع وتتشابك غصونا وأفانينا ، خيوطا وشباكا . . بحيث لا تنتهي عند مشارف قصة ورواية قصيرة ، أو جدران رواية طويلة ، او حتى الربوع الشاسعة في قصة طويلة . بل ، انها لتتضارب في وحي تسجيلي ، بامكانه ان يمهد قلمي للتسابق مع الزمن ، لينعطف به في رحلة قصية ، كما نفعل بعض المرات حينما نمتطي السلم المتحرك ، ومع ذلك نتسابق في الصعود فوق نفس الدرج الذي يرحل بنا الى اعلى ، او ينحدر بنا نحو الاسفل !
يطربني الحب ، وينثال في قلمي لونه ، ويصبغنى في الغالب بورديته ، حتى يثيرني بكل ملامحه التي لها ان تتجسد في المرأة كما قال عنوان فلم المخرج الفرنسي روجيه فاديم (وخلق الله المرأة) لانها ابدع مخلوق وأجمل موجود ، كانت جسدت صفاته المثيرة في وقتها الممثلة الفرنسية بريجيت باردو !
ولكن ! لو فقد الانسان غريزته الجنسية ، هل كان يفكر بالمرأة وحب المرأة وغرامه بها ، فيظل يحكي قصص عشقه ، وتواريخ لقاءاته ، ومواعيد قبلاته ! وهل كان للانسان ان يكتفي بالحب ، بدلا من ان يقتات جسده على بالجنس . . لكني اقول ان الغرام يبقى ! والهوى لا يزول ! لكن فعل الانسان للحب مع من يحب ، يستحوذ على حرارة بالغة ، ومتعة صارخة !
لا اريد الخوض معكم سيادة الوزير في مناقشة بهذا الخصوص ، ولكن لغتي القصصية والروائية لتأبى ان تتحرك الا وفقا لمثل هذه الضوابط الالهية ! لأن شرح الجنس وحكايته ، يمثل لغة ادبية ، تمتلك ابعادا تأريخية فكرية . . تنتوي منهجها في كل البساتين النفسية . . لأننا نحب الجنس ويأبى عرفنا الحديث فيه . ولكن ما ضر ان ننطق به ، ونعرب عن مشاعرنا تجاهه ، ونعيش الحب ، كي يحيا الحب فينا ، لأن التفاؤل بالخير هو غالبا ما يأتي بالخير !
ولا اريد الاطالة ، ذلك ان الجسد لا يخيف ، لكن الذي يذهل من الرعب هو نفس الانسان الذي يتوارى خلفه ! نريد ان نغذي الاجيال على احترام الجنس ، والكلام في الجنس ، ونقيم العلوم كي نثقف اولادنا جنسيا ، من دون ان تثيرهم هذه اللفظة ، ومن دون استفزازهم ، وذلك عبر التلقين الخلقي الذي له أن يبعث الوازع الانساني في ذات الشخص ، وبالتالي العمل على صقل الفكرة في ذهنية الانسان ، ومحاولة التعريف بجزئيات مخاطر المسألة التي تحتمل السلبيات الخطيرة ايضا ، الى جانب الايجابيات التي تحمل بين مطاويها . .
هذا كله ، له ان يجري لاحقا ، يعني بعد أن نكون أسّسنا قاعدة قانونية متأصلة في النقاء ، تمنح كل الحريات ، وتمنع كل التجاوزات ـ في الوقت ذاته . . وذلك ، بفعل توفير سياسة القصاص الالهي في التصدي للمغرضين والمحاربين لكل عناوين وتفاصيل الحضارة وبكل ابعادها ، والتي يشكل الانسان وحريته الجزء الاساس فيها، كما يشكل ممارسته لانواع حرياته هو الاخر بعدا عمليا لها . .
بينما أن تلك القوانين القصَاصية ، ما كان لها ان تكون الا متناسبة وبشكل محكم قويم ، يتقاسم حاله طرفا الحياة . . مجمل الظرف الزمكاني للتأريخ المعاصر الذي نعيش أيامه ونحيا ساعاته . وإلا ، فلو لم يكن ثمة قانون يمنع التجاوز ، لما كان ان نعدم حدوث الانحطاط الخلقي والتلقائي في المجتمع .
فإن تجولت امراة بثوب معين ، أو برداء يحمل خصوصيات معينة ، او حتى (من غير هدوم ـ بالنسبة للمرأة ـ كما يعلق عادل امام) فليس لأحد ان يهضمها بعينيه ، تمهيدا للاعتداء عليها ، بجريمة اغتصاب ، او بفعل الثأر للتأريخ . . لأنها ما كانت تتحرك الا في دائرة حريتها التي تتعلق بها ، وما كان ليكون فعل ذلك الشخص الا تجاوزا على اطر حريتها ونطاقاتها التي تمارسها . وليس لأحد ان يهاجمها تحت طائلة التذرع بأعذار واهية من قبيل انها تثير الوساوس الشيطانية في رأسي ، او انها تستفز مشاعري الدينية . لأن الدين لا يُغلَب ، ولكن العرف هو المغلوب ، ذلك ان الاخير له اصابع خفية ، باتت تحرك فينا كل مشاعر الغليان الكاذبة . . فلو عفونا عن غلوائنا المخادعة وعصبيتنا المتحايلة . . عصبية الجاهلية الاولى . . لكان لنا ان نأكل من فوق أيدينا ومن تحتها . .
فالغرب تجاوز هذه الحدود ــ ولو كان له ان يعاني منها بالشكل النسبي ــ لأنه تجاوز سياسة فرض الحصار عليها ، وما تجاوز حرية التفكير بها والتأمل على سبيل تحديث ابعادها ، وتنويع مجالات التخطيط لها ، بما يخدم حرية الفرد التي لا تتعارض ابدا مع حرية المجتمع ، وبكل توجهاته . . لان نفس المعترض كان له ان يدين نفسه وبنفسه من حيث انه وحينما يعترض على مثل هذه الحريات ، فانه كان قد ابدى التعبير عن حريته ، وتمثل لونا من الوان الديمقراطية كان اختصه لنفسه واحتكره لديها ، بعد ان حرم غيره منه حينما صادره بنفس حريته . .
واذن ، فاليوم نحيا صراع الحريات . . حريات تتنافس مع بعضها . . لكن للاسف قلبها البعض الى صراع الحريات من اجل البقاء، فالحرية التي يفرضها من يتنفذ هي التي تحيا ويظل لها حسن البقاء ، كما الشيطان يفعل مع احمد مطر حينما يقول لأذنابه ما معناه : ما عاد لي مكان ، انتم ستلعبون دوري !
بين