إغتيال الحريرى... والمؤامرة بعيدا عن نظرية المؤامرة ( 5 )
مسعد حجازى ـ تورونتو ـ كندا
كاتب وصحفى مصرى ـ كنــدى



أوضحنا فى الحلقة السابقة كيف أصبح حزب الله أكبر قوة عسكرية متواجدة على الساحة اللبنانية جعلت منه أيضا قوة سياسة فاعلة وقادرة على إحداث تغييرات سياسية وإجتماعية كبيرة ، وأصبح ممثلا فى البرلمان اللبنانى بحوالى 12 نائبا.

فى الواقع أن حزب الله قد أصبح طرفا فاعلا فى المواجهة مع إسرائيل، ولا نبالغ إذا قلنا أنه لا توجد دولة من دول الجوار الإسرائيلى تمثل خطرا وتهديدا مباشرا لإسرائيل مثل التهديد الذى يمثله حزب الله ، فمصر والأردن ترتبطان مع إسرائيل بمعاهدات سلام ، وسورية تسعى للتفاوض سلميا لإستعادة هضبة الجولان المحتلة دون جدوى، والنظام فى لبنان لا حول له ولا قوة ، ولذا فنحن نرى أن الصدام العسكرى المسلح بين إسرائيل وحزب الله هو أمر حتمى لا فرار منه وسوف يحدث إن عاجلا أو آجلا وذلك لأسباب ثلاثة رئيسية هى:

أولا العامل الأمنى ، فالكل يعلم بالهاجس الإسرائيلى الشديد الحساسية فيما يتعلق بأمن إسرائيل ، فإذا كانت إسرائيل قد أصرت أثناء مفاوضات السلام مع مصر على أن تجعل شبه جزيرة سيناء منطقة منزوعة السلاح إلا من قوات رمزية فليس من المتصور أن تقبل إسرائيل أن يظل الشمال الإسرائيلى بالكامل تحت رحمة صواريخ حزب الله فى الجنوب اللبنانى ، وأيضا آيات الله فى إيران.

ثانيا العامل الإيرانى : ليس خافيا على أحد أن الدعم العسكري الرئيسى لحزب الله يأتى من إيران رغم إنكار الأمين العام للحزب الشيخ حسن نصرالله لهذا مدعيا أن حزب الله يحصل على السلاح من السوق العالمى وأنه فى متناول من يقدر على الشراء ودفع الثمن ، وهو هنا يتجاهل حقيقة يعلمها الشيخ حسن جيدا وهى أن السلاح سلعة إستراتيجية ، وأن صفقات السلاح ـ خاصة الصفقات الكبيرة ـ حتى المعروضة فى السوق العالمى تحكمها ضوابط واعتبارات سياسية وحسابات وتوازنات إستراتيجية تفرضها الدول المنتجة بقيود على شركات ومصانع الأسلحة التابعة لها، ولذا ترى إسرائيل ومعها الولايات المتحدة أن إيران هى التى مكنت حزب الله من أن يصبح اللاعب الرئيسى على الساحة اللبنانية ، ورمزا للمقاومة والكفاح المسلح ضد إسرائيل ليس فى نظر باقى طوائف الشعب اللبنانى فحسب وإنما فى نظر مئات الملايين من العرب والمسلمين ، وهذا من شأنه أن يجعل من الطرف الإيرانى لاعبا إقليميا فاعلا ومؤثرا لا يمكن للقوى الكبرى أن تتجاهله. وسواء إتفق المحللون السياسيون أو اختلفوا على طبيعة وتصنيف العلاقة بين حزب الله وإيران فإن الحقيقة التى لا شك فيها ـ على الأقل من المنظور الإسرائيلى الأمريكى ـ أن حزب الله قد أصبح سلاحا فى يد إيران ، ولعل هذا يفسر لنا الحملة الإسرائيلية المحمومة ضد إيران ونجاحها فى الضغط على الولايات المتحدة لإدراج إيران كدولة ضمن دول " محور الشر " ، وفى إعتبار حزب الله منظمة إرهابية متطرفة.

إن إسرائيل فى الأعوام الأخيرة لم تدخر وسعا أو تألو جهدا فى التحذير من الخطر الإيرانى ، وأعلن إرييل شارون أكثر من مرة أن الخطر الإيرانى لا يقل خطورة عن خطر العراق تحت حكم صدام حسين ، وتسعى إسرائيل جاهدة بالتعاون مع الولايات المتحدة لإجهاض البرنامج النووى الأيرانى ، ويتوقع كثير من المراقبين السياسيين فى الغرب أن إسرائيل ربما تقدم على توجيه ضربة جوية للمفاعل النووى الإيراتى على غرار الضربة الجوية التى وجهتها للمفاعل النووىالعراقى فى عام 1981 ، وما يجعلها تتردد فى إتخاذ هذه الخطوة حتى الآن هو خشيتها من رد فعل حزب الله بضرب الشمال الإسرائيلى بصواريخ كاتيوشا المتطورة التى بحوزته ، ورد فعل إيران بضرب إسرائيل نفسها بصواريخ شهاب طويلة المدى التى تمتلكها.

ثالثا إعتبار حزب الله الوجود الإسرائيلى فى المنطقة وجودا سرطانيا وغير شرعى ، ووقوف حزب الله كعقبة كبيرة فى وجه المخطط الإسرائيلى الصهيونى الأمريكى الرامى إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين فى لبنان ( وفى سورية وفى الأردن )، ودعمه للإنتفاضة الفلسطينية فى الأراضى المحتلة . وهذا الموقف كان قد أعلنه بكل وضوح الأمين العام لحزب الله الشيخ حسن نصر الله فى حديثه الصحفى لإبراهيم نافع وبعثة الأهرام فى 16 فبراير 2000 ـ أى قبل الإنسحاب الإسرائيلى المفاجئ من جنوب لبنان بنحو ثلاثة أشهر حيث قال بالحرف:

" بالنسبة لاسرائيل سوف تبقي في فكرنا وبرنامجنا كيانا غير شرعي وغير قانوني وطاريء وسرطاني لايمكن ان نعترف به‏,‏ وبالتالي سننخرط مع اطراف اخري في مقاومة التطبيع مع هذا الكيان‏,‏ لأن مواجهة التطبيع هو الذي من شأنه ان يعيق تحول اسرائيل الي دولة عظمي في المنطقة‏.‏ ومثلما كانت حرب‏1973‏ وحرب‏1982‏ والمقاومة في لبنان وفشل الاحتلال الاسرائيلي هي العوامل التي اسقطت مشروع اسرائيل الكبري الممتدة عسكريا‏,‏ فان مواجهة التطبيع هي التي من شأنها ان تسقط اسرائيل العظمي التي ستمتد سياسيا واقتصاديا وثقافيا‏.

مطالب لبنان واضحة‏,‏ وهي استعادة الارض التي تم احتلالها واقتطاعها‏,‏ ويوازي استعادة الارض من حيث الاهمية عودة اللاجئين الفلسطينيين‏,‏ ومن ثم هناك موضوع التعويض‏.‏ فلبنان لايتحمل من حيث تركيبته الاجتماعية وطبيعة مشاكله الراهنة توطين الفلسطينيين‏.‏ وحزب الله عندما يرفض توطين الفلسطينيين في لبنان لاينطلق من حسابات سياسية او ايديولوجية‏,‏ وانما ينطلق من ان التوطين في لبنان ثم في سوريا والاردن معناه التخلي عن فلسطين وهذا أمر غير مقبول وغير وارد ونحن نقول انه لايجب فقط رفض توطين الفلسطينيين في لبنان‏,‏ وانما ينبغي ايضا رفض تهجيرهم وتشتيتهم في العالم‏,‏ فالفلسطينيون يجب ان يعودوا الي ارضهم ويستردوا حقوقهم‏ ".(انتهى)

هذه الأسباب الثلاثة التى ذكرناها تشير كلها إلى حتمية المواجهة العسكرية بين إسرائيل وحزب الله ، وتحاول إسرائيل أن تخلق الظروف المناسبة وتهيئ الأجواء لهذه المواجهة مستغلة التحالف الإستراتيجى الغير مسبوق بينها وبين الولايات المتحدة والمتغيرات التى طرأت على العالم منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، وبعد نجاح إسرائيل فى أن تجعل الولايات المتحدة تدرج حزب الله فى قائمة المنظمات الإرهابية المتطرفة مما يجعله هدفا فى حرب الرئيس جورج بوش الإبن ضد الإرهاب .

وإذا كانت إسرائيل هى المستفيد الأكبر من زعزعة الإستقرار فى لبنان فإن الولايات المتحدة لها مصلحة أيضا فى القضاء على حزب الله أو إضعافه إذ أن تيار المحافظين الجدد المتشدد داخل إدارة الرئيس جورج بوش والذى ظل أقطابه يناضلون للوصول للحكم طوال ربع قرن لا يمكنهم أن ينسوا أن حزب الله اللبنانى كان أول من أدخل سلاح العمليات الإستشهادية (الإنتحارية) إلى الشرق الأوسط عندما قاد أحد الفدائيين شاحنة كبيرة مفخخة بالمتفجرات وفجرها فى مقر قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز ) فى بيروت فى عام 1983، مما أدى إلى سقوط مئات الأمريكيين ما بين قتيل وجريح.، ولذا فنحن لا نستبعد أبدا أن يكون ضرب البنية العسكرية لحزب الله ومنصات إطلاق الصواريخ المنتشرة فى الجنوب اللبنانى فى المستقبل نتيجة عملية إسرائيلية أمريكية مشتركة ، أو على الأقل بتواطؤ وغطاء أمريكى . ولكن قبل ذلك يتعين ـ وطبقا للمخطط الإسرائيلى الأمريكى ـ خروج القوات السورية بالكامل من لبنان ، ومن هنا جاء إصدار قرار مجلس الأمن رقم 1559 فى سبتمبر 2004 والذى ينص على ذلك ، كما يتضمن القرار أيضا نزع سلاح الميلشيات والمقصود بالمليشيات هنا ميلشيات حزب الله ، فمن فى لبنان يستطيع أن ينزع سلاح حزب الله ؟!! الحكومة أم الجيش اللبنانى الذى ليس له وجود فى جنوب لبنان على الإطلاق؟ إن معظم اللبنانيين على إختلاف مذاهبهم السياسية وطوائفهم الدينية يكادوا يتفقون على أن حزب الله هو رمز المقاومة اللبنانية .

إذن الصدام العسكرى واقع لا محال ، وأول من يعى هذا هو الشيخ حسن نصر الله الأمين العام للحزب وهو شاب يفهم فى السياسة ويمارسها، وللحقيقة والإنصاف علينا أن نعترف أنه إستطاع خلال السنوات الخمس الماضية وحتى الآن أن يدير الصراع مع إسرائيل والقوى الكبرى بذكاء وإقتدار وحنكة سياسية أكبر وأفضل من كثير من الحكام عرب ، ولعل مظاهرة المليون ونصف المليون نسمة التى حشدها منذ أيام قليلة تأييدا لسورية لهى أكبر دليل على ذلك ـ لقد كانت بحق " ضربة معلم " ، فهى وإن كانت تهدف إلى إظهار التأييد والتضامن مع سورية والرئيس بشار الأسد إلا أنها أيضا أظهرت للعالم كله مدى التأييد والقوة والنفوذ الذى يتمتع به فى لبنان ـ إن حشد مظاهرة ضخمة تضم نحو مليون ونصف مليون متظاهر فى مدى أيام قليلة عمل كبير وإنجاز يدعو إلى التقدير والإحترام حتى بالمقاييس الأمريكية ، لقد حاول لويس فاراخان زعيم " أمة الإسلام " فى الولايات المتحدة أن ينظم مظاهرة للزنوج فى منتصف التسعينيات من القرن لماضى تعرف باسم " مظاهرة المليون" فلم يستطع، وأقصى عدد من المتظاهرين استطاع حشده كان حوالى 750 ألف متظاهر .

لقد كانت مظاهرة المليون ونصف مليون فى بيروت حدثا تاريخيا بمعنى الكلمة ورسالة قوية أرسلها حزب الله والشيخ حسن نصر الله إلى واشنطن وباريس ، وقد وصلت الرسالة عالية وواضحة وفيها استعراض قوة غير مسبوق لحزب الله وزعيمه على الساحة اللبنانية ، وإذا كانت إدارة الرئيس بوش تعتقد حقا أن حزب الله هو تنظيم إرهابى ، واستطاع هذا التنظيم أن يحشد مليون ونصف مليون متظاهر فى غضون بضعة أيام فإنه لا أمل على الإطلاق فى أن يكسب الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش ما يسميه بـ " الحرب على الإرهاب ".

لقد أحسن الرئيس السورى بشار الأسد صنعا بإعلانه انسحاب القوات السورية فى لبنان إلى سهل البقاع ومنطقة الحدود اللبنانية ـ السورية ، وأثبت بشخصيته المرنة أنه يختلف كثيرا عن شخصية الرئيس العراقى المخلوع صدام حسين المتميزة بالتصلب والعناد ، وسواء كان القرار السورى بالإنسحاب هو التطبيق لإتفاق الطائف أو للقرار 1559 فإن الضغوط الأمريكية على سورية قد تخف حدتها قليلا لكنها لن تتوقف ، كما أن التحرش الإسرائيلى بسورية لن يتوقف حتى ولو سحبت دمشق جميع قواتها العسكرية وأجهزة مخابراتها من لبنان إلى داخل الأراضى السورية وذلك لسبب هام وخطير لم نتعرض له حتى الآن وترى فيه إسرائيل أكثر خطرا من حزب الله فما هو هذا السبب؟! .. سوف نحاول الإجابة والتوضيح فى المقال القادم والأخير إن شاء الله .