|
From :
sami3x2000@yahoo.com
الحضاريون الجدد وكان بودي ايضا ان يكون عنوان هذا المقال "ومتى كان القرباط يوزعون الحليب"؟-- والكلمة في الاصل بدل الحليب هي "الدو" أو "الشنينة", لمن يعرف معناها وطرق انتاجها ولذة طعمها ونكهتها وهي في نفس الوقت مادة عديمة النفع وذلك لان المادة الدسمة مسحوبة منها -- لدلالته الكبيرة وللاشارة الى تلك المجموعات البشرية في مجتمعاتنا المتنوعة والمتعددة والثرية عبر التاريخ والذي حاول "الحضاريون الجدد" على الدوام استئصالهم والغائهم, هذه المجموعة الانسانية -- ومع الاحترام الشديد لخصوصيتها والتنديد بالظروف الوضعية الخاصة والقاهرة التي جعلتها في هذه الورطة الانسانية المزريةالتي لاتحسد عليها-- من المعلوم انهم يتمتعون بقدر لا بأس به من عدم الاحترام والازدراء --وبكل اسف-- نتيجة اوضاعهم البائسة والتعيسة ويتعيشون على صدقات الاخرين احيانا. لذا كان مدعاة للعجب حين يقوم احدهم بتوزيع "الحليب" ناهيك عن حيازته الاصلية له. ومناسبة هذه المقدمة الطويلة هو ماقرأته عن "مشروع حضاري" جديد نشر مؤخرا لمجموعة ظلت تحارب الحضارة والتحديث لقرون خلت وفي مشروعها الاصلي العودة والنكوص والارتداد الى الوراء ولمئات السنين والى السلف الصالح والخلافة الوراثية تحديدا التي توقفت ابداعات البشرية وعقلهاعندها, والذي لا مجال لاحد من محاكاتها وتقليدها واعادة انتاجها برغم كل تلك الانجازات البشرية الخارقة والعظيمة والعملاقة والتي انتجتها مجتمعات تحكمها قوانين وضعية يكفرها ويحتقرها ويدعو لابادتها الحضاريون الجدد وعلى الملأ . لذلك آثرت ان يكون العنوان هو "الحضاريون الجدد" لغلبة الفكرة الحضارية الفجائية العجائبية التنازلية الكبرى عليه, وثانيا لعدم علاقة "القرباط" المساكين لا من بعيد ولا من قريب بموضوع"الحضارة" وانشغالهم الدؤوب والدائم بجمع الشنينة ثانيا.وفور قراءتي لذاك العنوان المثير,طرت الى صديقي استاذ اللغة العربية بالجامعة لاستفسر عن معنى كلمة الحضاري, واذا كان قد حدث معي لغط ام لا في قراءة المفردة وبما ان اختصاصي هو في لغة عالمية "شمولية"أخرى لاعلاقة لها بالحضارة التي يُدعى اليها,واعتقدت بانني غير "ضليع" باللغة العربية,وحين اكد لي ان الكلمة تعني تماما كما عهدتها, ادركت ان شيئا ما خطيرا قد حصل, وتحولا دراماتيكيا مثيرا قد وقع.فاذا كان الهدف من هذه البلاغة اللفظية والدرر الكلامية والبرامج الخلبية هو الوثوب الى الكراسي المغرية ,تماما كما فعل الثوريون الاشاوس في مرحلة ما, فإن الامر مفهوم ومبرر ولا احد يلوم الاخر عليه. وهذا للعلم ما تفعله معظم الاحزاب وفي اعرق الديمقراطيات ببيع برامج انتخابية وهمية ومستحيلة سرعان ما تتخلى عنها عند الجلوس على الكراسي الناعمة الوثيرة آنفة الذكر وحلال عليهم.
اما اذا كان القصد هو التخلي عن فكر غلاة الظلام
والتكفير وحملة البلطات المشهورين والمعروفين ,والذين يتربعون بجدارة وفخر على
رفوف المكتبات, وتعطى شهادات الدكتوراه بفكرهم "العبقري", والذين لايحركون الا
النوازع الشريرة والاجرامية في نفوس المتحضرين الجدد والآلاف المؤلفة الذين
تناسلوا من صلبهم الفكري والعقائدي ,وثقافة السيف والدم, وقطع وتدحرج الرؤوس,
واقامة حدود الردة السياسية والدينية, والتخوين, والتمييز ضد الجميع, واحتكار
الله والدين لانفسهم فقط, والتكفير والفرز الطائفي والوأد الاستئصالي الشامل
لامم وشعوب وملل ونحل وطوائف واعراق واثنيات واهالي ذمم مساكين وقعوا في شرك
وبراثن "الحضاريين" فجأة, والتي تحفل بهم تلك الجغرافية الطيبة والخصبة ,والتي
قدمت للعالم ابجديته الاولى وعلمته القراءة والكتابة, وما انفكت امواج الحضارة
وقوافل المدنية تتوالى عليها الا حين استضافت وبكل اسف "ثقافة السيف واللون
الواحد " او ما يسمى "بالفكر الضال", وهو بالمناسبة التسمية الرسمية في اعتى
الشموليات الاصولية واشدها غلوا وتكفيرا وتطرفا وظلاما الآن. او الكلام عن
اطلاق حرية المرأة واعتبارها كائنا بشريا, والاعتراف بالاخر ونشر قيم التسامح
والعيش المشترك واحترام الخصوصيات الفكرية والعقائدية الخاصة بالآخرين
والاعتراف بالاخر مهما كان فكره وتوجهه ولونه السياسي, اذا كان المقصود كل هذا
واكثر, فوالله وبصدق هذا ما لا يرضى ولن يصدقه احد ابدا او يقتنع به عاقل. لانه
توقف و تخل للفرع عن الجذر, وللشمس عن النور, وللحياة عن الخلود, وللقمر عن
الضياء, وللارض عن العطاء, وللرواسي عن الصمت, وللشموليات عن القهر, وللمخابرات
عن الاعتقال, انها حقائق ابدية وخالدة وان تغييرها هو تغيير للحياة ككل ونهاية
لها بالمآل . وهذا ما لا يقدر عليه احد الا الله سبحانه وتعالى.وكما يقال
بالمثل الشعبي "خيطوا بغير ها المسلة". |