From : sami3x2000@yahoo.com
Reply-To : sami3x2000@yahoo.com
Sent : Wednesday, March 23, 2005 10:25 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

عندمــا يتأدب الجنرالات
نضال نعيسة
 



أن يقوم جنرال بالأمن بالرد كتابيا على صحفي وذلك عبر مقال في جريدة,فذلك لعمري سابقة عجيبة غريبة شهدها أمس سيرك العربان العبثي واللامعقول .هل هو حلم أم خيال ,أم ماذا حدث "للشباب" من تراجع وتنازلات ,وهل هي تباشير لقادمات تحمل المزيد من المفاجآت, بعد الثورات وِالهزات المتتابعة "للخضات" السياسية التي زلزلت الأركان؟ فقد قام جنرال بالأمن أمس من جنرالات العربان المثيرين للرعب ,وتاريخهم حافل "بالمآثر والإنجازات والبطولات ",بالرد والكتابة إلى أحد الصحف, وعاتبا مفندا, ومتهجما على أحد الكتاب. هل يُصدق هذا أم نعود كالعادة إلى خيبات الأمل الكبار؟

فقد كان هؤلاء الجنرالات معزولين دائما في أبراجهم العاجية الأمنية بعيدا ولا يقتربون من الشعوب والرعايا المساكين الأذلاء.ولقد تعودنا ألا نراهم أبد على صفحات الجرائد ,ومنابر الأدب ,ومعارض الكتاب,وندوات الفكر ,وأماسي الشعر ,وكل هذه "الخزعبلات والترهات",بل مزروعين في في الثكنات ومعاقلهم الأمنية محاطين بالحراس والمرافقة وغابات البنادق والمسدسات والمدرعات,وفي العروض العسكرية للجيوش المدحورة أمام الأعداء,ببزاتهم المارشالية المرصعة بالنياشين والأوسمة والميداليات المذهبة لفتوحاتهم الكبرى في مدن البؤس المظلمة ضد الأطفال والنساء ,وهم يتأبطون عصي الماريشالية لإرهاب البؤساء والفقراء.فلم تتواضع أيها الجنرال؟

تعودنا ألا نراهم إلا وهم يحكمون ,ويراقبون ,ويتجسسون ,و"بعبعا" مرعبا وراء الجدران, وسُتُر الحديد والنار ,وأسماؤهم تثير الهلع والرعب في قلوب صناديد الرجال ,وتجهض الأجنة في أرحام النساء.ومتى كنا أصلا نعني لهم أي شيء,أو يلتفتون لأحاسيسنا ,أو يأبهون بمشاعرنا,أو يعبؤون بعواطفنا, ويعترفون بإنسانيتنا, وشرعيتنا, ووجودنا ,وعاملونا دوما كالبهائم والدواب والقطعان؟فكيف يتأنسن الماريشالات؟

تعودنا ألا نراهم يتكلمون,ويتحدثون,ويبتسمون, ويدبجون القصائد والمقالات,بل يشيرون ,ويومؤون بروؤسهم ,ويأمرون بقرف وعنجهية, ويشيرون بأصابعهم للحاشية والعسس والمخابرات .فماذا أصاب هذا الجنرال,ومن علمه القراءة والكتابة والأبجديات ودله على هذا "الهراء"؟

تعودنا ألا يحاورونا أبد ,وألا نقف أمامهم ,إلا كالعبيد والسبايا وذليلي الرقاب والأسرى الأرقاء في حروب الردة ضد كفار الشموليات المكبلين بالأصفاد والسلاسسل والأغلال في ممالك الرعب والخوف والفساد, وألا يتحدثوا إلينا إلا بالعصي والخوازيق والكراسي الكهربائية والفلقات.وأن نرى خازوقا وليس "عامودا"في مقال,وقبضات فولاذ وليس قفازات تحمل اليراع,ويتلون الفرمانات وليس شرحا وتفسيرا وإسهاب,وأن يقرؤوا البلاغ رقم واحد وليس القصائد والمعلقات ,وأن يكتبوا النعوات وليس الدراسات.فكيف تحول لملاك للرحمة يتودد عبر هذا القرطاس؟

تعودنا ألا نراهم أبدا على صفحات الجرائد ولا يظهرون إلا من وراء المتاريس والزجاج المظلل لسيارات الشبح المصفحة ضد البؤساء في مدن الصفيح وأحزمة الفقر والعشوائيات,محاطين بالدوريات والخفراء وحملة البنادق الآلية وزوار الفجر وليالي الظلام المدججين بالسلاح.فأين ذهب العز والصولجان والأبهات؟

تعودنا ألا ترى أسماءهم المرعبة إلا على قرارات المصادرة ,وأوامر الإعتقال,وتغييب المعارضين في الزنازين والمعتقلات ,وحرمان السفر ,وأحكام الإعدام,والتجريد من المواطنة والجنسيات ,وألا نسمع بأسمائهم المحرمة على التداول إلا حين يعتقل كاتب, ويعاقب معارض "ثرثار",ويجلد مفكر,ويصلب عالم ,ويصادر كتاب,وتغلق مجلة,وتعلن أحكام الطوارئ والإغلاق ,فكيف ذيل هذا المقال باسم جنرال ,وهل قامت قيامة الجنرالات؟

تعودنا ألا نسمع أصواتهم إلا في الأقبية المظلمة الجرداء حين يصرخون, ويهددون, ويتوعدون,ويطالبونا بالتوقيع على صكوك إدانتنا ,والاعتراف بجرائم الشك والشرك وقذف السادة المطهرين الأشراف.فلماذا يتأدب الآن الجنرالات؟

تعودنا ألا يأتوا إلينا بل نجرجرإليهم في الليالي الباردة الحالكة السواد عبر الدوريات المزروعة في الشوارع والأزقة والحارات ,ونساق نحوهم في ثياب النوم من بين الأطفال الباكين آبائهم , والنساء الصارخات المولولات.فهل تنازلوا للتحدث مباشرة بعد أن كانوا يرسلون الجندرما,والعسكر العصملية,والخفراء,والرقباء والعرفاء؟

تعودنا ألا نسمع بكراماتهم وبركاتهم الكثيرة,إلا حين تنفذ الأحكام ,وترتكب المذابح ,وتجري عمليات القتل والتعذيب والاغتيالات,ويرش المدنيون الآمنون العزل بالكيماوي والنابالم كما ترش الحشرات بالمبيدات والمطهرات.وألا تأتينا أخبارهم إلا عند الحديث عن الصفقات,واللصوص والمافيات,والنهب والسرقات ,وقطع الطرقات ,و"الهبرات" الكبيرات,وتوزيع المغانم والأرباح والثروات,وتسمية كبار الموظفين المحظيين والمحظيات والوزراء.فمن يفكك كل هذه الألغاز؟

تعودنا ألا نسمع بأخبارهم إلا حين يطلبون إلى "الهايغ" وللمثول أمام المحاكم الدولية,وحين تنشر أسماء المفقودين,وحين تقوم المظاهرات العارمة في كل مكان مطالبة بتسليم القتلة والموتورين الفجار ,وحين تتصدر أسماؤهم قوائم منظمات حقوق الإنسان السوداء التي تطارد مجرمي الحرب وتصدر بحقهم مذكرات الجلب والإحضار لما اقترفته أياديهم السوداء بحق بني البشر والإنسان.هل هي تحية وبادرة طيبة لعهد جديد من الحوار؟ومن يرد التحية لهذا الجنرال؟