|
بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد صبحى منصور
اصلاح الدستور المصرى لا يكفى
لا بد من حكومة انتقالية لتوطيد الاصلاح الشامل(1)
اضطر الرئيس مبارك أخيرا الى الموافقة على تغيير مادتين فى الدستور ، فهل يكفى
هذا فى تحقيق الاصلاح الشامل الذى نناضل من أجله منذ ربع قرن؟ ان المستخلص من
هذا الاصلاح هو احلال الانتخاب محل الاستفتاء، وسيعمل ترزية القوانين – كالعادة
- على تفريغ هذا التعديل الرشيق من مضمونه ليصب فى النهاية لصالح التمديد أو
التوريث. لسنا بالبلاهة التى يتوهمها فينا الآخرون . لقد اضطر الرئيس مبارك
اضطرارا لاعلان هذا التعديل الرشيق فى الدستور بعد سنوات من الرفض الصريح
المعلن كان آخره منذ أيام قلائل. والمتصور أن يكون هدف هذا الاعلان أن يبقى
الحال على ماهوعليه من الاستبداد والفساد .
باختصار ليس المطلوب فقط تغيير مادة أو مادتين من الدستور المصرى بل تغيير
الدستور كله ليكون دستورا ديمقراطيا حقيقيا يليق بمصر وشعبها، والاصلاح
الدستورى لا يكفى فلا بد له من اصلاح تشريعى كامل يضع الأرضية القانونية لاصلاح
سياسى حقيقى. والاصلاح السياسى لا يكفى بدون اصلاح دينى يشد من أزره حتى لا
نقفز من الظلام ويأتى طوفان عقيم يستعيد صرخة اوربا حين هتفت " اشنقوا آخر
مستبد بامعاء آخر رجل دين".
نريد لمصر العزيزة اصلاحا سلميا لا مفر منه ولم يعد ممكنا تأجيله أو
المماطلة والا فالانفجار قادم . العناد هنا سيؤدى للهلاك ولا يصح لعناد شخص
واحد أن يهدد السفينة المصرية فى أعاصير هذه التحولات التى يشهدها العالم منذ
الحادى عشر من سبتمبر2001.
فى انتخابات مجلس الشعب فى أواخر 1995 كانت صدمتنا هائلة فى اصرار الحكومة
المصرية على خنق الهامش الديمقراطى الضئيل فى الوقت الذى كان يمر فيه قطار
الحرية والديمقراطية على محطات دولية عديدة أقل فى التطور الحضارى من مصر.
بتأثر هذه الصدمة اتفقت مع الدكتور سعد الدين ابراهيم على بدء عقد الجلسات
الاسبوعية
العلنية لمركز ابن خلدون تحت اسم "رواق ابن خلدون" والتى
بدأت مساء الثلاثاء 2 من يناير 1996 تحت عنوان " حتى لا نقفز فى الظلام :
المشروع الحضارى لمصر للقرن الحادى والعشرين" ولا تزال جلسات الرواق مستمرة.
بدأت الجلسات الاسبوعية فى الشهور الأولى بدعوة الرموز المصرية التى دخلت
انتخابات مجلس الشعب واسقطتها الحكومة بخبرتها التاريخيةوالعالمية فى استغلال
الانتخابات – رمز الديمقراطية - فى تثبيت الديكتاتورية. تأكد من الندوات التى
حضرها رموز العمل السياسى المصرى وفقهاءالقانون انه لابد من اصلاح قانون
الانتخابات واصلاح الدستور المصرى واصلاح قانون العقوبات ، بل لابد من اصلاح
تشريع شامل. وعقد الرواق ندوات متفرقة تناقش سبل الاصلاح وغيره وكوفىء عليها
مركز ابن خلدون والرواق بهجوم اعلامى وحكومى لا يزال مستمرا.
فى ذلك الوقت كتبت هذا المقال البحثى الذى ترجم الى اللغتين الانجليزية
والالمانية سنة 1996ونشره تقرير ابن خلدون السنوى " المجتمع المدنى والتحول
الديمقراطى فى الوطن العربى" العدد الصادر سنة 1997 عن أحوال سنة 1996 .
أعيد نشر هذا المقال هنا بعد تسع سنوات عجاف ساءت فيها الأحوال المصرية أكثر
وأكثر وعلى كل المستويات دليلا على جمود الحكم المصرى ورفضه الاصلاح ، وحتى اذا
اضطر بعد التدخل الخارجى حاول التمويه والخداع فى الوقت الحرج .
وبعد هذا المقال نقرأ معا فى مقالات تالية فقرات الدستور المصرى قراءة نقدية
وفصولا أخرى من الاصلاح المطلوب ، نشفعها بدعوة المفكرين والمثقفين المصريين
ليكتبوا فى الاصلاح الدستورى والتشريعى والدينى والسياسىحتى لا تخلو الساحة
لترزية القوانين وصناعتهم الكريهة.
الانتخابات والديمقراطية فى مصر فى ضوء انتخابات مجلس
الشعب الأخيرة
(29-11-1995 ) (6- 122 – 1995)
د. أحمد صبحى منصور
مقدمة
1- لعل من أكثر الكلمات ترديدا على ألسنة الشعب المصرى هى الديمقراطية
والشورىوالانتخابات خصوصا بعد تجربة الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب وما جرى
فيها من تجاوزات أظهرت أن الفجوة واسعة بين الشعارات والتطبيق الصحيح لها.
2- وعلى سبيل المثال فان التيار الدينى السياسى الطامع فى الحكم يرفع لواء
الشورى بديلا عن الديمقراطية، ويفهم الشورىعلى انها استشارة الحاكم – الذى يملك
الوطن والشعب- لأعوانه اذا أراد ، وله أن ينشىء مجلسا للشورى اذا شاء ، وهو
الذى يعين أعضاءه ويعزلهم ويستشيرهم متى أحب، وهم يفكرون فى ارضائه ونفاقه
مثلما كان يفعل الملأ من قوم فرعون. التطبيق العملى المعاصر الآن لهذه الشورى
الاستبدادية هو ما حدث أخيرا فى المملكة العربية السعودية فى أول مارس 1992 حين
أصدر الملك فهد ثلاثة مراسيم ملكية عن النظام الأساسى- أى الدستور - للحكم
ومجلس الشورى ونظام المناطق. وقام بتعيين الشيخ محمد بن جبير وزير العدل رئيسا
لمجلس الشورى فى 17-9- 1992 وذلك بعد ثلاثة ارباع القرن من انشاء المملكة
العربية السعودية، تلك المملكة التى تحمل اسم العائلة الملكية تأكيدا على أن
الأسرة الحاكمة تملك الدولة ومن يعيش فيها أسوة بالدول التى كانت تتسمى باسماء
الأسرات الحاكمة فى العصور الوسطى كالدولة الأموية والعباسية والعثمانية
والطولونية .هذه الدولة السعودية هى النموذج الأسمى الذى يتطلع التيار الدينى
السياسى لاقامة مثيل له فىمصر، وقد كان ذلك النموذج هو السائد فى تاريخ
المسلمين منذ الخلافة الأموية الى الغاء الخلافة العثمانية سنة 1924 .
أما الواقع النظرى القرآنى والحقيقى للشورى والذى كان النبى محمد عليه السلام
يطبقه فى دولته الاسلامية فان الشعب – وليس النبى الحاكم- كان مصدر السلطات،
ولذلك امر الله تعالى النبى –وهو الحاكم- بأن يكون لينا فى تعامله مع الناس
وألا يكون فظا غليظ القلب معهم حتى لا ينفضوا عنه، لأنهم اذا انفضوا عنه وتركوه
فلن تكون له دولة ولن تكون له سلطة لأنه يستمد سلطته السياسية من اجتماعهم
الاختيارى حوله لحمايته. اذن هم مصدر سلطته ودولته وبدونه ستعود قصة اضطهاده
وملاحقته. لذلك أمره الله تعالى أن يعفو عنهم اذا أساءوا اليه وأن يستغفر لهم
اذا أذنبوا فى حقه ليستميل اليه قلوبهم وتأييدهم، وأمره الله تعالى أن يستشيرهم
فى الأمر لأنهم أصحاب الأمر(آل عمران 159). وقبلها حين كان المسلمون مجموعة
مضطهدة فى مكة نزل الأمر الالهى بفريضة الشورى فى سورة الشورى(آية 38 )وجاءت
فرضية الشورى تالية للصلاة مباشرة وبعدها الزكاة فى سابقة وحيدة يأتى فيها فى
القرآن الكريم فاصل بين الصلاة والزكاة دليلا على أهمية فريضة الشورى. وكالصلاة
فالشورى لا محل فيها للاستنابة أو التمثيل النيابى فكما لايصح أن يصلى عنك أحد
لا يصح أيضا أن يقوم عنك غيرك بتأدية واجبك فى المشاركة السياسية بل تؤدى واجبك
فى حضور مجالس الشورى بنفسك فيما يخص أمور المجتمع اى كما توجد صلاة الجماعة
توجد فريضة الشورى الجماعية المجتمعية .وكالصلاةأوجب الله تعالى الشورى فريضة
دينية اسلامية يؤديها المسلم فى بيته وعمله .واتيح للمسلمين أن يؤدوا تلك
الفريضة علنيا فى مسجد المدينة وفق المعروف الآن بالديمقراطية المباشرة الكاملة
حيث كان المسلمون جميعا يجتمعون فى مجالس الشورى يناقشون أمورهم فى حضور النبى
محمد . وحين تخلف بعضهم عن الحضور بعذر وبدون عذر وحين كان بعضهم يتسلل لواذا
بعد الحضور – كما يحدث عادة فى الاجتماعات – نزلت الآيات الأخيرة من سورة النور
تؤكد على التحذير من هذا وتتوعد بالغضب الالهى كل من يتهاون فى تأدية هذه
الفريضة. وبمجالس الشورى تعلم المسلمون الأوائل كيفية أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم
وسط ظلام العصور الوسطى فى سابقة لم يعرفها تاريخ البشر. وفى هذه الدولة
الاسلامية وديمقراطيتها المباشرة لا يوجد حاكم بالمفهوم الديمقراطى الحالى، كما
لا يوجد حاكم بالمفهوم الثيوقراطى الذى كان سائدا فى العصور الوسطى ، ولهذا كان
الخطاب السياسى – أى الأوامر السياسية - تأتى فى القرآن الكريم تخاطب جموع
المسلمين فى حضور النبى لأنهم هم الذين كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم فى آلية
سبق أن أوضحناها فى بحث منفصل عن الشورى. ولذلك ترك النبى المسلمين بعد وفاته
بدون حاكم تأسيسا على هذه الآلية، ولكن النفوذ القريشى الأموى بعد النبى
والتطورات المتعاقبة تجاهلت تشريع الشورى فتحولت فى عصر الخلفاء الراشدين الى
وجود حاكم يستشير الناس ثم تقلصت الدائرة لتنحصر المشورة فى الكبار فقط ، ثم
تتقلص اكتر لتقتصر على من يختارهم الخليفة الراشد من المقربين اليه أى "اهل
الحل والعقد"أو "الملأ " كما كان يفعل عثمان فى خلافته . ثم جاءت الخلافة
الأموية لتقضى على ذلك كله ولتجعلها ديكتاتورية وراثية متسقة مع ثوابت العصور
الوسطى والتى كانت الشورى الاسلامية بديمقراطيتها المباشرة نقطة اعتراضية فى
محيطها. لقدكا ن منتظرا أن يقضى ليل العصور الوسطى وظلامها على تلك الشمعة
الوليدة التى أثبتت فى وقتها امكانية تطبيق الديمقراطية الكاملة حتى ولو كانت
تناقض الاستبداد السائد فى عصرها وحتى لو كانت فى بيئة صحراوية لا تتمتع بحضارة
أقوى دولنين فى العالم وقتها.وهكذا حوصرت الديمقراطية الاسلامية المباشرة حتى
تم خنقها بعد سلسلة من الحروب الألية حملت اسما هينا هو "الفتنة الكبرى" التى
أوصلت بينى أمية للحكم الاستبدادى الوراثى .وفى الدولة العباسية وعصر التدوين
أهمل التدوين العباسى كل ما كان يدور بشأن مجالس الشورى فى عهد النبى ، والشورى
هى ضمن بنود السنة الحقيقية التى كان يتبعهاالنبى فى حياته كجزء من عقيدة
الاسلام وعباداته وتشريعاته ولكن جعلها المسلمون من الفروض الغائبة حين أفرغوها
من مضمونها وجعلوها من مستلزمات الاستبداد ، اى مجرد حق للحاكم المستبد أن
يستشير او لا يستشير . كان ذلك ضمن السنة المزيفة التى كتبها العصر العباسى
لتلائم ثقافة العصور الوسطى القائمة على الاستبداد والفساد وظلم العباد، وربط
ذلك كله بالنبى والاسلام زورا وبهتانا بحيث يبدو كلامنا هذا غريبا مع اعتماده
على حقائق قرآنية.
التيار الدينى السياسى حين يرفع لواء الشورى لا يقصد اطلاقا تلك الشورى
الاسلامية الحقيقية التى ذكرها القرآن وطبقها خاتم النبيين عليه وعليهم السلام
وانما يقصد الشورى التراثية للملأ او"أهل الحل والعقد "أو شورى الخلافة
العباسيةالعثمانية حيث يستمد الخليفة سلطته السياسية من الله تعالى وليس مسئولا
امام أحد فى هذا العالم، لأنه سيكون مسئولا فقط امام الله تعالى يوم القيامة عن
"الرعية".فهو "الراعى"الذى يملك قطعان "الرعية" أو الأنعام يتصرف فيهاكيف شاء
بزعمهم.
3-ونفس الفجوة بين الشعار والتطبيق الصحيح له نراه فى الدولة العسكرية التى
تحكم مصر منذ ثورة 1952 .
فقد شهدت مصر فترة مزدهرة للديمقراطية فيا بين ( 1923 -1952) لم تعرفها من قبل
ولامن بعد حتى الآن، وذلك برغم وجود الاستعمار البريطانى وربما بسبب وجوده .
وبرغم أن دستور 1923 كان يعطى الملك حق حل مجلس الوزراء ومجلس الأمة الا أن
الانتخابات كانت أكثر نزاهة والحياة السياسية كانت أكثر ازدهارا وشفافية
وليبرالية. كان منتظرا للحياة السياسية أن تتطور الى الأحسن ديمقراطيا لولا
أنها وقعت فى خطر قاتل هو اهمال العدل الاجتماعى.
ان الحرية وحدها لا تكفى بدون عدل. كما أن شعارات العدل الاجتماعى بديلا عن
الحرية التى رفعها عبد الناصر لا تنتج فى النهاية الا المزيد من الفساد والمزيد
من الاستبداد وهوان الحاكم والمحكوم معا. والدليل على ذلك هو ماحدث لمصر قبل
وبعد الثورة .
لم تستطع الحياة السياسية المزدهرة فى مصر فى الثلاثينيات والاربعينيات ان
تواكب النطور الاجتماعى المصرى وتعطى الحقوق الكاملة لأغلبية الشعب المصرى من
العمال والفلاحين، خصوصا بعد انتشار التعليم وزحف الوعى الى القرى والنجوع
ودخول ابناء العمال والفلاحين الى المدارس وازدهار الطبقة الوسطى بالوافدين
الجدد الباحثين عن مكان لهم تحت الشمس . لم يجدالجيل الجديد من الأفندية الجدد
مكانا لهم فى الساحة السياسية الا دور الهتاف للسادة المتحكمين وابنائهم . وكان
واضحا ان لا امل فى أى اصلاح اجتماعى يستوعب الطبقة القادمة من أعماق الوجود
المصرى فكان سهلا ان تنتشر بينهم أفكار الرفض وجمعياته السرية من أقصى اليمين
الى أقصى اليسار من التنظيمات الشيوعية واليسارية الى القومية المصرية
المتطرفة"مصر الفتاة" الى "الاخوان المسلمين".
ونظرا لطبيعة الشعب المصرى المتدينة- ولعوامل أخرى لا محل لذكرها الآن - كانت
دعوة الأخوان هى الأكثر تأثيرا فنجح حسن البنا فى انشاء خمسين الف شعبة أغلبها
فى الريف المصرى والأحياء الشعبية ،أى المناطق المهمشة سياسيا. وأصبح الاصلاح
الزراعى والاجتماعى مطلبا حتميا لم تلتفت اليه وزارات الأقلية منشغلة عنه
بالصراع الحزبى مع فساد الملكية التى بدأت تسير فى نهاية عصرها مع وجود فاروق
وفساده ، وكان سهلا الزج بقضية الاستعمار البريطانى لمنطقة قناة السويس لاشعال
الحركة الوطنية فى سبيل احداث هذا التغيير السياسى الاجتماعى.
ومن شباب الطبقة الجديدة تكون تنظيم الضباط الأحرار داخل الجيش المصرى وتحالف
بعض افراده مع بعض التنظيمات السرية خصوصا الاخوان المسلمين اكبر تلك التنظيمات
انتشارا. وقامت الثورة ونجحت بسهولة وتمتعت بتأييد شعبى جارف من اغلبية
المصريين حيث كان الاصلاح هو مطلبها الأساسى ، وكان الاصلاح السياسى أو أقامة
حياة ديمقراطية سليمة من مبادىء الثورة الستة.
وكان يمكن للثورة بعد أن استولت على الحكم بسهولة غير متوقعة أن تنقى دستور
1923 من عيوبه والتى لم تعد تجارى العصر بعد التطور الجديد الذى جاء بالثورة
وجاءت به الثورة ومنه اسقاط الملكية واقامة النظام الجمهورى وصدور الاصلاح
الزراعى واعلان المساواة بين المصريين. الا أن الثوار الشبان الجدد من العسكر
بعد أن ذاقوا طعم السلطة رفضوا العودة الى ثكناتهم العسكرية وتحكموا بالجيش فى
مقاليد الحكم المصرى ليؤسسوا أكبر خطأ تقع فيه السلطة العسكرية حين تتحول عن
مهمتها فى حماية الوطن والأمة والديمقراطية والاستقلال والدستور الى حكم الوطن
نفسه بالحديد والنارلتذيق ابناءه النكال ، حيث لا مجال فى الحياة العسكرية
للديمقراطية، ولكن الطاعة العمياء للأوامر وتنفيذها بحيث تحولت مصر الىمعسكر
كبير، وتحول الشعب الى جنود للثورة ومن يخرج على النظام مصيره السجن والتعذيب
وربما الموت.
وتمتع الحكام العسكر الجدد واتباعهم بالسلطة فأتاحت لهم بعد حين التمتع
بالثروة، وتحول التمتع بالثروة بعد حين الى استغلال واحتكار ـ أى فساد ـ أضاع
شعار العدل الذى رفعه عبد الناصر فى البداية، والذى من اجله صادر الديمقراطية
والحرية.وازداد الامر سوءا بعده.
كانت الدولةفى عهد عبد الناصر تتكفل بالمواطن فى التعليم وسائر الخدمات وتوفر
له العمل وتعينه بالدعم لتوفير حاجاته الأساسية من غذاء وسكن شعبى ، وكان لمصر
وزنها الدولى والاقليمى والعربى ، بها ينضبط ايقاع الشرق الأوسط والعالم
العربىحيث تكافأت زعامة عبد الناصر مع زعامة مصر فى المنطقة .
سقطت الديكتاتورية الناصرية بسبب الاندفاع فى عداء المعسكر الغربى وتكريس الحل
العسكرى وحده فى معالجة الصراع العربى الاسرائيلى لتبيرير مصادرة الديمقراطية
والحرية على أساس :"ان لا صوت يعلو على صوت المعركة". وأدى سقوط عبد الناصر
ومشروعه الى مجىء السادات بمشروع مختلف له ايجابياته وسلبياته. فتح السادات مصر
اقتصاديا وأنشأ الأحزاب مع هامش ضئيل من الحرية- لا يتعدى حرية النباح - وعقد
الصلح مع اسرائيل، الا أن اكبر أخطائه التى لا زلنا نعانى منها حتى الآن هى :1-
اصدار الدستور المصرى الذى يجعل الرئيس الاها يملك كل السلطات ويتحكم فيها طيلة
عمره وفى نفس الوقت ليس مسئولا امام الشعب.2- فتح ابواب مصر للنفوذ السعودى
الوهابى وثقافة التطرف الدينى فجعل من التيار السلفى هو البديل القوى للحكم
العسكرى . 3- أختيار ضابط عسكرى وهو حسنى مبارك نائبا للرئيس،واتاحة الفرصة له
لتولى الرئاسة لينعم بتأليه الدستور له وليستمر الحكم العسكرى المعادى بطبيعته
للديمقراطية مما أدى لافقار مصر وتقزيمها وافلاسها ونهبها .
أثر ذلك سلبا على منطقة الشرق الأوسط كلها ، لأنه بغياب الدور الرئيسى لمصر
والتنازل عنه للسعودية التى لاتصلح لهذا الدور تشجع منافسون آخرون لا تؤهلهم
اوضاع دولهم لريادة المنطقة بدلا عن مصر ،ولكى يعطوا أنفسهم شرعية القيادة
والريادة محل مصر تفننوا فى أساليب المؤامرات والحروب ، وعانت المنطقة من
مغامرات القذافى وصدام حسين وكلاهما حاول أن يرث دور عبد الناصروالدور المصرى
الضائع.
زاد فى سوء الأحوال تخلى الدولة فى عصر مبارك عن دورها الاجتماعى والخدمى فلم
يعد بوسعها توظيف الشباب أو اسكانهم أو دعم الفقراء ، وهو الدور الذى تكفل به
عبد الناصر مقابل مصادرة الحرية والديمقراطية. فىالعصر الحالى ضاعت كل هذه
المزايا مع سياسة السوق والغلاء الذى يتفاقم باستمرار مضيفا أعدادا جددا لدائرة
الحرمان وطغيان الفقر وازدياد الفجوة بين الفقراء المعدمين والأغنياء المترفين
وهم أقلية تذكرنا بأقلية ال 1% قبل الثورة ، أى عدنا الى منطقة الصفر، هذا مع
مصادرة الحرية والديمقراطية فى ظل استمرار قانون الطوارىء وسياسة التعذيب
وارهاب المواطنين وشيوع الاختفاء القسرى والنفوذ الهائل لمباحث أمن الدولة فى
التنكيل بالمعارضين والمصلحين .كل ذلك حتى يتمتع الرئيس بسلطته المطلقة طيلة
حياته .
ان ما يحدث الآن فى مصر يعد نكسة للتطور الديمقراطى والدستورى فى مصر، والذى
سبقت به مصر منذالقرن التاسع عشر .فى الفترة مابين (1805 _ 1882) شهدت مصر
نضالا مستمرا أسفر عن اصدار أول دستور مصرى سنة 1882 ، الا ان الاحتلال
الانجليزىألغاه فتركز النضال المصرى بعدها فى طلب الاثنين معا : الجلاء
والدستور. قامت ثورة 1919 ضد الاحتلال وكان من نتائجها اصدار دستور 1923 فى
ابريل 1923 ، وعلى أساسه انعقد أول برلمان مصرى بعد الاحتلال فى 15 مارس 1924 .
جاء اسماعيل صدقى فألغى دستور 1923 ليضع مكانه دستور 1930 ولكن مالبث الضغط
الشعبى أن أعاد دستور 1923 الذى ظل معمولا به الى قيام ثورة 1952 التى الغته فى
ديسمبر 10 سنة 1952.أصدرت الثورة بعض الاعلانات الدستورية والدساتير المؤقتة
كمجرد شعارات لم تفلح فى زحزحة الاستبداد العسكرى.ٍ اخيرا أصدر السادات الدستور
الدائم فى سبتمبر 11 لسنة 1971 وهو الدستور الذى لا يزال ساريا حتى الآن والذى
يحمل فى طياته ملامح استبداد العسكرية المصرية والذى على أساسه تجرى الانتخابات
المصرية وآخرها انتخابات مجلس الشعب الأخيرة فى اواخر العام الماضى – نوفمبر
وديسمبر 1995 .
4- وهذه الورقة البحثية تحاول تحليل الانتخابات الاخيرة لمجلس الشعب دستوريا
وقانونيا وواقعيا وتاريخيا، وهى تعتمد فى هذا التحليل على قراءة للدستور المصرى
الحالى وقوانين الانتخابات المصرية وقراءة للتقارير التى صدرت عن واقع تلك
الاننخابات المصرية الأخيرة ، كما تعتمد على ندوات مركز ابن خلدون التى عقدها
لمناقشة تلك الاننخابات والتى كان يستضيف فيها مدير الرواق – كاتب هذه السطور –
الرموز المصرية التىاسقطتها الحكومة فى الأنتخابات لتحكى تجربتها واقتراحاتها
وتجرى مناقشة التجربة فى ضوء تصور أفضل لآلية الانتخابات المصرية فى المستقبل.
وبعد هذا التحليل للانتخابات والديمقراطية المصرية فى هذه المرحلة الأخيرة من
القرن العشرين تختتم الورقة بنظرة مستقبلية للديمقراطية المصرية فى القرن
القادم : القرن الحادى والعشرين. والله تعالى المستعان ..
أولا : الديمقراطية والانتخابات المصرية : رؤية دستورية
اذا تخيلنا الدستور المصرى الحالى مسرحية فان البطل الوحيد فيها هو
الرئيس ، وما عداه من هيئات وسلطات ليست الا مجرد كومبارس. فى هذا الدستور
فالرئيس هو الذى يحتكر السلطات وهو الذى يسيطر عليها، ومجلس الشعب ليس الا مجرد
خادم مطيع للرئيس ينفذ أغراضه ويأتمر بأمره شأن بقية السلطات الأخرى.. ونقدم
الدليل وبالتفصيل:
فألف باء الديمقراطية هى الفصل بين السلطات الثلاث ، التنفيذية والتشريعية
والقضائية واستقلال كل منها عن الأخرى ، وأن تراقب كل منها الأخرى ، مع تداول
السلطة وحرية الصحافة والاعلام وملكيته للأفراد لا للحكومة. وفى النظام النيابى
يكون الرئيس منزوع السلطات وحكما بين السلطات ، ويتداول السلطة التنفيذية –
الحكومة – من يحصل على الأغلبية فى البرلمان . والشعب عن طريق الانتخاب الحر هو
الذى يختار نواب الأحزاب. والأغلبية البرلمانية هى التى تشكل الحكومة التى تكون
مسئولة امام البرلمان وتواجه بقية الأحزاب المعارضة لها. وهكذا تتبادل الأحزاب
الحكم والمعارضة وتتنافس فى خدمة الشعب الذى يختار نواب البرلمان والأحزاب. هذا
ما تقوم علية الديمفراطية النيابية فى انجلترة والهند واسرائيل. أما
الديمقراطية الرئاسية فالرئيس يمارس سلطاته يعاونه وزراؤه وهم كالسكرتارية له
فى ادارته الحاكمة. ويكون مسئولا أمام البرلمان. ويملك الشعب مساءلته وعزله ،
وذلك ما يحدث فى أمريكا وفرنسا على وجود اختلافات فرعية بينهما فى الديمقراطية
الرئاسية ، علاوة على تحديد مدة الرئاسة بفترتين حتى لا تؤبد السلطة فى شخص
واحد أو حزب واحد. ولكن الدستور المصرى أخذ من النظامين البرلمانى والرئاسى كل
ما يؤدى الى استبداد الرئيس واحتكار السلطة ، فالرئيس هو الحكم بين السلطات وهو
الذى يراعى الحدود بينها – طبقا للنظام البرلمانى – ولكنه ايضا فى الدستور
المصرى هو الذى يحتكر السلطات الثلاث مع عدم مسئوليته أمام المجلس النيابى، بل
أن المجلس النيابى يعمل فى خدمته ، ثم أن الرئيس – طبقا للدستور – يظل متمتعا
بالرئاسة طيلة حياته ، اذ يجوز له تجديد الرئاسة بالسلطة المطلقة لمدد أخرى
بدون حد أقصى.
ونعطي صورة سريعة للدستور المصري لنري كيف اعطي استبداد مطلقا للرئيس ،مع ان
هذا الدستور ينص علي ان الامة مصدر السلطات ،وعلي ان مبادئ الشريعة هي المصدر
الاساسي للتشريع ،ثم تأتي مواده لتجعل الرئيس –دون الامة- مصدر السلطات
،وبالتالي يكون مناقضا للشريعة الاسلامية المبنية علي العدل والقسط ..
1-فقد تعرض الدستور لمنصب رئيس الجمهورية في الباب الخامس خلال فصلين ،الفصل
الاول بعنوان رئيس الدولة (المواد من 73-85 )وفي الفصل الثالث بعنوان السلطة
التنفيذية (من المواد 137: 152 ) باعتبار ان الرئيس هو الفرع الاول في السلطة
التنفيذية وباعتباره محور السلطات .
ومواد الدستور تجعل مقاليد السلطة التنفيذية في يد الرئيس فهو الذي يتولي
السلطة التنفيذية بنفسه (مادة 137 ) وهو الذي يضع السياسة العامة للدولة ويشرف
علي تنفيذها مع مجلس الوزراء (مادة 138) وهو الذي يعين رئيس جلس الوزراء ونواب
رئيس مجلس الوزراء والوزراء ويعفيهم من مناصبهم (مادة 141 )وله حق دعوة مجلس
الوزراء للانعقاد وحق حضور جلساته ورئاستها (مادة 142 ) أي ان مجلس الوزراء
مجرد سيكرتارية للرئيس طبقا للنظام الديمقراطي في امريكا ، ولكن بدون مساءلة
الرئيس امام مجلس الشعب عن هذه السلطة ،ثم من حق الرئيس تعيين الموظفين
المدنيين والعسكريين ،والممثلين السياسيين وعزلهم (مادة 143 ) أي انه يمسك بكل
زمام الامور في السلطة التنفيذية ولكن دون ان يحاسبه احد.
2-ومجلس الوزراء التابع والخاضع لرئيس الجمهورية يضم وزير العدل الذي يتبعه
النظام القضائي وذلك اخلال باستقلال السلطة القضائية الذي ينبغي ان تكون منفصلة
عن السلطة التنفيذية من الرئاسة الي الوزارة ،ولكن الدستور المصري بعد ان يجعل
القضاء من خلال وزارة العدل ضمن السلطة التنفيذية في مجلس الوزراء يبالغ في
اخضاع القضاء اكثر واكثر ،حيث يجعل رئيس الجمهورية هو رئيس المجلس الاعلي
للهيئات القضائية (137)ويجعل للرئيس حق التدخل في احكام القضاء طبقا للمادة
(149) التي تقول (لرئيس الجمهورية حق العفو عن العقوبة او تخفيفها ).
3-ويحظر الدستور انشاء جماعات مسلحة او ذات طابع عسكري (مادة 55 ) ويحرم اجتماع
المواطنين اذا كانوا مسلحين (مادة 54) أي يحصر حمل السلاح والعسكرة في الجيش
والسلطة وفي تنظيماتهما ،وبعدها يجعل الرئيس هو المسيطر علي الجيش ،فهو القائد
الاعلي للقوات المسلحة (مادة 15) وهو رئيس مجلس الدفاع الوطني (مادة 182 ) ثم
هو ايضا الرئيس الاعلي لهيئة الشرطة ،وذلك مع وجود وزيرين للدفاع والداخلية في
مجلس الوزراء التابع لرئاسة الجمهورية ،وبذلك تكون كل القوة العسكرية للجيش
والشرطة في يد الرئيس وحده ،وطبقا للدستور فهو يملك تعيين وعزل الوزراء
والموظفين بما فيهم قواد الجيش والشرطة .
4-والسلطة التشريعية في يد رئيس الجمهورية ايضا اما بطريق مباشر او غير مباشر
،فالرئيس من حقه اصدار القوانين والاعتراض عليها طبقا للمادة 112 من الدستور
وفي اطار سلطته التنفيذية ،فهو الذي يصدر اللوائح التنفيذية للقوانين (مادة
144) وهو الذي يصدر لوائح الضبط (145) وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لانشاء
وتنظيم المرافق والمصالح العامة (مادة 146 ) .
ومع وجود مجلس نيابي للشعب من وظائفه التشريع الا انه يحق للرئيس ان يتجاهل
مجلس الشعب ويستفتي الشعب مباشرة في المسائل الهامة التي تتصل بمصالح الدولة
العليا (مادة 152) أي انه يمثل الشعب بدون حاجة الي مجلس نيابي ،وعن طريق
سيطرته علي الاجهزة التنفيذية التي تسيطر بدورها علي آليات الانتخاب والاستفتاء
،فتأتي نتيجة الاستفتاء حسبما يريد .
وبالسلطة التنفيذية يتحكم الرئيس في انتخابات مجلس الشعب لتكون الاغلبية فيه من
اتباع الرئيس ،ويقوم مجلس الشعب بمعاونة الرئيس في التشريع ،اذ ان التشريعات
التي يصدرها المجلس تكون حسب الطلب. وأكبر دليل على ذلك هو صدور القانون
المشبوه رقم 93 لسنة 1995 بشأن الصحافة. ذلك القانون الذى صيغ على عجل لتكبيل
الصحافة حين بدأ انتقادها يصل الى شخص الرئيس مبارك. واعترض الصحفيون وواصلت
نقابتهم التحرك حتى اضطر الرئيس لتعديل القانون، وتبارى نفس أعضاء مجلس الشعب –
الذين هاجموا الصحافة والصحفيين وساندوا القانون 93 ضدهم – تباروا فى للاشادة
بالصحفيين والصحافة بعد اضطرار الرئيس للتعديل. انصاع مجلس الشعب فأقر التعديل
فوافقت نقابة الصحفيين فى 19-6- 1996 على وقف اجتماعاتها الطارئة التى استمرت
عاما من النضال ضد ذلك القانون المشبوه. هذا يعطى دليلا على تبعية مجلس الشعب
المنخب لارضاء الرئيس فىكل وقت.
واذا عرفنا طبيعة مجلس الشعب التابعة للرئيس فان القوانين التى يصدرها تكون فى
حقيقة الأمر صادرة عن رغبة الرئيس نفسه ودليل |