From : almawed2003@yahoo.com
Sent : Saturday, September 10, 2005 5:32 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : الاستاذ زهير جبر هذا تعقيب على دراسة الدكتور ابراهيم عوض ... جمال السائح
 


تعقيب على دراسة للدكتور ابراهيم عوض
بشأن المفكرة السيدة ارشاد مانجي
بقلم : جمال السائح


في البدء ..
اريد القول بأن ما اسجله هنا ـ لا يمثل الا بعضا من الملاحظات التي تتعقب بعض الكلام الصادر عن الاستاذ الدكتور ابراهيم عوض في دراسته التي تستعرض فكر السيدة الكندية ذات الاصل الباكستاني : ارشاد مانجي .. عبر قراءة نقدية .
هذه الملاحظات التي دونتها هنا ، هي اشارات لتوعية الدراسات النقدية وتعميق المفكرة الناقدة لدى كتّابنا وقرائنا باعتبار ان لغة الكلام هي بداية الوصال الذي له ان يشق غبار العتمة ويهز كل قلاع التحجر والانفلات وهو الذي بوسعه ان يليّن من حدّة اللهجة لدى الخصوم (اذهب وقولا له قولا لينا) كما الاخلاق هي السيف غير المرئي ولذلك لخص خاتم الانبياء (ص) رسالته في (انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق) انطلاقا من (أدبني ربي فاحسن تأديبي) فهاهي لغة الرسالة والانبياء تنضح بالعقلانية والمنطقية وعدم الخلط بشائبة النعوت والاوصاف غير اللائقة بنا وبلغة النقد والادب والعلم والفكر .. كما يمكن اعتبار ذلك اشارة الى الكثير من المقالات التي ترد الى صحيفتكم الغراء والتي لا تكاد تخلو من مثل هذه الصيحات والافانين في القذع والسباب وتوجيه الشتائم لان في الخلق الصائب اكثر صوابا من افراز القلم واليراع لكل ما هب ودب من الالفاظ النابية والمصطلحات اللاذعة .. والتي ليس لها ان تؤتي اكلها الا بشكل معاكس يدع الجانب الاخر يلج في طغيانه ـ ان كانت حصّالته تشتمل عليه ـ او عناده او خصومته ..
فاول مؤاخذة اسجلها على دراسة الاستاذ الدكتور هي عنوان الدراسة نفسها وهي:

شيخة الإسلام السحاقية والاجتهاد على الطريقة الأمريكية

فلماذا روح التعالي والسلطنة وسلب الاخرين ابسط حقوقهم والتندّر على مواقفهم بل افكارهم واتجاهات سلوكهم حتى لو كانت خاطئة (على سبيل المثال) او كانت تحتمل العلل ومن ثم السخرية من ادعاءاتهم والتحذلق بما نمتلك من افكار حرّيفة ننظمها في كلام غير مستباح ..
لماذا نعيش دائما من حيث ننظر الى الاخرين عبيدا لآرائنا واعتقاداتنا الشخصية؟
لماذا نحاول استعباد اذهان الاخرين دوما حينما نجد ان افكارهم لا تصب في خيلاء افكارنا ؟
بل لماذا نستعمر مخاخ الغير تحت ذريعة القيمومة المتصلة بقيمومة السماء ؟
لماذا نصادر حرية التفكير وندع الانسان كالحيوان يعيش على التقليد ؟ لماذا ننفي وجود مفردة اسمها العقل ؟
لماذا نسفّه مقالات الغير كما سفّهت الكنيسة اراء غاليلو حول كروية الارض ، ولا ندعهم يكملون احاديثهم بل نتسلط على يراع الكلمة في أدمغتهم ونصادر اجنّة الرأي لديهم كما فعل فرعون ببطون نساء بني اسرائيل حين مكث فيهم زمنا يبقر احشاءهم كي يستخرج نواة العقل الكامنة فيها فلا تبقى بعدها صفة تنحاز بهم الى فهم دوائر الغليان التي تعتاش عليها تقنيات الفكرة والاغراض لديهم ..
فلو قال احدهم اليوم ان كروية الارض هي خارج اطار الحدس ، او ان اثباتها لا يتوقف عند النظر والمشاهدة بل ان ما حدث لدى من تفحص شكلها وتناهى في التقاط الصور لابعادها الحسية ما هو الا صورا ابداعية ينوء بها الكون من خارج دوائر مجساته في حين ان الارض مسطحة بفعل استمرار الفضائيين ومن خلالها الى الكشف عن سطوح ضوئية اخرى تتقاذفها اشعاعات كونية تتفق على تسميات كوكبية ومسميات لأجرام مبثوثة في المجرات داخل اصقاع غير متناهية.
ولو كان الرأي الاخير خطيرا في نتائجه العلمية ، ومتتبعا لتعميق هوّة رفضية لهوية عقلية ، من حيث ايغاله في التسليم بتنافي الحقائق رغم وجود الادلة المبسطة ، لكن هذا لا يمنع احترام فرضيته والوقوف عند استدلالاته فلربما كان في الخطأ تنبيها الى فجوة في الحقيقة المتوافرة لدى الغير ممن صادر عليها كذلك لكنه اقفل عليها منذ زمن وترك اضبارتها يعلوها التراب ، والصدأ يعلق بملفها ، وذلك في قيد المحفوظات والارشيف ، لانه كان قد انتهى منها وحسب ، وفاته ان عليه ان يعيد تقويم استقراءاته بين الفينة والاخرى حتى الصحيحة منها لانه ربما استفاد منها في استثمار مكنوناتها وفك حلقات اللغز الخبيئة في داخل عقد جديدة تنوء بها ازمنتنا المعاصرة ..
واذن ، لماذا وعلى الدوام ننهى عن خلق ونأتي بمثله ؟ فننهى عن مصادرة الافكار ونتهم الحكومات بممارسات شاذة في الدكتاتورية بينما نعود نحن انفسنا لنسكن في مساكن الذين ظلموا انفسهم حتى مستهم النار وفي ذلك وعيد لنا ايضا إن اخترعنا لأنفسنا تقليدا شائكا يحاكي فيهم الغلواء والعناد لا لشيء الا لأن من حولنا عبر عن رأيه المنافي لمعتقدنا في الهواء الطلق
فكيف تمنح لنفسك الحرية في دعوة الاخرين والعالمين الى افكارك ومعتقداتك وتدين في الوقت نفسه كل من يحرم حروفك المعلقة في أديم العقل لديك من ان تتنفس الصعداء في اروقة عقول الاخرين بل تندد بكل من يمنعك حرية التعبير عن رأيك وفي الوقت نفسه تنقض كالنسر الكاسر على كل من يحاول ان يفعل كما تفعل ويحدث الاخرين بما يثور في مكامنه ويكون بحاجة الى تفعيل الفكرة لديه في سوح الاخرين وعقولهم ..
فان كنت تخاف على دينك من الهرم او عقول مَن اقنعتهم بفكرتك من ان يتحولوا عن الاقتناع بك او ان يختلي بها آخر ويستميلهم الى بواعثه ودعواته فهذا يعني ضعفا في سياسة منحاك وركة في اسلوبك وقلقا في الوسيلة المفتعلة لإفحام الاخرين بصحة مدعاك وربما ما كان هذا ولا ذاك ولكن كان للاخر أن يفيد من اسلوب سلس واضح ، متفتح القريحة ، ينقر على الوجع برقة ، ثم يدعه يستجيب للعلاج المرسوم فوق تضاريسه ، من دون ان يفجع الاخرين بالايهام والوعيد قبل التفسير والكشف .. ويتركهم يعضون على النواجذ ندما كيف أسلموا لك مكاسبهم وانتهوا اليك من حيث انت بدأت تزيد في عقدهم ومآسيهم تحت ذرائع شتى اهمها افيون الفكر وتسييس أعنّتهم وقيادة أزمتهم ..
والا فان اعتقاداتنا الدينية كلها متأتية من هذا السياق وهي ان ايمان الافراد كان ولما يزل متأتيا من سياسة التحميل والقسر الفكريين بحيث يشبّ المرء على اعتقاد ليس له ان يفحص عنه او حتى ان تكون له الحرية في تثبيت رأيه به او ان يستدل على صدق اعترافه بفحواه . في حين ان العملية الايمانية تصبح لديه قالبا مصبوبا ان كسر فهو مخلد في الجحيم والى ابد الآبدين ، بينما العملية الايمانية كالحب ، هي وليدة السهولة في المأخذ ، والصحة في التناول ، والحرية في الفهم ، والاستجابة الطوعية بفعل الاستدلال والقناعة الذاتية غير المحرجة ، من دون قسر وارغام ..
بل القضية هي متحررة من كل القيود ـ رافضة لكل طريقة تدجين ، على ضوء التقدير بأنه حر في انتقائه ، وليس ثمة من عصا تتهدده لو استعصى على داعيته ، كما انه حر في استمرائه وعدمه او ان يكون في حلِّ منه متى شاء حين تكون لديه عصاميات وتأويلات خاصة يؤمن بها .
لانه كما اقنعنا انفسنا بصدق انتمائنا وصحة معتقدنا ، فللغير ان يقتنع هو الاخر بما توصل اليه من نتائج لا تقبل الجدل عنده كما هي كذلك عندنا ..
والا كان لنا ان نعيش عيشة الطغاة فنحمل على من يعارضنا ونجهز على كل من لا يؤمن بما نؤمن فنسلك مسلكا مفرعنا فلا ندع الاخرين يرون الا ما نرى كما حدث فرعون مصر ومن قبل !
انا في حديثي هذا كله لا ادافع عن شخصية السيدة إرشاد مانجي ولا اناقش رغباتها الشخصية ولا اتحرى ميولها الغرائزية ، ولا انافح عن المثلية ولا اجرد سيفي كي اغمده في صمت من التزم الصمت او في عقيرة من رفعها ! حتى لو كانت تعتقد بممارسة المثلية الانثوية او تحبذ الاستغراق في مزاولتها وتعشق بني جنسها ومقاربة اجسادهن والتبضع اللذوي من افتعال فنون الحب واستعراضها مع امرأة وفتاة ، فهذا لا يمنح الدكتور كل الحق كي يدفع بمغرياته من مفردات الكلام الخاطئة في محاولة للتشهير المقذع من طرفه وحسبما يرى (بالسحاقية) غير ان السيدة ارشاد ما كانت لتحسب مثل هذا تشهيرا لانها تعدها فخرا ومأثرة لديها لكن عند القارئ العربي تشكل حالة من تنامي عقدة التشكيك باحد طرفي المعادلة مما دعا بالدكتور الى نباهة حاصلة ومن قبل ان تخضع دراسته الى فنون البحث والتمحيص ان يضيف الى ارصدته الكثير كي تحسب على تفوقه وأحقيته في مختلف ادعاءاته وكسبه لغالبية الاصوات بل حشد كافة الآراء ضد غريمته السيدة إرشاد مانجي ومن قبل ان نسمع منها ما قالت وذلك كان واضحا من عنوان الدراسة التي تنبئ ومن البداية عن ضرورة وقوف القارئ الى جانب كاتبها وإلا فانه سيوصم بالعار وسكوته يعرب عن انحيازه الى المفكرة الكندية وصولا الى تهمة القارئ نفسه بالاذعان لفكرة المثلية ..
فليس من الانصاف ممارسة مثل هذه الاساليب المبدعة في التنكيل بالاشخاص للفوز في اكبر نسبة في صناديق الاقتراع الفكرية .. هذا فضلا عن ان الكلام كله يشير الى انها مؤمنة بالمثلية الانثوية ولم تتحرك قيد أنملة في سبيل توسيع نطاق تهمتها او رقعة انتماءاتها لتحكي غريب الحديث وبالنيابة عن غيرها .. فما كان يصدر منها يؤدي بمصباته الى شلالاتها الانثوية وحسب! بل الى نقطة انطلاق شخصيتها باعتبارها المسؤولة عن نفسها ورغباتها بكل حزم وتؤدة لتقتاد غرائزها صوب المصبات التي تهديها اليها دون ان تدعها تهتدي اليها من دون ترسيم خاص او ميل بل .. انها وبكل صراحة تحدث بلغة نفسها بشكل لا شعوري انها تقتني اللذة وتقصدها من دون ايذاء او تحميل ..
لكن لو كان ثمة خطأ في ترنيمات السيدة ، فلقد كان بوسع الدكتور ان يعبر عن رأيه بمنحى اخر وان يحدث الناس عنها بكلام منطقي منصف حين التعبير عن سلبيات المأخذ لديها او نقائضية الحال في مصطلح افكارها وعناد قيمها الشخصية التي تبشر بها او تدعو لها
فهي تحكي قصتها بكل بساطة ، وتدردش بكل وضوح دون مغالاة او لف ودوران ، انها تعبر عن همومها بكل شفافية ، تحاول ان تصل الى حلول فتثير ما عندها لعل الاخرين من حولها يندفعون بحرقة لمناقشتها ويتعاطفون مع حالتها المرضية او حتى الصحية لكي يصلوا معها سوية الى بر الامان او الانفصال من دون خلق ازمة وانا في ديني وهي في ديني .
لماذا دائما نشن الحروب على الاخرين لمجرد افصاحهم عن مكنون اسرارهم . لماذا نحتقر انفسنا حين نفرض على الاخرين لعبة فيرضخون لمطاليبنا ونحن نعلم علم اليقين ان هؤلاء لم يقبلوا بنظريتنا عن اقتناع ورضى راسخين بل خوفا من بأسنا وخشية من فأسنا المصلت فوق رؤوسهم كما السيف فوق النحور !
لماذا نتكبر على العقول ونرى الاخرين صغارا بينما نتناسى ان الاخرين انفسهم يروننا كذلك حين نقف فوق قمة جبل ونراهم كذلك ، فكيف يفوتنا انهم هم كذلك لا يروننا الا هكذا ؟ بينما نتغابى ونتغاضى عن فهم بديهيات الحقائق فنظل نعيش في لحظات نشوة لا يتمثلها الا طغاة الارض ومستبديها .

فما هو الضير في كلامها الذي عتب عليه سيادة الدكتور وهو يرى الى السيدة مانجي تعبر عما كان يعتلج في دواخلها بصدق لا مواربة فيه ، بل انها كانت تمنح الاخرين فرصة الوثوق بما تحرر من كلام لتستاقهم بعدئذ الى حالة من الوعي المباشر بطبيعة ما تكابد او تعاني من دون التواء او لجوء الى مكر وحيلة او حتى العبث بالكلمات على حساب عواطف المستمع او القارئ :

وها هى ذى تكرر هذا المعنى بطريقةٍ غير مباشرةٍ مفهمةً إيانا أنها إن كانت لا تزال حتى الآن مسلمة فذلك بفضل سعة الأفق والتفهم الذى تجده فى القارة الأمريكية ليس إلا.
أنا وجدتُها، وهذه العلاقة أنقذت إيماني بالإسلام، حتى الآن. لو نشأتُ في بلد مسلم لصرتُ على الأرجح ملحدة في قرارة نفسي. ولأني أعيش في هذا الركن من العالم حيث أستطيع أن أُفكر وأختلف وأغور أعمق في أي موضوع، فقد تعلمتُ لماذا ينبغي أن لا أفقد الأمل بالإسلام بعد".

فلا يمكن ان يغيب عن بال وخلد اي مثقف او حتى اي انسان عادي ان تحرير الكلمة في الاوساط الشرق اوسطية والعربية والاسلامية عموما هو امر يعتريه الكثير من العراقيل والحنث والتجديف إن لم نعلن حالة الوأد التي تطال اصحابها من قبل ان تنالها كلماتهم او نظرياتهم الخاصة التي تعبر عن افكارهم الذاتية .. فكيف تغيب مثل هذه البديهية اللازمة عن فكر السيد الدكتور ابراهيم عوض .
فبوسع المرء في دول الغرب ان يعبر عن رأيه حتى لو كان خلاف اغراض الاخرين ولو كانوا هؤلاء الاخيرين ابرارا في اليراع او سراة في الخلق والمعرفة لأن من السياسات المستباحة في الغرب ــ وإن داخلها في بعض الاوقات تيارات مشوبة بالتضاد ، لكنها لا يمكن اخضاعها الى مقارنة مع ما يحدث في دول العالم الثالث خاصة الاسلامية منها ولا حتى على الصعيد النسبي ــ ان يتم التعبير عن المسكوت خوف ان يتفاقم الاخير ويصبح ذات ليلة تنينا يهدد حتى السماء ببروجها التي لا تحيا الا في عقول الرجال وليس في حقائق الهية ملكوتية ، بعد ان غابت شريعة الاله وحلّت محلها شريعة الرجال بشتى مشاربهم . لان قانون الاله لا يعتمد النسف لمعتقدات الغير بل هو يناقشها ويعرضها دائما على المحك وفق الادلة المشروعة ومن دون تعنيف او هتك او سخرية كما تحفل بها مقالة الدكتور في الكثير من المواطن .
ولنر مساقات الدكتور الذي بدا منفعلا اكثر من جديته في توخي الموضوعية المطلوبة في مثل هذه الدراسات ، وذلك حين استجابته اللا شعورية الى صيغ لا تحتمل الا جملة من المسلّمات غير اللازمة في مثل تلك المساجلات التي تركته ينساق الى مزاعم اخرى ولقد كان الاجدر به ان لا يقبض على كل ما نطقت به السيدة ارشاد مانجي لكي يحتسبه دليلا فاعلا يتوجه به لإدانتها :

ومن هنا كان الإسلام، حسبما أفتت شيخة الإسلام السحاقية، "أكثر جمودا اليوم من نظيريه الروحيين: المسيحية واليهودية... ما كنتُ أعرفه أن المؤمنين في الديانات التي خضعت تاريخيا للإصلاح لا يتصرفون قطعا بعقلية القطيع كما يتصرف المسلمون. فالقادة المسيحيون يدركون التنوع الفكري في صفوفهم.

هنا ليس خرقا للعادة المتألهة بل هي اشارة الى تفشي الحالة المريضة .. كما لو يأتي طبيب ويقول ان فلانة مريضة بالايدز او قريتكم مصاب افرادها بمرض الزهري ، فهل لافرادها او كبرائها ان يهبوا لمعاقبة الطبيب على انتهابه لشرف اهليهم والطعن عليهم بدليل انه كان لازما عليه ان يسكت او يحترم نفسه فلا يتعرض لشرف اهليهم .. فهذا الحال نفسه مستشريا في المجتمعات المسلمة وهي سياسة القطيع حقا ، لانك لو أردت ان تعبر عن معتقد شخصي يرفض بعض المعتقدات من خلال نظرة تفكيرية تتناول الخطاب الديني او الاجتماعي ــ ناهيك عن السياسي الذي يعتبر في اساسه محظور البحث فيه او حتى البتّ به ــ فانه سيكون من الممكن ان ينالك سوط الملالي من وعاظ السلاطين بريح صرصر عاتية ، ومن ثم عصا نفس السلاطين كرد على جميل مواقف وصنائع الوعاظ .
لكن لو صرح بما كنت انت قد صرحتَ به ، احد السلاطين ! وهو الذي كنتَ تُدان عليه لو كنت تعلن له ، لكان لوعاظه ان يتوخّوا الفطنة ومنتهى الدقة لكي يرسموا لمفادات تصريحاته صحة وتقديرا ومتانة ومن ثم امتنانا يلحق به !
اين نحن من حرية الفكر والفكر في منأى حتى عن وجوهنا الغائمة بتأليه الافكار والتعامي عن ايات الله نفسها .
اين نحن من هذا الغرب الذي ننعته وننعت اهله بالصليبية والكفر والاباحية وهو الذي استطاع ان يشق غبار الكون ويستكشف الهياته ولا ينكر على احد من افراده ان يقول كلمته فاصبح سلاطينهم يعون ما يدور في نفوس رعاياهم ويعلمون بكل ما تنوء به نفوسهم لانهم لا يمنعونهم من قولة حتى لو كانت شططا كما الاب الحصيف حين يمنح افراد اسرته حرية الرأي فيفهم ما يدور في خَلدهم ويعتمل في دخائلهم فيقف على اصل مشكلاتهم وجذور أزماتهم ولا يظل جاهلا بما يدور حوله وبما يكون مضمرا في النفوس والاذهان فيتعامل بدراية المطلع مع السبق .. ويتوقى الخطر قبل وقوعه فيقدم المشورة ويتمثل روح المناقشة الطيبة ويعتمل الاريحية بعد ان يقنع من حوله بانه لا ينشد الاستبداد والظلم بل السلام والحرية . عندها سيكون لرأيه الاستدلالي وقع في القلوب وحجم في النفوس ، وليس ما يؤول الى القبول تحت طائلة التهويل والتخويف أو تحت الترغيب والترهيب .
بل ان لديهم من سياسات النقد ما لا يتم فيها التطاول اللفظي ولا القذف ولا ارسال الطعون المختلفة وسيل من النعوت الطائشة والفاقدة لأبسط أساليب ومقومات الحوار الملتزم والنقد البنّاء الحريصة على بلوغ مقاصدها المرسومة :

وهذا ما قالته البنت المفعوصة التى ضحكوا عليها وأوهموها أنها ستكون مجتهدة الإسلام للقرن الخامس عشر للهجرة....

لكن سحاقيتنا تريد منا أن نعبث بالقرآن كما عبث أهل الكتاب بكتابهم كى نحلل لها ما هى مرتكسة فيه من شذوذٍ مُنْكَرٍ وَسِخ، وإلا هددتْنا بترك الإسلام، وكأن تركها الإسلام سيقلب موازين الدين والحياة رأسا على عقب! أو كأن الإسلام يريد بقاء هذا العفن فى بيته العَطِر النظيف....

أقلت إنهم ضحكوا عليها وأوهموها؟ لا ضحك ولا يحزنون، بل هو مجرد تعبير تقليدى مما يجرى على اللسان والقلم دون قصد، لأن أمثالها إنما يذهبون إلى وكر الشيطان بملء حريتهم، تحفزهم إلى ذلك النجاسة المشتركة والخبث المنحط الذى يربط بينهما! قالت شيخة إسلام آخر زمن دون أن يختلج لها جفن أو تعتمل فى أعماقها رفّة ندم أو حياء ....

والسحاقية المفعوصة تريد منا أن نتلاعب بدين محمد الصافى النقى كما تلاعب غيرنا بدينهم ونسمح لها بالسحاق .....

وإن كانا لا ينطليان على من عنده مُخّ، أكبر من أن تستطيعهما فتاةٌ غِرَّةٌ وسحاقيّة مثلها، بل يتطلب نابًا شيطانيًّا أزرق من عتاة المستشرقين الكارهين للإسلام من أمثال برنارد لويس اليهودى وشيعته. وبالمناسبة ففى موقع تلك المفعوصة ....

منذ بدأت أقرأ كتاب هذه المفعوصة الشاذة وفوجئت بها تهيل الطين بل الخراء على كل شىء ....

وهو الموقع الخاص بالإعلان عن كتابها) يعرض فيه صاحبه كتاب تلك المفعوصة ....

والآن من نصدق: كاتب المقال أم سحاقيتنا المفعوصة؟ ....

ثم يفسر مأخذها في مطلب لا يقر به سوى مذهبه في القراءة الناقدة ومنحاه في ترسيم صور المحاكاة لدى الاخرين ومن وجهة نظره الخاصة :

أى أن على المسلمين مداواة داء اليهود بأن يصابوا به هم أيضا بحيث يفضّونها سيرة فلا يرتفع لهم بعد ذلك صوت فى التنديد بما أحدثه اليهود والنصارى من تحريف فى كتابهم،

فهل في الاشارة الى الجمود الحاصل في تفسير الدين وقراءة المفهوم الديني اشارة الى ضرورة ممارسة التحريف في الكلم لزحزحته عن مواضعه ، ولزومية الاعتقاد بتحريك المعاني عن مفرداتها وتفكيك جوهر الاصول والثوابت ومن ثم الالتفاف على الدين أسوة بما حدث لدى الاخرين من اصحاب الديانات ، ام هي اشارة الى ايجابية التواصل مع التأويلات المقترنة بوضوح الحاجة وضرورة المفاد وكيفية التعامل مع استفزازيات العصرنة وتأقلم النسيج البشري مع متطلبات نازحة اليه منه واليه معا وفي وقت واحد
ونحن نعلم ما تعاني منه قراءات الخطاب الديني من عقد وايهامات وتخييلات وتسطيح للمعنى الارشادي بل تغرير بالعقل واستباحة لكل الملائمات التي تعتقد بها مدارات الفطرة الحقيقية في ان ينشد الانسان وعلى الدوام السؤال وان لا يحرم نفسه من متعة البحث عن الحقيقة حتى لو كان في مثل هذا البحث استفزازا لميول وعواطف الاخرين التي لا تحتشد الا في ذواتهم التي تمالئ لأجل الوقوف على مرائيهم وحدهم ونظرياتهم التي لا يرون سواها بل اعتقاداتهم التي يسيل منها زبد الانانية ومنع الاخرين من نشر مقالهم وحظر الاستماع اليهم او الاصغاء تحت ذريعة محاربة الدين ورجاله ، وما علموا ان الوصول الى الحقيقة الالهية لا تمر الا من حيث تلامس شروط التشكيك والسؤال بغية إزالة اللبس الكامن في النفوس بدل ان تبقى مثل هذه المعطيات حبيسة الفؤاد ، مستترة في زوايا مثلجة بالصقيع والبرد ، تأكل في صاحبها وتنخر في جذوره كما السوس في الضرس .
وهل لو اراد المرء تقصي حقيقة ما وجاء بما يناقض رأي كبير من كبارنا ان نفيد من ابسط الطرق في الطعن عليه والقذع كيما نفرغ منه وبسهولة فنرميه بالكفر او نصمه باليهودية والمسيحية وانه دخل مدخل احبارهم وقساوستهم ..
كما استخدم الكاتب اساليب اخرى يستوحي منها القارئ ان الدكتور ومسبقا ضمن لمقالته عدم التصدي لها والرد عليها من قبل احد والا سيكون في عداد الشيوعيين الملحدين ، لاننا نرى اشارات في كلامه ان الشيوعيين غالبا ما حاربوا الدين عبر اشاعة الاباحية والدعوة الى حرية الكلمة بشتى امكنتها .
من مثل هذه العبارات :

كذلك هناك هنرى كورييل الصهيونى الدنس الذى كان وراء انتشار الشيوعية فى مصر هو وأمثاله من اليهود الذين استطاعوا تجنيد أعداد كبيرة من الشبان المصريين مستخدمين الفتيات فى جر أرجلهم عن طريق العهر والإباحية الجنسية مما تعرض له الكاتب، كى يكونوا حربا ووبالا على الإسلام لا حبا فى الفقراء كما يزعم شياطين الصهيونية!

مشكلتنا اننا نخلط في المعايير والاشكال ونعلق ما ننتقي على اقرب شمّاعة تكون في متناول ايدينا فاين الصهيونية واجهزة الاستخبارات العالمية من مذهب اجتماعي له تنظيراته الخاصة بأهله .. فإن استغلت المخابرات بدورها سياسات معينة فليس لنا ان نستبطئ قواعد الفكر لدينا ونرمي بالكرة خارج ارض الملعب وليس حتى في ساحة الفريق المقابل ومن ثم نقوم فنحمّله مسؤوليتها ووزر فعلتنا .. لأنه اغاظنا بفنونيات لاعبيه التي تؤدي الى خسارتنا المباراة لضعف امكانيات وتقنيات لاعبي فريقنا :

وبالمناسبة فقد كان الشيوعيون أيضا من بين من رفعوا أصواتهم حتى بُحَّتْ حناجرهم دفاعا عن حق سلمان رشدى فى ممارسة إبداعه، مثلما كانوا على رأس من هبّوا لنصرة حيدر حيدر وتمجيد روايته: "وليمة لأعشاب البحر"، التى حشد فيها كل قواه لدفع الفتاة المسلمة إلى الزنا وإغرائه لها بمقارفته بذريعة أنها إنما تحطم بهذا الانحرافِ البائسِ قيودَ المجتمعِ المسلمِ الرجعىِّ المكبلةَ لحريتها، وتمارس حقها الطبيعى فى الاستمتاع بجسدها كما يحلو لها دون زواج،

كما يحدث معه ازاء بعض كتابات الاستاذين الاديبين نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم بحيث اشاع سياسة الخلط في اعلى مقاييسها ونسي ان الادب له سياساته وان للاديب الحرية في انتقاء مشربه والشريعة التي ينهل منها وان لكل منهم مدرسة خاصة به وان له كل الحق في اختياره المبدأ الذي ينطلق منه كما الدكتور ابراهيم عوض منح نفسه مثل هذه الحرية .. فلو كانت ثمة حرية جنسية فليس لنا ان نقضي عليها لانها مثلا تحتمل سلبيات ، مع ان الصحيح ان نعالج هذه الاخيرات من دون نسف حقيقة ثابتة تنطلق وفق حاجات انسانية ملحة بل متطلبات بشرية قوية في الاصرار ، لتفيض على الروح الانسانية ببهاء الممارسات الجسدية .

كما ينتفض فى الذاكرة الآن ما قرأتُه أوائل ثمانينات القرن العشرين فى رواية نجيب محفوظ: "رحلة ابن فطومة مما رآه بطل الرواية فى رحلته إلى البلاد التى ترمز فى الرواية إلى أوربا وأمريكا من تساهل المسلمين الموجودين هناك فى مسألة الخمر وقيام طائفة منهم بالتظاهر دفاعا عن ممارسة الشذوذ الجنسى. وقد أثار استغرابى ألا يجد المؤلف من مشاكل مسلمى الغرب ما يستحق معالجته إلا هذين الموضوعين،................... من أين استمد نجيب محفوظ إذن فكرته هذه الاستباقية؟ أنقول إنها عبقرية الإبداع الأدبى التى تستبصر المستقبل قبل وقوعه؟ لكن مبلغ علمنا أن الأستاذ محفوظ لم يكن يوما من "ضاربى الودع"، بل إنه لم يسافر قط إلى أوربا أو أمريكا ...

وهذه كلماته ازاء ما كان كتب يراع الدكتور المرحوم توفيق الحكيم

ولعلنا كذلك لم ننس ما كتبه توفيق الحكيم فى أخريات حياته عن أفلام ممارسة الجنس التى شاهدها فى إحدى سفرياته الأخيرة إلى "عاصمة النور" فى ذلك الوقت، والهالة المتألقة التى رسمها لجو الوقار والاحترام الذى يقول إنه كان يسود صالة العرض آنذاك، وكأن المشاهدين فى محراب علم، ودعانا إلى أن نتأسى بالفرنسيين فى سلوكهم هذا الوقور المحترم!

ثم يعدو الى الاستاذ جمال الغيطاني فيقول :

وبالمثل ينبغى ألا ننسى شغف الروايات التى يحبِّرها جمال الغيطانى بالشذوذ الجنسى لدرجة أنه فى إحدى رواياته قد تريث عند مضاجعة أحد الفحول لصحفى (أو وزير. لا أذكر بالضبط)، وبالصوت والصورة أيضا. كما قرأت لفاروق عبد القادر فى كتابه الذى صدر العام الماضى فى سلسلة "كتاب الهلال" أن الغيطانى فى رواية أخرى من رواياته قد أخذ راحته على الآخر فى وصفٍ عجائبىٍّ (أرجو مسامحتى على استخدامى لهذا المصطلح الذى يتهوَّس به الحداثيون) لِذَكَر بطل الرواية يدل على خيال غير طبيعى. لا بأس أيها القراء، فنحن فى مولد للشذوذ الجنسى. شىء لله يا مولد!

هذا هو الخلط بعينه ، وهو الخلط القائم على غير اساس ومن دون رؤية خصبة تمنح القارئ فرصة فهم ابعاد القضية دون الإقصاء لجزئياتها او الإقحام لما يدفع بمناخاتها خارج حدود الواقع المتاخم لكل بواعث النمطية في التفكير ..
لان الاستاذ ان لم يؤمن بفهم الاخرين للجنس وتقنياته وترميزاته فليس له ان يخذل قراء الادب ويتحول الى سهم ــ يصب في حساب آخرين مغرضين ــ جاهزا مودعا في القوس ، كما الدرع الذي يتحصن به دعاة الانغلاق والوقوف على اخبار السلف الصالح وتفاسيرهم وقراءاتهم التي مضت عليها دهور وقرون ، ولم تعد تناسب حقا توجهات الناس والشباب خاصة ، ذلك ان الطفل لينمو ويكبر فلا يعقل ان يشتري الاب لابنه حينما يكبر ويتخرج من الجامعة دمية كي يلعب بها كذلك الاسلام الذي ولد قبل 1425 عاما لا يمكن التعامل معه بسطحية القرون السحيقة وعصر صدر الاسلام لان ضرورة استيلاد الاخبار القديمة واخراجها من حالة العقر والعقم امر ضروري وليس هو وليد الصدفة بل وليد العقل والفكر والمنطق والتنامي، وما تتطلبه الحضارة وسبل التعاطي مع روح المعاصرة وأفانين العيش والعصرنة ..
لان لكل علم نسخة اولى وثانية كما البرامج الكمبيوترية وهذا ليس مدعاة للاخلال بما عند الاخرين فنسخة الويندوز 2003 لا يمكن ان تتندر وتسخر من نسختها 93 مثلا وهكذا لانها كانت تمثل البدايات وهي نقطة الانطلاق ولولاها ما كان للويندوز ان يصل الى هذا المبلغ من التطور .. كما هي صناعة السيارات ايضا ... كذلك هو الفكر الخلاق والاجتهاد المبدع والحرية المتوازنة والكلمة الموهوبة لانها جميعا تصنع الافق وتخلق الجدة والحداثة لمستقبل مشرق لاجيال لم يخلقها الله في زمن قديم والا كان لها ان تنهل بشكل بحت من مفردات تلك العصور السالفة والا كان على الدكتور اليوم ان يمتطي ظهر الدابة كي يقطع الفلوات في سفره لا ان يستقل احدث الموديلات من السيارات كي تقله الى بلد آمن ..
هكذا العلم والافكار ...
ولكن ربما كانت تحدث اخطاء في الانتاج الفكري كما يحدث في الصناعي في تصنيع الادوية والعقارات وغيرها وحتى احدث تقليعات التقنية التكنلوجية
فلا يؤخذ المرء بضرب عنقه واجترار كل احلامه بغية عقابه والاخذ عليه .. لكن بالهدوء والمصالحة والتفاهم القائم على حسن الالقاء والصحبة الجميلة والكلام الطيب الذي ما كان الا رحمة من الله لعباده كي يتصدقوا به على غيرهم من بني جنسهم ..

واخيرا ...
فان الكلام حول النقد والرأي والفكر يطول ويتحسس دائما فينا روحا لها ان تزرع النبل في نفوس الاخرين بغية التقاط حباته ذات يوم ثمرات قد علت تناطح الافلاك والانواء ذلك ان المرء لا يهمه تقلب العباد من حوله بقدر ما يهمه الفائدة المرتجاة من حياته التي تشتمل على لحظات عيش وساعات حوار وجهد مبذول وسعي مثابر واثار ونتائج تحسب على الكيل الحسن والروح التي تحتمل اخيها الانسان بكل امراضه وعلله ومساوئه والا ما كان الانسان انسانا ولا البشري كذلك.
تحياتي الى الدكتور ابراهيم عوض
والسلام عليكم