From : jubouri_2004@yahoo.fr
Sent : Tuesday, March 15, 2005 10:25 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

بعد الإنتخابات العراقية .. ولادة قيصيرية لعراق جديد !!
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا



لا أحد يشك في أن العراقيين ، معظمهم او قليلا منهم ذهب بمحض إرادته الى صناديق الأقتراع ، إما طمعا في حياة نزيهة لا يشوبها الخوف ولا التسلط ، حياة فيها بلد موحد والمواطن يستطيع ان يقف ويتكلم

 

 ويحاسب من يخطيء كائنا من كان وزيرا او رئيس دولة او رئيس حكومة او رئيس عشيرة قوية ،، والبعض الآخر ذهب لكي يدخل الجنة لأن الفتوى الدينية شرعت لذلك ودفعت بفتواها بأتجاه انتخابات عامة ، ولكن الكل ربما يفاجأ حين تبدو النتائج مجرد هلوسة بعيدة عن أرض الواقع لا سيما وأن من رشح ليفوز كان برنامجه وشعاره خدمة العراق ومطالبة القوات المحتلة بالرحيل ، أو ربما رفع مستوى المعيشة وتحريك الأقتصاد العراقي وربما كان البعض يحلم بأن يصبح الشعب على إطلاع بما يدخل من النفط وما يخرج وهذا ربما اهم قضية تخص الفرد بشكل مباشر .

إن العراق يمر الآن بمخاض عسير وهو أشبه باللحظة التي تفككت بها الدولة بعد الإحتلال مباشرة والتخبط الذي عاشه الشعب العراقي بين مؤيد للواقع الجديد وبين رافض لمفهوم الإحتلال ، وقد أنقذ السيد بول بريمر الوضع آنذاك من خلال وضع مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية في بلد لم يعرف فيه المواطن هذا المفهوم إلا في إطار ضيق بسبب تصرفات العصابة التي حكمت العراق بأسم الوحدة والحرية والإشتراكية ، وتحت خيمة ونظرية البعث التي أنحرف بها النظام السابق عن مسارها الطبيعي ، ولأن العراقيين أرادوا ان يتحولوا من مفاهيم ضيقة الى أخرى اوسع وبأفق وطني جديد ، ، كان السعي وراء الأنتخابات أمر لا مناص منه وهدف يسعى الجميع له ولكن كل طرف له رأي يسوقه حيث يرى فيه مصلحة العراق ومصلحة الطائفة ومصلحة الفئة السياسية ، وهكذا تحول الهدف الى أداة لتمزيق الهدف الوطني ليتحول الـــــــــــــى عدة اهداف وبــــــــــدون ان يكون هناك رابط وطني حقيقي وهذا ما أثبتته تداعيات تشكـــــــــــــــيل الحـــــــــــــــــكومة الحـــــــــــــالية بالرغم من انها منتخبة .

لقد ادت الأحزاب السياسية دورها في العملية الديمقراطية بهدف يتفاوت من فئة الى اخرى والبعض تخلى عن الهدف الوطني ليلوذ بالمرجعية الدينية او بالمرجعية الإجتماعية ، وهكذا لم تستطع بعض التنظيمات من تشكيل هدف لنفسها بشكل واضح ، والسبب انها جاءت الى الساحة السياسية من فئة أخرى أقوى أو من خلال دعم هش أساسه خلق إطار وطني لبعض الحركات ، ومن اجل ان توفر دعما لوجستيا لحركات اخرى ، والفشل الذي منيت فيه بعض الحركات من دون ان تأتي بالحد الأدنى المطلوب لتحتل مقعدا واحدا في البرلمان شيء يؤكد ان هذه لم تكن يوما تمثل اهدافا شعبية وليس لها القدرة على التعامل مع الشارع مما جعلها تضيع في وسط الزحام للدخول الى الحلبة السياسية .

إذن الإنتخابات العراقية باتت تعاني من مشكلة أهم ما يقال عنها انها لم تكن ديمقراطية من حيث الأهداف ، ولربما كانت من حيث الشكل التنظيمي ترتقي الى مصاف الديمقراطيات الناشئة في بعض الدول ولكنها من حيث الأهداف التي رسمت لها سواء من قبل أمريكا ام من قبل بعض القوى والتيارات التي كانت تراهن لنفسها على شعبية واسعة ، أصطدمت بأهدافها الضيقة وبدأت طاحونة تدمير المواطنة تسير عكس أتجاه عقارب الساعة ، الأمر الذي سوف يفضي الى ولادة قيصرية لأن هذه الحكومة لم تستطع من حيث التوقيت ان تخدم الشعب ولكنها ربما تخدم اهاف بعض الفئات التي سارت وراء المخطط الأمريكي من حيث المحاصصة الطائفية والعرقية ، وهذا ما دفع ببعض التنظيمات الى السير بطريق متعثر وهي تترنح على امل ان ينقذها الشعب الذي تحلم ان تكون ممثلة له .

وإذا عدنا الى المسار السياسي من خلال المحاصصة نجد ان الخلاف حول المصالح الضيقة والأهداف الفردية والتي يدخل فيها الهدف الطائفي والعرقي ، قد تمثل في الخلاف الشيعي الكردي والذي بات على السطح إذ يحاول الأخوة الكرد ان يقفزوا فوق الواقع في سباق مع زمن غير محسوم لطرف ، وبهذا القفز تم إفراغ العملية الديمقراطية وتحولت من هدف وطني الى أضيق (( إقليمي )) وتم طرح مفهوم الفيدرالية بمعزل عن الطموح الوطني لكل العراقيين ، وهذا ما سيدفع ببعض التنظيمات ان تتبنى الفيدرالية بحسب المناطقية والعرقية والعشائرية والطائفية وهنا يكمن مقتل الوطن ، إذ لا يمكن ان تريد شيئا لنفسك وتمنعه عن الآخرين وهذا يتفق مع منهج صدام إذ سمح لنفسه والمحيطين به دون ان يحق لغيرهم الـــــــــــــــــتتصرف أو حتـــــــــــــــــــى التفكير ببـــــــــــــــتتتتتتعض الأمورالتي ربما كانت تخدم العــــــــــــــــراق ، ولم يسمح لغيره بالتصرف حـــــــــــــتى في اضيق الأمور الفردية .

من هنا ظهرت الدعوة لفيدرالية شيعية وهذا حق لا يمكن التجاوز عليه لكن لا يمكن للحكومة او الأطراف السياسية أن تمنعه مثلا على فيدرالية ضيقة ولنقل فيدرالية الفلوجة او تكريت او سامراء ، فما دام هناك تقسيم فيدرالي وسباق للإستفادة من تأرجح الوضع السايسي والقانوني للبلد ، فأنه ليس من المستبعد ان تظهر اكثر من دعوة بعد تشكيل الحكومة والصدام الذي سوف يتم من أجل حصد المناصب الحكومية وبروز المصلحة الفردية على المصلحة الوطنية ، وهذا ما سيقود بشكل كلي الى تقسيم العراق من خلال تحالفات مصالح وأهداف ضيقة ، فالتحالف الذي يجري الآن ليس من اجل العراق ولكن من اجل محاصصة وإغتنمام الفرصة سواء من هذا الطرف أو ذاك ، وعلى القوى السياسية إما ان تتخلى عن دورها الوطني لصالح الفئة والطائفة وتنزوي بحسب مصالحها او أو ان تترك المجال لقوى لا زالت من حيث النظرة الوطنية هي الأفضل على الساحة السياسية كما هو الحال مع التيار الصدري الذي لم يناور من الناحية السياسية والذي لا يمكن قياسه مع بعض التيارات السياسية التي تحسب الأمور بضوء المصالح والكسب المادي على حســــــــــــــــــاب التوصل الى حــــــــــــــــــــكومة مــــــــــــــــنتخبة حقــــــــــــــــــيقية لا تنظر الى الوطن من عدة زوايا وتلتزم بالزاوية الوطنية العراقية .

إن الوضع الحالي لا يمكن ان يبشر بولادة طبيعية لحكومة وطنية ناضجة ولكن ربما تبدأ العملية القيصيرية التي شهدها العراق خلال العامين الماضيين ، هي العملية التي ربما تلجأ لها امريكا وعندها تتكشف الحقائق لا سيما بالنسبة للذين تجاهلوا الوطن ولجأوا الى التفاصيل التي لا يمكن للوطن ان يحصد منها سوى الدمار والتجزئة ومزيدا من التشرذم . وإذا كان الأجتماع المرتقب للجمعية الوطنية قادر على إنقاذ الوضع في العراق ، فأن جملة تساؤلات سوف تطرح ثانية ماذا بعد الإنتخابات ، وهنا سيتوضح إما الهدف الأمريكي من كل ما جرى في العراق أو الأهداف التي يمكن ان تبرز اكثر من خلال إصرار البعض على أيصال العراق الى منحدر خطير أقله الفــــــــــــــــــــــــــــيدرالية المشــــــــــــــــــــــــــوهة في الشـــــــــــــــــمال والجــــــــــــــــــــــــــــنوب وربما في الوسط وفي القريب العاجل جدا .

فالعراق الجديد سوف لا يشهد كتابة دستور عراقي ولكنه سوف يشهد ولادة دستور طائفي وعرقي وكلها تصب في مجرى التجزئة لاحقا ، وعليه لاى بد للقوى الرافضة للأحتلال والمحاصصة الطائفية ان تنظر الى المستقبل العراقي من جديد وتطرح مشروعها للعراق بما يضمن له عملية تجميل بعد التشويه الذي أصابه على مدى السنين الطوال من حكم الفرد الواحد والحزب الواحد ، وما تبعه من سنتين من الخضوع للإحتلال من حيث تواجد القوات الأمريكية المحتلة ومن حيث تواجد الفكر التدميري تحت يافطة الأرهاب ومحاربته ، وكــــــــــــــــــذلك حالة التشويه في الأنتمـــــــــــــــــــــــاء الوطني وغــــــــــــــــياب المواطنة وإحلال الطائفة محلها وإحلال الفئة السياسية محلها وإحلال الأنتماء العرقي محلها .

ولكي لا يكون العراق على مفترق الطرق ، لا بد من تعميق النظرة في قضية كتابة الدستور والذي سوف يشكل معضلة وطنية كبيرة ، لأنه سوف يأتي على أنقاض سباق محموم للمحاصصة الطائفية والعرقية والسعي لتجزئة العراق من حيث الأرض والمجتمع والعقيدة .