From : t8sharif@hotmail.com
Sent : Sunday, March 13, 2005 4:26 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

أمصال و لقاح ، تطعيم ضد الفساد القادم
بقلم د. طلال الشريف



الفساد أنواع منه المالي و منه الأخلاقي و الإداري ، أما النوع الرابع و هو أخطر أنواع الفساد ، هو السكوت على الفساد ، أما الفساد المالي و الأخلاقي فهما متلازمان في أغلب الأحيان الا في حالات نادرة لأن الأصل هو مبدأ قبول غير المسموح و غير الحق  و غير الملك ( الملك العام و الخاص ) ، و هنا يكون الخلل في منظومة السلوك و التصرفات أصلا و ينتج عن تآكل قواعد الأخلاق و القيم لدى الفاسدين .
أما السكوت عن الفساد فهو ناتج عن غياب الحرية ( التخويف ، غياب القانون و التشريعات ، عدم استقلالية القضاء ، ضعف السلطة ، تعدد السلطات ، الجهل و عدم معرفة الآليات و الحسابات و القوانين ، الشللية و العصابات و المافيا ) لكن لا أتصور أن يكون المجتمع قد هبط بقيمه و منظومة أخلاقه في هذا النوع .


أما الفساد الإداري فهو ينتج عن مزيج من الخلل في منظومة التشريعات و القوانين و الضوابط و منظومة القيم الفردية التي لا ترقى للإصلاح و سد الفراغ لتطوير التشريعات  و القوانين التي تغتنم الفرصة للاستفادة من الثغرات بدل الضغط على صناع القرار  و المشرعين لمراجعتها و تحديثها باستمرار .

قلنا هذه المقدمة لأن حمى الانتخابات التشريعية الفلسطينية تتفاعل هذه المرة مبكراً بعد أن أبدت القوى و الأحزاب الفلسطينية استعدادها للمشاركة في رسم النظام السياسي الفلسطيني من جديد ، و لأننا نحن الفلسطينيين قد قدمنا للمنطقة و للعالم العربي نموذجاً أرقى من المعتاد قبل أن تفرض الديمقراطية من الخارج ، الا أن ما شاب التجربة الفلسطينية من فساد و إفساد في السنوات العشر الماضية يدفعنا بقوة لتقديم النموذج الأفضل ، و هذا يحتاج منا أرقى درجات الاستعداد و الانتباه و التمييز بين الصالح و الطالح من الأشخاص الذين هم أساس النظام للدول لأنهم القائمين على التشريع و صيانة العمل و هم أيضا الذين ينحرفون و يحرفون النظام ، أي أنهم الأساس في الفساد و الإفساد أو منع ذلك ، و ما تحدثت عنه الأيام و السنوات السابقة من تقارير و ملفات و أموال أصبح واضحاً للجميع ، لكن الأخطر من ذلك أن يصل فاسدون جدد الى المجلس التشريعي و الوزارات و مؤسسات الدولة ، حيث أن المجلس التشريعي كان عليه أن يقف بجدية في وجه الفساد و كان عليه عندما لا يستطع اسقاط الفساد ان يسقط هو مبكراً
أو يستقيل ، و لكنه مضى في طريقه كمظلة مشكلاً بسكوته أخطر أنواع الفساد و على شعبنا الحذر من القادم ، ففي السنوات العشر الأخيرة قد غزت شعبنا و تغلغلت فيه مجموعات و أفراد من المحترفين الفاسدين خارج إطار المؤسسات الحكومية و المجالس التمثيلية و تضخمت هذه المجموعات و الأفراد و بدأت تشكل نفوذاً على المستوى المالي و الاقتصادي و الاجتماعي و الجهوي و أصبح هؤلاء الفاسدون المستترون يشار إليهم بالبنان و كأنهم خبراء ، و كأنهم قادة ، و كأنهم رجال إصلاح ، و منهم من حمل راية محاربة الفساد ، و لكي لا ينسى الناس حيثيات التكوين و مسيرة الغنى و الفهلوة و كيف بنيت الهالة و النفوذ لهؤلاء في مواقع عمل أساؤوا استخدامها من مؤسسات حكومية و غير حكومية و جامعات و عائلات و هم الآن يلبسون ثوب الوقار و الشرف و يركبون السيارات الفارهة و يسكنون الفلل الفاخرة و يمتلكون الملايين هذا ناهيك عن الأملاك المنقولة و غيرها ، و تجارة باسم الدين مرة و باسم الوطن مرة أخرى .


على شعبنا الحذر الكبير في تقييم الحكام و المشرعون الجدد ، افحصوا تاريخهم جيداً ، و كيف حققوا مجدهم ، و قارنوها بمؤهلاتهم العلمية و المالية ، أنظروا إلى بيوتهم  و افحصوها و ادخلوها لتقارنوا ذلك بإمكانياتهم ، افحصوا كيف أصبحوا مهمين بالتزوير  أو بالبلطجة أو بالسكوت عما جرى و انتقوا منهم بحذر لأن الذي فسد أصبح واضحاً للجميع ، لكن الخطر الأكبر هم الفاسدون المستترون الذين قد يصلون . افحصوا سيرهم الذاتية من علاقات مالية و نسائية و مشبوهة بأطراف و مؤسسات و من تقاضي الأموال و المشاريع من جهات قاطعها شعبنا و استغلوها في انتهاك حرمات الناس ، لا تدعوهم يمرون الى اخطر المواقع في مسيرة شعبنا ، افحصوا سيرتهم كما تفحص المؤسسة الموظف الجديد ، اطلعوا على ثانوياتهم و جامعيتهم و ممتلكاتهم ، ان من بين القادمين الجدد ما هو اخطر مما مضى و يدي على قلبي من ذلك ، حذاري ، فما جرى في السنوات العشر الماضية كبير و خطير و قد تبدلت النفوس و القيم و المفاهيم ، و هناك كثير من الثعالب الفاسدة تلبس عباءة القديسين ، فاحذروهم و لا تجعلوها رحلة فساد أخرى .