ثقافة الحوار
 أساس التعايش الإيجابي بين كل مكونات المجتمع
بقلم: التجاني بولعوالي
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
tijanib@yahoo.com



كيف نفهم الحوار؟
بواسطة الحوار يمكن أن يفهم بعضنا البعض، ولما يتسنى الفهم السليم لقضايا الواقع الذي ننخرط عبر أرجائه، نتمكن بلا ريب من تحقيق ولو جانبا من مفهوم التعايش في بعده الإيجابي الذي يتسع لكل الشرائح الاجتماعية، بغض النظر عن لغاتها وثقافاتها وعقائدها وأعراقها وغير ذلك. مما يسعفنا على تخطي العوائق والمثبطات التي ينصبها بين أفراد المجتمع الواحد وبين مؤسساته المختلفة ذلك الانغلاق الذي لا يؤمن ممارسوه ومسببوه بالحقيقة إلا في بعدها الأحادي، فينفون بذلك باقي الحقائق، وهم بذلك ينفون الآخر، وثقافة الآخر، فلا يعترفون إلا بأنفسهم، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه الأنانية الفكرية التي تهاب النقد الذاتي فكيف لها أن تتقبل النقد الصادر عن الآخر.

والحوار في حقيقة الأمر يعتبر من أرقى الآليات التواصلية التي يستخدمها الإنسان في كل جوانب حياته، وحتى في حالة انعزاله عن العالم الخارجي واختلائه إلى نفسه، يحاول التحاور مع كائناته الداخلية عن طريق محاسبة النفس، أو ترتيب ملفات تاريخه الشخصي المودعة عبر دهاليز ذاكرته، أو جس درجة حرارة أو برودة مشاعره، أو مجرد السكون إلى كوامنه، حيث يلقى الراحة النفسية التي بها يشحن كيانه الذي أنهكته متاعب الحياة وهمومها وفتنها، وهذا النوع من الحوار الداخلي الخفي يطلق عليه المونولوج monologue في مقابل الحوار الخارجي الذي يدعى الديالوج dialogue.

والحوار في الاصطلاح ليس هو النقاش أو الجدال الذي يراد من خلاله ثبت وجهة نظر ما أو دحضها، أو تمرير فكرة ما أو إلغاؤها، فيتخذ في الغالب أبعادا احتجاجية أو إقناعية أو جدالية أو نحو ذلك. وإنما يقصد به تلك المحادثة الحميمية التي تتم في جو من التلقائية والقبول، حيث الأخذ والعطاء، وتبادل الأفكار والآراء، وحيث يحاول المرسل بأسلوب مبسط ومباشر شرح فكرته للمرسل إليه، دون ركوب صهوة الإقناع الذي يزين به وجهة نظره (كما يزين التاجر بضاعته!) ويبررها حتى تلقى آذانا صاغية، أو استخدام آلية الجدال الذي يوفر كل الحجج والمبررات لتعضيد رأيه وتقويته. وفي المقابل يضع المرسل إليه أسماعه على كلام مخاطبه، ساعيا إلى فهمه وإدراك فحوى خطابه دون خلق اعتراضات أو مجادلات تتخذ منحى لا حواري، إذ يتغير الحوار إلى نقاش، فيصبح الفضاء الذي ننخرط فيه مبنيا على التواصل النقاشي الذي يحاسبك على كل فكرة أدليت بها، لا الحواري الذي يحاول فهم كل فكرة ألقيت بها، ومن ثم يسعى كل مناقش حثيثا لإثبات صواب ومصداقية الحقيقة التي يؤمن بها.

عندما ندرك أن أفراد المجتمع الواحد يمارسون الحوار بشكله الإيجابي في أغلب النشاطات التي يزاولونها والسلوكات التي يصدرونها والأخلاق التي يتحلون بها، حينئذ يتأكد لنا أن أولئك الأفراد الذين استطاعوا أن يتواصلوا فيما بينهم عبر آليات الحوار المتبادل بشكل تلقائي وحميمي، إنما يسهمون بلا وعي منهم في تشكيل قسمات ثقافة التسامح التي تحضن كل مكونات المجتمع وعناصره، وبهذا يسهمون بلا وعي منهم كذلك في بناء حضارة الاختلاف التي تؤلف بين مكوناتها المتباينة وأحيانا المتضادة آلية الحوار.

استنادا إلى هذا التفسير التقريبي لمصطلح الحوار، يمكن أن نخلص ليس كما هي العادة إلى استنباط خلاصة ما، وإنما إلى إثارة مساءلة هامة، تتعلق بمدى حضور الحوار بشكله الصحيح والإيجابي سواء في مجتمعاتنا الأصلية؛ العربية والإسلامية ذات الطابع الأبيسي، حيث تغيب تعددية الرأي أمام رأي الأب أو رأي الحاكم المطلقين، وتنتفي تلقائية وحميمية الحوار أمام خشونة الأوامر وقسوتها، أم في مجتمعاتنا التي شكلناها في المهاجر، حيث نتوارث عن أوطاننا كل شيء، حتى ما يمنعنا من أن نتحاور في سلم مع ذواتنا أو أبنائنا أو غيرنا. رغم أننا أصبحنا نحيى في عالم الحرية والديموقراطية والعدالة الذي يهيئ لنا كل أجواء الحوار، واكتسبتا من الآخر طرائق التحاور بل وتعلمنا حتى كيف نتحدث بهدوء ورزانة ورباطة جأش! رغم ذلك إذن، تظل حليمة على عادتها القديمة، وتظل صورة الأب في هولندا وغيرها من البلدان الغربية نفسها صورة الأب في العالم العربي والإسلامي، ويظل أسلوب كلامنا هو نفس الأسلوب السائد في أوطاننا؛ إما أن نتكلم كلنا أو أن نصمت كلنا! ويظل الحوار بين شرائح الأقليات التي نكونها غائبا أو مستبدلا بغيرها من آليات التواصل كالنقاش والجدال والاعتراض والاحتجاج والإقناع وغير ذلك، وهي كلها آليات تستخدم لثبت الذات لا لفهم الآخر، لتمرير وجهة نظر ما لا لتفسيرها، لدحض رأي ما لا لاحتضانه.

كيف نستثمر الحوار؟
إن تعميم ثقافة الحوار عبر مكونات المجتمع لا يقتضي ميزانية مادية هائلة كالتي تصرف في المؤتمرات والندوات والسهرات، بقدرما يتطلب ميزانية معنوية تصرف بواسطة شتى الأساليب، ابتداء من جلسات البرلمان الموجهة عبر الأقمار الاصطناعية، مرورا بالمقررات المدرسية المشحونة بالأدبيات المختلفة التي لا تمت بصلة إلى هويتنا ومشاكلنا المعيشة، وصولا إلى المسجد الذي تلقى فيه خطب الجمعة كل أسبوع. هذه العناصر الثلاثة وغيرها تستقطب عددا غفيرا من الناس، لكن لا تعرف كيف تستثمر خطاباتها في إيصال الأفكار والمضامين التي من شأنها خدمة الصالح العام، وتوعية المواطنين، وتهيئة عقول النشء وما شاكل ذلك. وفي هذا النطاق يمكن أن تتم الدعوة إلى الحوار الذي يشكل الإسمنت المسلح الذي يوفق بين لبنات المجتمع وأجزائه، فإذا ما هو انتفى انهار بناء المجتمع، أو تخلخلت مرتكزا ته وأعمدته. وفي هذا النطاق يمكن كذلك الاستفادة من تجارب الآخرين، الذين سبقونا في هذا المجال.

حينما أتصفح جانبا من التجارب التي حققها الإنسان في شتى الميادين، وأخص هنا بالذكر التجارب الغربية، أتساءل بغرابة؛ ألم يسبق للكثير من أعضاء الأنظمة والحكومات التي تسود العالم العربي والإسلامي أن عاشت ردحا من الوقت في الغرب، وتلقت عنه العلوم والخبرات المختلفة، واكتسبت منه العديد من التجارب و السلوكات الإيجابية بل ومنهم من عاد إلى بلاده ومعه زوجة أجنبية؟ لكن، لماذا لم يتعاملوا في إدارة بلدانهم، وتسيير الأجهزة التي يشرفون عليها بهذا الإرث العلمي والثقافي والسلوكي الذي اكتسبوه في الغرب؟ لماذا لم يستثمروا المعارف التي تلقوها من أجل نهضة مجتمعاتهم وتوعية شعوبهم؟

إنها والله! لمفارقة غريبة تجعلنا نستحضر قول الإمام محمد عبده الذي يقول فيه ما معناه؛ تخلى الغرب عن المسيحية فتقدم، وتخلينا نحن عن الإسلام فتأخرنا! هذا هو ،إذن، مفتاح فهمنا لذلك التناقض الغامض الذي يتخبط فيه المسلمون، حيث مكمن قوتنا في ديننا وليس في سواه، لكن ليس الدين في جانبه السطحي وإنما في مستواه العميق حيث الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وحيث التجارب والخبرات المعرفية والسلوكية التي توصل إليها الآخرون ووظفوها بشكل يساير مقتضيات السياق المكاني والتاريخي الذي ينتظمون فيه، قد حققها أجدادنا منذ قرون طويلة واستطاعوا بواسطتها أن يبنوا حضارة متميزة تلتقي فيها كل الثقافات على أساس الحوار والانفتاح والتفاعل والتثاقف، لكن للأسف جعلنا ذلك الإرث النفيس حبيس الرفوف والمتاحف والقراطيس...

هذا لا يعني أننا يجب أن نكتفي بأدبيات التركة التي تناقلناها عن أسلافنا، وإنما يعني أننا كلما كنا صادقين مع كل العناصر التي تشغل حيزا من ذواتنا أو حياتنا كالدين والهوية والثقافة والآخر وغير ذلك، كلما حققنا التوافق مع تفكيرنا، وتقلصت شقة التناقض الذي يعتري ممارساتنا وسلوكاتنا، لكن كيف الوصول إلى اكتساب الصدق الذي تفتقده الكثرة الكاثرة من المسلمين؟ هنا يكمن التحدي الحقيقي الذي ينبغي أن يرفعه كل واحد منا في وجه الشيطان الذي يسكنه، هنا يتجلى ذلك الجهاد الأكبر الذي دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وكسر شوكة المشركين وهنا تسري الآية الكريمة التي تحيل على أن التغيير يبدأ داخليا من النفس، ثم يتدرج بعد ذلك - بحول الله وقوته- إلى الخارج. هكذا يتأكد أن العيب ليس في ديننا أو حضارتنا وإنما فينا، فالرسالة التي جاء بها الإسلام هي ،أولا وقبل كل شيء، رسالة مبنية على التعارف مع الآخر والاعتراف به، والحضارة التي أنتجها المسلمون هي حضارة مرتكزة بالأساس على الحوار مع كل الحضارات الأخرى واحتضانها وتقبلها. لذلك ينبغي أن يستثمر هذا المعطى في كل الأمكنة والأزمنة، حتى نستفيد من الغير الذي استفاد من أسلافنا.

كيف نستفيد من الآخرين؟
في الفترة الأخيرة استوقفني حدث لافت تمت مجرياته بمدينة أمستردم، وهو الذي دعاني لتحبير هذه الكلمات، هذا الحدث يتعلق بتخصيص يوم للحوار على مستوى مدينة أمستردم، وهو يوم 21 ديسمبر 2004، وقد كانت مدينة روتردم هي السباقة إلى هذه الفكرة منذ ثلاث سنوات، فاستعارت منها بلدية أمستردم هذه الفكرة الجميلة، وحاولت تحقيقها بكل الوسائل والإمكانات الثقافية والإعلامية والبشرية وغير ذلك. فتمت دعوة العديد من الفاعلين الثقافيين مؤسسات وأفرادا، إلى الإسهام في إنجاح هذا اليوم المخصص للحوار، فخصص تدريب لكل المشاركين في تسيير وتنظيم هذا الحوار؛ هذا التدريب الذي قدمه الفريق المشرف على تنظيم هذا اليوم وهو ((Nieuwe Maan Communicatie Adviesgroep تناول بطريقة شمولية الكيفية التي سوف يتم بها تنظيم هذا الحوار، حيث قام المدربون بتقريب الجانب النظري والمفهومي لمصطلح الحوار، ثم تلاه الجانب التطبيقي الذي مؤداه أنه سيشرف كل مسير من المشاركين في تلقي التدريب على مائدة للحوار تضم ما بين ستة وثمانية أشخاص، يحبذ أن يكونوا من مختلف الثقافات والأعمار والأجناس... وهذه الموائد التي قدرت بحوالي 120 مائدة ستتوزع عبر مختلف مقاطعات بلدية أمستردم، وسوف تنظم داخل مختلف المؤسسات من جمعيات ومدارس وأبناك وشركات ومقاهي وحتى المنازل.

وقد حدد يوم الثلاثاء 21 ديسمبر 2004 بمثابة اليوم الأول للحوار بأمستردم، ابتداء من الساعة التاسعة صباحا إلى حدود الخامسة مساء، وبعدها يتوجه المسيرون بنتائج الحوار وأسماء المشاركين واقتراحاتهم وأفكارهم المودعة في ملفات الحوار التي تلقاها المسيرون أثناء تدريبهم، نحو إحدى البنايات الواقعة وسط مدينة أمستردم، حيث سوف يتلقى والي المدينة السيد يوب كوهن تلك الملفات، ويتحدث مع بعض الساهرين على تنظيم تلك الحوارات، وبعدها يعطي انطلاقة مهرجان النور الذي سوف تكون مدينة أمستردم محفلا له طوال ثلاثة أيام.

ولقد أكد والي مدينة أمستردم أن يوم الحوار هذا سوف يتخذ بمثابة تقليد سنوي تتميز به المدينة، قصد تشجيع الحوار الإيجابي بين كل مكونات المجتمع الأمستردمي، وانتخاب أحسن الأفكار التي أدلى بها المشاركون. وتجدر الإشارة هنا إلى أن موائد هذا الحوار الذي سوف تمنح الفرصة للمشاركين لتجاذب أطراف الحديث في ظرف زمني يصل إلى حوالي ساعتين، سوف تتعرض لخمسة محاور وهي كالآتي:
1- تفضل بتقديم نفسك؛ من أنت، ماذا تعمل؟ حاول وصف لحظة ما أحسست فيها أنك بحق تنتمي إلى أمستردم؟
2- كما هو معلوم توجد في أمستردم الكثير من الثقافات، أعطي مثالا حيا حول: أين يتم التعايش بشكل غير جيد، وأين يتم بشكل جيد، هذا ارتباطا بالثقافة التي تنخرط فيها ؟
3- ماذا تنتظر من الناس الذين تتعايش معهم على أساس تجاربك الشخصية؟
4- ماذا يمكن أن تفعل حتى يتم التعايش على الوجه الجيد في أمستردم؟
5- ماذا يمكن أن نقدم سويا؟

أحاول تقديم هذا النموذج الحضاري الراقي للكيفية التي يمكن أن نفعل بها آلية الحوار داخل مختلف أوساط المجتمع، قصد الاستفادة الإيجابية من تجارب الآخرين، وبغية ثبت أن التعلم من الغير لا يجب أن يقصر في ما هو مادي وصناعي وعسكري، بل ينبغي أن يتسرب كذلك إلى بعض الأمور الحقيرة والصغيرة ذات الطابع البداغوجي والتنظيمي. لأننا منذ استقلال بلداننا ونحن نستعير من الغرب الكثير من أسباب ومحفزات التقدم ذات الحجم الضخم، لكن لم يزدنا ذلك إلا تخلفا وتقهقرا؛ شيدت المصانع والمعامل في أوطاننا، وأقيمت البنايات التي لا توجد حتى عند الغرب، وبنيت الجامعات والمعاهد، وزينت عواصمنا بالبرلمانات والوزارات ودور حقوق الإنسان وغيرها، لكن ظلت العقلية التي تدير دواليب الحكم، وتشكل الخارطة السياسية على حالها الأول، رغم أنها أتقنت اللغات الحية، وحاورت شركاءها المتقدمين، واقترضت آخر ما توصل إليه الغرب من طرق السيادة، واستلهمت قوانينها من أرفع الدساتير الغربية وهلم جرا.

ثم أن التغير - كما سبقت الإشارة- يبدأ من أصغر مكون أو عنصر في المجتمع، والذي يتحدد في الفرد. حيث بمجرد ما يشرع كل واحد منا في إصلاح نفسه، إلا وراح المجتمع يصلح من تلقاء نفسه، وهذا الإصلاح ينبني على منطلقات جمة، أهمها النية الصادقة التي تنطوي على إرادة حقيقية في التبدل والانتقال من حال إلى حال، لكن قبل ذلك لابد من تكوين صورة ولو مصغرة على ماذا نريد فعله وتحقيقه، لأن هذه الصورة تساعدنا على وضع تصميم أو خطة لما نحن مقدمون عليه، إلا أن النية أو الصورة أو التصميم أو الخطة أو غير ذلك هي أمور مشتتة، حتى تكسب حبكتها ومتانتها لابد من رابط يوفق بينها، وهذا الرابط لعمري هو الحوار سواء بشكله الداخلي أم الخارجي، بواسطته نتمكن من تنظيم أفكار وعناصر أي مشروع ذاتي أو حضاري نزمع على القيام به. والحوار هنا، يعادل بشكل أو بآخر دلالة المصطلح القرآني (الشورى)، حيث بالتشاور والتحاور نتوصل إلى معرفة أحسن الطرق التي ينبغي أن نتبعها في التعامل مع قضية ما أو نازلة ما.

من هنا نخلص إلى أن غياب روح الحوار والتشاور من تركيبة مجتمعاتنا الراهنة، حيث الغلبة للرأي الأوحد داخل سائر المؤسسات من أسرة ومدرسة ومسجد وإدارة ومعمل وحزب وجمعية وبرلمان وحكومة... هو المسؤول الأول عن الانغلاق الشرس الذي يطبع سلوكاتنا ومعاملاتنا حيث الحضور المستديم للعقلية المخزنية المستبدة التي لا تؤمن بالآخر ولا تعيره أي اهتمام، رغم أننا نملك كل دواعي المعاملة الإنسانية الحسنة، ونتحلى بقدر لا بأس به من مكارم الأخلاق، وندرك أن لكل ذي حق حقه، لكن تظل المفاهيم التي لقنها لنا ديننا العظيم غير مفهومة على الوجه الأصح؛ حيث قوامة الرجل على المرأة تعني أن الذكر خير من الأنثى، والأبوة تعني أن الإبن بمجرد ما يخالف أباه أو أمه الرأي فهو عاق، والمرؤوس بمجرد ما يناقش الرئيس في أمر ما - حتى ولو أنه لا يمت بصلة إلى الرئاسة- فهو مرتد أو خارجي! بغض النظر عن بعض الاستثناءات، هذا هو ،إذن، الطابع الغالب على بنية المجتمعات التي ننتمي إليها، وهذا الطابع السلبي صدرته تلك المجتمعات عن طريق هجرة الملايين من رعاياها إلى الغرب، مما سبب الكثير من المتاعب سواء لأولئك الرعايا أم للشعوب الغربية. ويمكن اعتبار المبادرة بتشجيع الحوار وتفعيله بين شرائح المجتمع المتنوعة أنجع الوسائل لتخطي ولو جانبا من معضلات التواصل التي غرستها في ذواتنا وثقافاتنا الأنظمة التي تستبد بأوطاننا الأصلية. فلنتحلى إذن بروح الحوار الذي به نستطيع فهم ذواتنا، وبفهم ذواتنا نستطيع فهم ما يحيط بنا، وبفهم ما يحيط بنا نتمكن من إدراك قيمتنا في الوجود الذي ليس ملكا لنا وحدنا، بقدرما هو ملك للكل الذي يحتوينا، فنتفاعل معه أو نتجادل معه!