صحافتنا العربيّة إلى أين!
بقلم / يحي أبوزكريا


الحقيقة المرّة التي يجب أن نقبلها على مضض هيّ أنّ الصحافة العربية لا يمكن إدراجها في أي خانة سلطويّة فلا هي سلطة رابعة ولا سلطة عاشرة ولا تملك أدنى سلطة على الإطلاق .
وعندما قيل للصحافة سلطة فلأنهّا تستمّد قوتها وشرعيتها من القارئ الذي يدمن قراءتها , لكن ما هو عدد القرّاء في العالم العربي , وكم تسحب أكبر جريدة عربية في الوطن العربي !
الإحصاءات الأخيرة والدقيقة لا تبشّر بالخير على وجه الإطلاق , بينما في السويد حيث أقيم يبدأ السويدي حياته الصباحيّة بقراءة الجريدة ورغم سيطرة الحاسوب و شبكة المعلوماتية على تفاصيل الحياة إلاّ أنّ الصحافة الورقيّة ما زالت حاضرة بقوة مؤثرّة وفاعلة وضاغطة على كل الحكومات .
ومع إحترامنا لبعض الصحف العربية التي ناضلت في الداخل والخارج من أجل إحقاق إنسانية الإنسان العربي فإنّ أغلب الصحف العربية والرسمية منها على وجه التحديد هي مجرّد مؤسسّة حكوميّة وظيفتها تلميع سياسة هذه الحكومة وتلك وتمجّد مسلكيتها , وقد لعبت هذه الصحف أكبر الأدوار في تكريس الطغيان والإستبداد والديكتاتورية و التلفيق والدجل و الكذب , فهذه الصحف هي التي جعلت العديد من رؤسائنا العسكريين المستبدين عباقرة و نزهاء ومؤمنين وطيبين , و بدل أن تتحوّل الصحافة العربية الرسمية على وجه التحديد إلى مواكبة حركة الشارع وإمداده بالمعلومات الحقيقية التي يخيفها الطغاة عنوة عن شعوبهم , إلاّ أنّها ذهبت إلى النفاق والمداهنة وتلميع صورة الرئيس وبالتالي الإستبداد والطغيان .
ثمّ كم هو عدد الصحف العربية التي تتحدث عن الطغاة ومكوثهم في الحكم عقدا وعقدين من الزمن وثلاث عقود إذا لم يزر قلاعهم عزرائيل أو دباّبة أمريكية , كم هو عدد الصحف العربية التي تتحدث عن سرقات وتجاوزات الطغاة ومغامراتهم الجنسية حتى أصبح حكامنا الأبطال الجدد لكاتب رجوع الشيخ إلى صباه , كم هو عدد الصحف العربية التي تحدثت عن المقابر الجماعية و السجون والكهوف والمنافي و الإعتقالات والإختطاف , هذا ناهيك على أنّ جلّ الصحف الرسمية مرتبطة مباشرة بأجهزة المخابرات ولو نشرنا القوائم التي بحوزتنا لملء الناس رعبا .
وفي الوقت الذي تمرّ فيه الشعوب العربية بمحن كبيرة تفضّل هذه الصحف الحديث عن مشروع زراعي دشنّه فخامة الرئيس هنا أو هناك , وفي الوقت الذي يسرق فيه كبراؤنا تتحدث هذه الصحف عن صغار السرقة لتحوير الرأي العام .
ويجوز لهذه الصحافة أن تتحدث عن الزراعة والمزارعين , و القمح والشعير و حوادث الطرقات و عدد الوفيات بفعل الحمّى , و لا يسمح لها أن تتحدث عن الحمى السياسية التي أنتجت الإستبداد , و الإيدز الذي أنتج التسلط والقمع , هل تعرف الصحافة الجزائرية شيئا عن مصير المفقودين الجزائريين , و هل كانت الصحافة المغربية تعرف شيئا عن عائلة الجنرال أوفقير التي سجنت في ظروف حالكة و سيئة للغاية ولولا مليكة أوفقير بنت أوفقير صاحبة كتاب السجينة والذي ألفته في فرنسا لما عرف المغاربة والعرب شيئا عن سلطوية الحسن الثاني , وهل تعرف الصحافة التونسية شيئا عن عدد المعتقلين السياسيين في السجون التونسية , و هل تعرف الصحافة الأردنية واليمنية و الخليجية وكل الصحافة العربية تفاصيل الدهاليز السياسية و المؤامرات الدقيقة التي تحبك هنا وهناك و الإتصالات الفندقية مع قادة الكيان الصهيوني و غيرها من الحقائق .
لقد مارست صحافتنا لعبة الطغيان من خلال إمداد المواطنين العرب بمعلومات خاطئة لا تمّت بصلة إلى حياة الناس ومصائرهم , عندما كان بعض الرؤساء العرب يبيعون أوطاننا و مصائرنا للأمريكان كانت صحف عربية رسمية تتحدث عن مشكلة أسمهان في القاهرة ومن قتلها , و عندما كانت السلطات العربية تقتل معارضيها في السجون ودق الجماجم كانت بعض الصحف العربية تحدثنا عن مرض وردة الجزائرية , و عندما كانت الثروات تسرق وتهرّب إلى سويسرا وبعض البنوك الغربية كانت بعض الصحف تحدثنا عن فوائد الصيام في شهر رمضان .
إنّ الجزء الأكبر من صحافتنا العربية هي لسان حال الحكومات ليس إلاّ , فصحفنا وبشكل يومي تبدأ بصورة الرئيس , جاء الرئيس , ذهب الرئيس , أصيب الرئيس بعسر هضم , أعترضته مشكلة في الحمّام وتداركه رجال المخابرات وحلوا مشكلته !
وفوق هذا وذاك الأجدر بنا أنّ نسمي صحافتنا العربية , صحافة كل شيء لا بأس بتعبير سكان المغرب العربي , و صحافة كل شيء على ما يرام بتعبير المشارقة , فهذه الصحافة الناطقة بإسم الحاكم لطالما قالت للمواطن العربي : أنت بألف خير سياستك بخير , إقتصادك بخير , ثقافتك بخير , مجتمعك بخير , أمنك بخير , مستقبلك بخير , و فجأة تدخل الفضائيات الغربية على المشهد و تقول بالأدلة والعينات الواقعية أنّ لا سياستنا ولا إقتصادنا ولا ثقافتنا ولا أمننا بخير , فيلعن المواطن العربي هذه الصحافة الكاذبة ويسميها
صحافة الخشب أي أنّها صحافة صيغت بلغة الخشب .
لقد أصبحت صحافتنا العربية تماما كالحركة الحزبية الأحادية , و مثلما يحظى المتحزب للحزب الحاكم الأحادي الشمولي بإمتيازات كبيرة من أقوات الفقراء وسكان المقابر , يحظى الصحفي الذي يعمل في الصحافة العربية الموالية بإمتيازات وعطايا , ويكرم هذا القطيع من الصحفيين في أخر السنة في مهرجانات عامة من قبل الحاكم لأنهم قدموا للحاكم خدمة حضارية جليلة و جعلوا منه رقما صعبا وضخما كضخامة سيئاته بعد أن كان صفرا مكعبا , و جعلوا منه صقرا بعد أن كان فرخ بطّ وصدق الشاعر الذي قال :
عجبت لفرخ البط يعتلي نخلة ويرقى إلى العلياء وهو وضيع .