From :s_4_momani@yahoo.com
Sent : Thursday, March 3, 2005 3:59 AM
To : Arabtimes <arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : ضمير شرطي المرور فقط ب 25 قرش
 

شرطة السير وقصة ربع الدينار
صلاح المومني


يتناقل المواطنون خبراً إن صح ، صحت معه المقولة بأن منظومة القوانين التي تحكم البلاد قد انفرط عقدها وأن العصا قد أصبحت بيد مجنون الحي. وهذا الخبر هو أن " شرطي السير يتقاضى ربع دينار على كل مخالفة كحافز له لأداء واجبه) ، هذا الخبر أخذني في رحلة العمر إلى مدينتين ، الأولى مدينة العقبة ، ثغر الأردن الباسم التي تحولت بقدرة قادر إلى سنغافورة العرب ، والثانية إلى مدينة شيكاغوا أول مشوار هجرتي حيث حدثت بها أول مطاردة لي في يومي الأول في أمريكيا من قبل سكارى ليلة السبت، وكان الذي أنقذني بعد الله حينها شرطي المرور.

أما مدينة العقبة التي مازلت أحمل منها أجمل صورها ، فهي بداية عهدي بالإحتكاك بشرطة المرور، وذلك حينما عملت سائق تكسي لجمع ثمن تذكرة السفر إلى أمريكيا بعيد تخرجي من الجامعة الأردنية ، حيث أن المدينة تعج بالسياح الأجانب، ومعظمهم يحمل معه كمرات تصوير، واحدة يصور بها العباءة والسروال والنقاب ليعرضها كعجيبة من عجائب ما يرى في الشرق لان الستر إحدى عجائب الدنيا والدليل على ذلك تلك الحملة المحمومة على الحجاب، وأخرى يصور بها منظومة قوانينا سواء تلك التي سنها المشرع قانوناً يحكمنا أو تلك التي سنتها أطباعنا وعاداتنا وتقاليدنا، وفي الحالتين كان السائح يجد حكايته لأهله حينما يعود.

في مدينة العقبة يا أعزائي ، كنا نشاهد دورية عند كل مربع من مربعات الطرق ، حيث يقبع شرطي مع زميله ، وكان الهدف في الغالب سيارات التكسي العمومي ، وليست المشكلة في القانون لأني لا أعرف ما هو القانون المتبع لكي أضع اللوم عليه ، لكن المشكلة هي أن كل شرطي بمزاجه قانون قائم بذاته ، فترى المخالفات تتهاوى من كل جانب ولكل سبب وبدون سبب ، أما حظي من المخالفات فكان في العادة للأسباب كلها ، فرخصتي خصوصي حيث لم أستطع استخراج رخصة قيادة سيارة عمومي لقصر الفترة التي سأمضيها وبسبب رفض إعطائي حسن السلوك ، رغم أنني أمضيت عمري وسنوات دراستي في الجامعة ولم اغازل أو أصادق أي فتاة أبداً وأقسم على ذلك ، وكنت أصلي والحمد لله صلواتي الخمس ، ونبتت لي لحية خفيفة قيل عنها حينئذ أنها لحية حركية دون أن أفهم ما يقصد بذلك ، المهم أنني كنت معروفاً لدى شرطة المرور بسائق دون ترخيص عمومي، وحينما تمر سيارتي بأحدهم كان يستقبلني بابتسامته العريضة وهو يقول " أنته تسوق وإحنا نجود بالمخالفات " وكنت أرد عليهم ليس هناك مشكلة بقي معي بضعة قروش ستكفيني لتوفير ثمن تذكرة السفر لأنه حسب نشرة الأحوال الجوية ستنخفض أسعار تذاكر الطيران وخصوصاً لأبناء المتقاعدين العسكريين الذي خدموا الوطن بما لا يقل عن ربع قرن -نشكر الملكية على هذا التكريم- ، ثم أمضي من ليلتي منهكاً لأصحو مع الفجر وأبدأ الحركة من جديد إلى أن جاءت ساعة الرحيل لأجد انني لم املك من تكاليف السفر شيئاً حتى رسوم الخروج من المطار (25 دينار)، اما تذاكر السفر فقد غلا ثمنها وتضاعف بسبب نزول سعر الدينار أيام فضيحة الجلبي ، وأصابني اليأس وكادت ان تتحطم كل الأحلام ، حلم أمريكيا والدولار ، حلم الشهادات العليا ، وحلم الزواج من شقراء ، عفواً هذا الحلم لم يتم لانني تزوجت من بنات بلدي قبل سفري ولا دخل لشرطي السير به ، وهو بريء من هذه التهمة.

غير أن آباءنا وأمهاتنا كانوا دائما سنداً وملاذاً حينما تغلق الدنيا والحكومة أبوابهما ، وفي لحظات مليئة باليأس تقدمت أمي بإسوراتها التي كانت هدية أبي لها عن كل مناسبات العمر، ذكرى ميلادها وذكرى زواجهما وذكرى ولادتي وإخوتي التسعة ، ثم أتت ببعض ما ادخرته ليومنا الأسود ، تقدمت بما تملكه وهيأت لي تذكرة السفر ولم تنس ضريبة المطار (25 دينار) وأقلعت الطائرة لتحط رحالي في شيكاغو ، بلد الجريمة كما يقولون ، وهناك في بلد الجريمة كانت لي حكاية مع رجل أمن آخر ، ليس "سويلم" شرطي العقبة ، إنما هو شخص آخر يختلف كل الإختلاف !

في اليوم الأول في شيكاغو وبعد قسط من الراحة طلب مني أحد الأصدقاء مرافقته في رحلة داخل مدينة شيكاغو ليريني معالمها ، ولسوء حظي ان هذا الصديق هو جديد على امريكيا، وكان قد اشترى السيارة لتوه ، وهو لا يحمل رخصة (لا خصوصي ولا عمومي) لأنه في بلادنا من السهل التخرج بدرجة الدكتوراه قبل الحصول على رخصة قيادة سيارة، وكنت أحمل رخصة دولية تسمح لي بقيادة سيارة في أمريكيا ، وافقته على مقترحه وخرجنا نتنقل بين شوارع المدينة السريعة والبطيئة ، الكبيرة والصغيرة ، وفي طريق عودتننا منتصف الليل وكانت ليلة السبت المعروفة بصخبها، وعند إشارة ضوئية التفت إلينا أحد السكارى وألقى علينا زجاجة بيرة ، وأخذ يشتمنا ، ولولا أن صاحبي قد نبهني إلى الخطورة لظننته معجباً بملامحنا الشرقية ومحباً " ومن الحب ما قتل " ولربما هممت بالنزول لمعانقته أو تبويسه على طريقتنا، لكنني ألقيت بثقلي على البنزين غير آبه لإشارة حمراء أو خضراء لتبدأ بعد ذلك المطاردة ، وقد بلغت قلوبنا الحناجر ولن أدعي الشجاعة ، وليس الوقت وقت "مراجل" ، وبقينا في سباق كالذي نراه في الأفلام ، وفجأة اختفى ذلك السكير وظهرت لنا دورية شرطة سرية يبدو أنها كانت في المنطقة ورأى أفرادها بعض الذي حدث، وعلى ضوء سياراتهم توقفنا ، ولأن عهدي بشرطة بلادنا القسوة والغلظة ، لا أنكر أنني كنت خائفاً ، وفجأة ترجل شرطيان بلباس مدني ، وحينما اطمئنا أننا بدون سلاح أذنا لنا بالخروج من السيارة ، قدما نفسيهما وبأسمائهما الحقيقية وأرقامهم الوظيفية ، وسألاني من أين ؟ فأجبت من الأردن ، رحبا بي بقولهم "" Welcome to U.S.A ثم قلب رخصتي وسألني عن سرعتي الجنونية وأسبابها ، فشرحت له وصديقي ما حدث بما تيسر من لغتنا الجديدة آنذاك وتحدثنا بالإشارة أحياناً ، ثم بدأ الإتصال وكأنه يرسل إخبارية بمواصفات السيارة الأخرى ثم تابعنا طريقنا إلى ان وصلنا البيت بأمان.

كان هذا الشرطي يحمل معه قانون بلاده، يطبقه على الجميع وبحرفية ومهارة ، ولم ينس من ادب الضيافة أن يرحب بي ولم يكن ابن عمي أو قريبي ، لأن الترحاب بالضيف صفة إنسانية وإن كان مبالغاً فيها عندنا ، اعاد لي رخصتي بأدب ونصحني بعض النصائح حال تعرضي لشيء كهذا في المستقبل ، وطلب مني القيادة بحذر وانطلقنا ، ليلتها جال بخاطري مشهد "سويلم" وهو يشتم هذا ويؤنب ذاك، يهدد ويتوعد وكأن البلد ملكه يوم أن وضع الشعار على رأسه ، رغم أن الشعار موجود للتأدب بأدبه وأخلاقه.

تساءلت؛ لماذا يحمل الشرطي في بلادنا قانونه الخاص، يحكم الناس به ويرسم خطاهم على هواه، هو القاضي وهو الخصم ، يبادرنا رجل الأمن في بلادنا بكلماته الجارحة وبتهكمه وسخريته ، ونحتمل ذلك منه خوفاً من المثول أمام القاضي الذي في غالب الأحيان يحكم وفق أقوال الشرطي.

في أمريكيا وحينما نشعر ان شرطياً أساء استخدام القانون ، نقف أمام القاضي ونحاججه ، ومنهم من هو منصف وآخر غير ذلك ، لكن الأهم هو ان الشرطي ملزم بتفسير قانوني لما جرى ، وليس على طريقة الشرطي في بلادنا حينما يفسر أفعاله بالقول "واصله لهون" مشيراً إلى رأس أنفه.

حديث ال (25) قرش التي يتقاضاها شرطي المرور ذكرني بضريبة المطار (25) دينار ، وبخدمة أبي في الجيش (25) سنة ليخرج من الجيش ويعمل (25) سنة اخرى ليسدد ديونه ، ليبقى السؤال دائماً ، هل لهذا الرقم السحري صورة من صور الإعجاز الرقمي؟ وهل سيبقى المواطن مديناً للحكومة بخمس وعشرين جديدة لا ندري أتكون ضريبة جديدة أم زيادة على سعر رغيف الخبز وربما المحروقات ؟ ما هو سر الرقم 25 في حياة المواطن الأردني يا ترى ، أرجو أن يفسره لي احد العارفين بطلاسم الحكومة فأنا لبعدي عن الديار لم اعد أفهم ما يجري، هذا إن بقي من الناس من يفهم ما تريده الحكومة