|
From : haytam@3barat.com
Sent : Tuesday, March 15, 2005 1:42 AM
To : <arabtimesnewspaper@hotmail.com>
في الطريق إلى
طهران
بقلم : الشاعر والكاتب الفلسطيني هيثم طاطور
بعد قراءتي مؤخرا لتصريح مجموعة
مسح العراق التّابعة لوكالة الاستخبارات الأمريكيّة
حول قيام مصر بتقديم مساعدات تكنولوجية للنظام العراقي السّابق لغرض تطوير
أسلحة كيميائية وبيولوجيّة إبان تصاعد الحرب
العراقية الإيرانية 1981 , انتابني خيال للوهلة
الأولى , رأيت فيه بارجة أمريكية في طريقها إلى طهران ,قبطانها الرئيس بوش
وعلى متنها يجلس عدد من القراصنة من أمثال الرئيس الفرنسي جاك شيراك
وإلى جانبه خافيير سولانا المنسق الأعلى للسياسة
الخارجية في الإتحاد الأوروبي, ومن الطبيعي جدا أن
تمر البارجة عبر قناة السويس المصرية لهدف الوصول إلى الخليج فقد سبق لعدد
من البوارج وأن مرّت من هنا ومن نفس المكان , وتخيّلت القبطان بوش
كعادته بابتسامة صفراء يمد يده الملطّخة بالدم
ليصطحب قرصانا آخر من ميناء الإسكندريّة على شاطىء
المتوسط إلى رحلة أخرى, قائلا له : "اركب اركب مش وقته إسا" , رافضًا الإجابة
على سؤال الأخير : "رايحين فين"؟ ويعتلى القرصان
المصري متن البارجة الأمريكيّة ويمضون إلى حيث لا
ينفع لا مال ولا بنون إلا من أتى أمريكا بقلب سليم , وغاب الخيال ,
تاركا في ذهني تساؤلات عدّة ... هل سيعتلي البارجة قراصنة آخرين في
الطريق إلى طهران ... ؟
وإذا أمعنّا النّظر في النشاط السياسي المصري في الآونة الأخيرة نلمس مدى جديّة
القاهرة في ردّ اعتبارها كدولة صاحبة تأثير على الساحة العربيّة , وخاصة
في ظلّ المشروع الأمريكي المزعوم – دمقرطة الشّرق
الأوسط, وهكذا مشروع لا بدّ أن يلقي النّظام المصري
الحاكم وعلى رأسه رئيس الجمهورية حسني مبارك تحت المجهر , فبقاء
الرئيس مبارك في سدّة الحكم , واحتمال فوزه بولاية خامسة أو توريث
السّلطة لنجله , عقبةٌ جديّة أمام مصداقية
"الدّيمقراطية" القادمة من البيت الأبيض.
تميّز الروبوت العربي الحاكم بإلكترونيّة "البلوتث" المتطوّرة والتي تمكن
صانعيه في أمريكا والغرب من التحكم به والإتصال به
دون سلك أو كابل , وحتى بدون أقمارٍ اصطناعيّة ,
فبضغطة بسيطة على مفتاح "shut up" نرى الروبوت العربي الحاكم عبدًا
مطيعًا لسيّده جالسًا فوق تكنولوجيا العولمة دون أدنى اعتراض , وليس
غريبا أن تكون تصريحات المخابرات الأمريكيّة مؤخّرًا
عبارة عن رسالةٍ مشفّرة للنظام المصري الذي يدرك خير
الإدراك أن مروره مر الكرام على هكذا تصريح سيقوده في نهاية الأمر إلى ما
لا يحمد عقباه .
يعي الرئيس المصري حسني مبارك جديّة واشنطن في حربها على الإرهاب وجديّة سعيها
في حظر أسلحة الدّمار الشامل في المنطقة , ولا تخفى
عليه مخاوف أمريكا من المشروع النووي الإيراني وإن
كان سلميا , فالغرض من هذه الرسالة للرئيس المصري إرغامه على
استغلال علاقته بالبعث الحاكم في سوريا لحثّ إيران على التنازل نوعا ما
عن التقدّم في سبيل امتلاك الذرّة , والضغوطات
الأمريكية والإسرائيليّة , لابدّ أن تدفع بدمشق
إلى المهللين بمجيء فرصة ذهبيّة تجتثّ الغضب الأمريكي وتحول دون
اجتياحها عسكريّا , بدت سمات هذا السّلوك السّوري
المستعد لأي شيء يضمن استقراره وخروجه من محنته
الرّاهنة , في تصريح الأسد مؤخرا بأنه ليس صدّام حسين وأنه مستعدّ للتعاون ,
ومن الممكن أن يكون هذا التصريح منسّقًا ومسؤولاً
خاصّة بعد لقاء رفيع المستوى مع المسؤولين من طهران
,فصمت مبارك في هذا المجال تضييع لفرصة ماسيّة في نظر أمريكا لا
بدّ أن يكلّفه كرسيّه الرئاسي ولا بدّ أن يدرجه أمريكيّا وإسرائيليّا في
قائمة الدّول الدّاعمة للإرهاب والمخالفة لميثاق حظر
انتشار أسلحة الدّمار الشّامل, وإن شاء بوش يمكن
اعتبار الصّمت المصري لاحقًا بادرةً مصريّة نحو الرغبة في امتلاك هذه
الأسلحة , كون التصريح المخابراتي الأمريكي يظهر علاقة مصر بالنظام
العراقي السّابق وتورطها في مساعدته بامتلاك وتصنيع
اليورانيوم والغاز الكيماوي الذي راح ضحيّته الآلاف
من أبناء الشعبين العراقي والإيراني في الحرب 1980-1988, لذا فإنّ الغرض
الأمريكي والغاية المترتبة في هذا الجانب هو قناة اتصال عربية موثوقة مع
سوريا في هذا الصدد إذ لا توجد لواشنطن أي نية في
الحوار سلميا مع سوريا , لأن قيام حوار أمريكي من
هذا النوع يفقد التهديدات جدّيتها وواقعيّتها , فتبقى القاهرة هي اليد
القادرة على جرّ دولة عربيّة أخرى إلى القطار الأمريكي مع حفظ هيبة
أمريكا وجبروتها, والجانب الآخر في الشيفرة
الأمريكيّة للقاهرة هو حثّ سوريا على الانسحاب حالا
وسريعا من لبنان وتنفيذ 1559 , والتصريح الأمريكي هذه وحدّته لم يكن سوى طبطبة
لاذعة لمبارك على قفاه بعد فشله في إقناع الأسد لحضور قمّة شرم الشيخ
الأخيرة , لا ننكر أن النظام المصري كان ذكيّا في
هذا الجانب حين سارع إلى إعادة سفيره المسحوب إلى تل
أبيب بمساندة من العاهل الأردني الذي قام بنفس الخطوة , كوسيلة لتهدئة
الخواطر الأمريكيّة التي أرادت حضور الأسد مهزومًا على طاولة المفاوضات.
الدّور المصري المزعوم, ما هو إلا تواصل لسلسلة من المواقف المحسومة
حيال القضية العربية منذ كامب ديفيد 1978 , فمبادرات
مبارك الأخيرة كقمة شرم الشيخ ومساعي توحيد الفصائل
الفلسطينيّة ليست سوى شكلاً من أشكال العهر السياسي التي لا بدّ أن تنتهي
النشوة فيها بعد نفاذ المخزون , فسيادته يقف على أبواب الانتخابات
الرئاسية ولم يخفي رغبته في مواصلة مضاجعته للكرامة
المصرية والعربيّة بولاية رئاسية خامسة , وهو يعرف
معرفة مطلقةً أنّ ديمقراطيّة بوش الصغير ستفقد مصداقيّتها في حالة انتخابه من
قبل مجلس الشعب المحسوب على الحزب الوطني الحاكم أو في حالة توريثه
السلطة لنجله المحروس جمال مبارك, لذا فالشرط الوحيد
لبقاء السلطة بأيدي آل مبارك لا بدّ أن تتم بمباركة
أمريكيّة تتمثّل في غضّ النظر أمريكيا ولو قليلا حتى انتهاء الانتخابات ,
فبديهي جدّا أن غضّ النظر الأمريكي المراد في هذا الجانب لن يمرّ
بالتأكيد بدون مقابل والذي يتمثّل في :
1. الضغط المصري على سوريا من أجل تنفيذ 1559 والتزام الأخيرة بالحثّ على إيران
بالتخلي عن مشروعها اللي "ما ينفعشِ" مصريّا .
2. التخفيف من وتيرة المساعي لتوحيد الفصائل الفلسطينيّة التي رأى بها مسؤولون
إسرائيليون مبالغة وإفراط زائد .
3. العمل سويّةً مع الولايات المتّحدة في الشأن الدّاخلي , القاضي بفعل
المستحيل للحيلولة دون أدنى تأثير للإخوان المسلمين
في الانتخابات الرئاسية والنيابيّة . وفي العودة إلى
السياق يجدر بنا الإشارة إلى نقطة انطلقنا منها في هذا التحليل ألا
وهي قمّة شرم الشيخ , هذه القمّة على حدّ تعبير الإدارة المصريّة , خطوة
ناجحة نحو عودة مياه العمليّة السّلمية إلى مجاريها
, ظهر شارون بها أمام العالم والرأي العام كرجل سلام
, ولعلّ خطّة فك الارتباط من السمات المميزة لشارون في هذا المؤتمر , نسي
العالم جرائم الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينيّة وألقى بنظرات
الشّغف للهدوء والاستقرار إلى "أبو عومري" ولم يكن
مستحيلا تصديق ما أملى به الواقع , فالرجل الذي
للتوّ أمر دباباته بهدم البيوت وتشريد العائلات وقمع الانتفاضة , يقف
خلال لحظات أمام كاميرات الإعلام رجلا مسالمًا همّه هم سائر المخلوقات
العيش بسلام , هذا هو الدّور المطلوب من الروبوت
مبارك لا غير , ولعلّ طرح القضايا الأمنيّة في نفس
اليوم على سلّم أولويات القمّة جانبًَا آخرا ظهر فيه العهر السياسي المصري
جليًا للعيان , فلبّ الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام يقتصر على
الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربيّة منذ 67 وليس
صراعًا أمنيّا ... ومشكلة الشّعب الفلسطيني مع
إسرائيل هي الاحتلال الصهيوني لأرضه منذ عقود لا أكثر ولا أقلّ .
فإظهار شارون وإسرائيل ضحيّةً "للإرهاب" الفلسطيني أمام العالم خطوةً إيجابيّة
مصريّة سيمعن شارون وبوش النظر بها لاحقًا وستكون لها أبعادها السياسيّة
الحازمة في مستقبل نظام الحكم في مصر , لا ننفي أن
قيام القاهرة وعمّان بإعادة السفيرين إلى تل أبيب لم
يكن سوى لعبة خاسرة ببطاقتين رابحتين , كان الأجدر بالرئيس المصري والعاهل
الأردني إرجاء هذه الخطوة إلى مرحلة لاحقة لجسّ نبض مدى جديّة تل أبيب
وواشنطن في عمليّة السلام وكان حافظًا لماء وجهيهما
عربيًّا ووطنيّا قيامهم بهذه الخطوة وإبقاء
البطاقتين رابحتين على مستوى الإخلاص والاحترام لمبادئ الوطنيّة, يتعيّن علينا
أن نجيب على أسئلة رجل الشارع العربي في هذا الجانب
, لماذا أعادت القاهرة وعمان سفيريهما إلى إسرائيل
فور قيام قمّة لم تتطرق بالأصل لمسألة الاحتلال ومستقبل جدار
الأبارتهايد الإسرائيلي ؟ لماذا إعادة السفيرين إلى تل أبيب في ظلّ
تواصل عمليات الهدم والقمع والقتل والتشريد
الإسرائيلي حتّى خلال ساعات انعقاد القمّة ؟ ولم يخطر
ببالي على الإطلاق أن أصل في يوم ما إلى إجابة رجل الشارع العربي على
هذه الأسئلة المعقّدة بكلمتين ونصف : الكرسي يا أخي.
يبقى مستقبل الانتخابات الرئاسيّة المصريّة المؤشر الوحيد لمحبّي التكّهنات
السياسية ولعشّاق الفتح بالمندل وورق الشدة , فصار من الممكن في هذا
الزمن أن يصبح السياسيّ عرّافا يتنبأ بأحداث
المستقبل وأبعادها السياسيّة في ظلّ قيام الحكم
عربيّا على حساب الكرامة الوطنيّة والثوابت الأخلاقيّة, ومقابل الشموخ في
الحضيض , يمكن اعتبار تحلّل النظام العربي الحاكم من
الصيغة المبلورة لكيانه واستقراره شكلا من أشكال
انقلاب السّحر على السّاحر , ولعلّ صمت الشّارع العربي جماهيريّا في هذا
الصّدد شكلاً اخرا من أشكال الهدوء ما قبل العاصفة .
يخطئ من يعتقد أن دمشق مستهدفةً أمريكيّا وإسرائيليًّا قبل طهران , ويخطئ من
يظنّ أن لتل أبيب وواشنطن مخاوفًا من سوريا ,
فمبادرات الأسد إلى العودة على طاولة المفاوضات دون
أدنى حد من الشروط , خير دليل على ذلك , وبقاء حدود الجولان السوري
المحتل هادئة منذ 67 دليلا قاطعًا على ضعف دمشق عسكريّا , والغاية
الإسرائيلية والأمريكيّة في هذا السياق ليست إلا
السعي وراء عزلة دمشق دوليّا تمهيدا لضرب إيران ,
فعزلة من هذا النوع وانسحاب سوري من لبنان وتفكيك سلاح المقاومة في الجنوب وقطع
الإمدادات الإيرانية ليست إلا مؤشرا لمخطط استراتيجي يقضي بضرب إيران من
جبهتين ,
الأولى إسرائيليّة والثانية "فيها البركة" القواعد الأمريكيّة في الخليج والدول
العربية والعراق بشكل خاص , فإيران هي الهدف الأول قبل سوريا , والمنطق
الإسرائيلي والأمريكي في هذا الصّدد حكيما : "رأس
الأفعى" أولاً, إذ لا يعقل أن تُضرب سوريا عسكريّا
في ظلّ وجود حليفة لها مثل إيران التي لم تعرف حتى الآن حقيقة مشروعها
النّووي . |