محنة الإمام المغربي
خليل المومني مع الإعلام الهولندي
بقلم: التجاني بولعوالي
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
tijanib@yahoo.com


بمجرد ما طفت قضية الإمام المغربي خليل المومني على السطح، سارعت الصحافة الوطنية الهولندية بكل مكوناتها وأشكالها إلى تلقف هذا الملف الساخن وتناوله وفق ما تمليه توجهاتها الذاتية والأيديولوجية والسياسية وغير ذلك. في غياب ـ يكاد أن يكون تاماـ أي تحليل علمي يراعي الحيثيات الموضوعية والتاريخية والسياقية لهذه القضية ذات الطابع المصيري. مما جعل كتاباتها وتحليلاتها لا تتعدى أن تكون مجرد ـ كما نعهد دائماـ آلية جديدة للكشف عن خطورة الوجود الأجنبي عامة، والإسلامي خاصة عبر التراب الهولندي. لتشير بأصابع الاتهام من خلال شخص واحد، الذي هو خليل المومني، إلى أمة بأكملها، تعد بما يربو على المليار نسمة! فتتجدد في برامجها وعلى أعمدتها الدعوة إلى الحذر من المد الأصولي الإسلامي الذي يستغل ليونة القانون الهولندي، ليركز أهدافه الاستراتيجية التي تتجاوز البعد الطقوسي الديني إلى ما هو سياسي وأيديولوجي.

مرحلة الصراع الإسلامي اليساري بالمغرب.

ما يستخلص من القراءة الأولية لبعض أراء الصحافة هنا، هو أنها تحاول وضع صورة مقزمة لهذا الشخص/الإمام. فتتناول قضيته انطلاقا من ملفه الأسود كما تسميه؛ حيث أنه منذ أوائل الثمانينات كان يعمل إماما في أحد مساجد مدينة وجدة الكائنة على الحدود المغربية الجزائرية. وهذا المسجد يسمى "بدر" ويتموقع قريبا من جامعة محمد الأول التي كانت معسكرا لصراع عنيف وحاد نشب بين الطلبة الإسلاميين من جهة والطلبة اليساريين المتشبعين بالأيديولوجيا الماركسية من جهة أخرى. ويزعم أن خليل المومني كانت له يد طولى في تحفيز ودعم الطلبة الإسلاميين، وذلك من خلال الخطب التي كان يلقيها في ذلك المسجد كل يوم جمعة. تلك الخطب التي كانت أحيانا تدور حول التيار الماركسي عموما، والتيار اليساري التابع للسرفاتي خصوصا. السرفاتي الذي يعتبره المومني مجرد يهودي متشبع بالفكر الصهيوني يسعى حثيثا نحو زرع كراهية الدين والوطن في قلوب الماركسيين المشركين دون أن يتنازل عن إيمانه الراسخ بالدين اليهودي، وولائه الخالص للدولة الإسرائيلية. لهذا كان يستحث الطلبة الإسلاميين الذين كانوا يزورونه، فيحمسهم على مجابهة المد اليساري ووضع حد له.

لكن الإعلام الهولندي يغيب جانبا مهما من القضية عندما لا يضع مجريات الأمور في سياقها الزمكاني الصحيح، فيغض الطرف عن الاستبداد الذي كان سائدا آنذاك بالمغرب، وعن انعدام الديمقراطية التي كانت لا تعدو أن تكون مجرد شعارات مرحلية جوفاء، وغياب حرية التعبير ونحو ذلك. فلا يقف عند الممارسات المخزنية التي أنتجت مثل تلك المواجهات العنيفة التي كانت الجامعة المغربية وأحيانا الواقع المغربي مسرحا لها، حيث ظلت السلطة مطلعة بعيون جواسيسها على ما يحصل فتضرب تيارا أيديولوجيا بتيار آخر مخالفا له في التوجه، وتختلق بين مختلف الفصائل التي كانت تتناحر على كسب الساحة الجامعية التوترات و المواجهات التي كانت تصل إلى حد القتل والتعذيب والتنكيل، ثم بعد ذلك تتدخل بمصفحاتها ودباباتها لحصد الغنائم من كل الأطراف المتناحرة حيث لا فرق بين الإسلامي واليساري، فتحشن السجون بالمثقفين والمبدعين وحملة الهم الفكري والسياسي، فتنطق في المحاكم الأحكام التي تتعدى العشرين سنة سجنا. أضف إلى ذلك أن تقارير الأمم المتحدة حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب في تلك الفترة كانت دوما تشير بإصبع الاتهام نحو مدى خرق السلطات المغربية للقوانين الدولية المتعارف عليها. إلا أن الإعلام الهولندي يصر بشكل أو بآخر على مسايرة الخطاب الرسمي بالمغرب عندما يتعلق الأمر بمثل هذا الموضوع، لأنه يزكي بذلك طرحه الأيديولوجي المعادي للإسلام والأجانب، أما عندما يقترن الأمر بقضايا أخرى، فتنهار قيمة المغرب وغيره من دول العالم الثالث، حيث ينظر إليها كبلدان متخلفة تنتج الأمية والفقر والجهل.

وفي خضم أحداث بداية التسعينات التي كانت جامعة محمد الأول مسرحا لها. كان المومني من الذين قامت السلطات المعنية باستنطاقهم، اعتقادا منها أنه كان له دور بشكل أو بآخر في تحفيز وشحن الطلبة الإسلاميين. وبعيد عودته من الاستنطاق وجد بلاغا من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ينتظره؛ فحواه أنه محظور عليه إلقاء خطب الجمعة داخل المسجد المشار إليه آنفا.

وتعتبر الصحافة الهولندية ـ نقلا عن بعض المصادر المغربيةـ أن الإمام المومني من أهم أتباع الشيخ عبد السلام ياسين؛ زعيم جماعة العدل والإحسان. وقد وضعته- أي المومني- السلطة المغربية بسبب آرائه الجريئة في اللائحة السوداء. فظل عاما كاملا بدون عمل بعدما أوقفته السلطات المعنية بالأمر. فبادر، أخيرا، ثلة من المهاجرين المغاربة المقيمين بهولندا، والمكلفين بإدارة مسجد النصر الكائن بمدينة رو تردم إلى مساعدته على مغادرة أرض الوطن، فوفروا له كل الشروط القانونية والمادية اللازمة، لتبدأ المرحلة الموالية من حياة هذا الإمام الجريء.

مرحلة الصراع الإسلامي الغربي بهولندا.

عندما حل المومني بالديار الهولندية لقي حفاوة حارة جعلته يعبر عن ذلك بارتسامات شتى محتواها أن الأخوة هنا فرحون جدا بقدومه، وأنه أصبح يحس هنا كما لو أنه في وطنه الأب، وأنه لما يكون بداخل المسجد يشعر كما انه لا يوجد في بلاد الكفر والمشركين ... إلى غير ذلك من الارتسامات الإيجابية. وبعد مدة ليست بالطويلة، وفي زمن قياسي، استطاع الإمام أن يكون شبكة مهمة من الاتصالات والزيارات لعدد كبير من المساجد سواء داخل هولندا أم خارجها بفرنسا وبلجيكا وألمانيا والدانمارك. دون نسيان تلك العلاقات الحميمية التي أقامها مع طلبة جامعتي دلفت ورو تردم.

في إطار هذه التحركات صار يعري عن آرائه الحقيقية التي تذكرنا بمرحلته الماقبلية بالمغرب. حيث يحاول أن يبلغ الناس ما معناه أن ثمة صراعا تاريخيا وحضاريا بين الإسلام والآخر الذي قديما تمثل في الصليبية، وحديثا تجلى في الصهيونية التي تقف وراء ما يحدث في العراق وفلسطين وغير ذلك. لهذا فواجب على كل مسلم مسلم أن يعرف من عدوه. وأن العالم المسيحي يسعى إلى مخادعة المسلمين، فهو يقف جنبا إلى جنب مع الصهيونية الجديدة، ويضحي بأعداد طائلة من المسلمين من اجل إقرار النظام العالمي الجديد الذي ما هو إلا إقرار للإدارة الأمريكية.

إذن، نخلص من هذا كله إلى أن المومني نقل دائرة الصراع الذي كان قائما في المغرب بين الإسلاميين واليساريين إلى دائرة أوسع منها؛ يتناطح فيها الإسلام ضد الغرب. وهذا ما سيظهر جليا عندما سيعمد الإمام إلى الإدلاء بكلام يسيء إلى سمعة الغرب، ويحط من قيمة الشواذ جنسيا. ليكون هذا الكلام بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير!

الأوروبيون أدنى من الخنازير والكلاب!

بعدما ألقى الإمام خليل المومني بذلك الكلام النابي، أضحى اسمه متداولا على كل الألسنة وفي كل النوادي. فتضخمت القضية حتى اصبح مدلولها لا يحتمل، وخلفياتها لا تطاق. رغم أن مثل هذا الكلام وإلى زمن ليس بالبعيد كان لا يسترعي كل هذا الانتباه والضجة في جو تحكمه حرية الرأي والتعبير. ربما أن كلا من الرأي العام والرسمي الهولنديين صارا اليوم أكثر استعدادا للانتباه إلى مثل هذه السلوكات الصادرة عن المسلمين. وذلك بدافع البغض الذي تولد لديهما مؤخرا لما هو إسلامي، والذي تغذيه الحملة الصحافية الغربية التي بدأت تفسر واقع المسلمين ومعضلاتهم حسب مقاس أيديولوجي يفتقد الشروط الموضوعية اللازمة.

تقول الصحافة الهولندية أن هذا الرجل مزدوج اللسان أو الشخصية؛ فهو في كتيب له بعنوان "لماذا أنا مسلم؟" يعبر بكلمات حارة عن بلده الجديد الذي هو هولندا، ويعتبر أن علاقته مع الهولنديين جيدة. حيث يؤكد بصريح العبارة أن "عندما أتمشى في الشارع وسط الهولنديين بلباسي المغربي التقليدي يعاملونني جيدا. وأني في الواقع منذ أن وطأت رجلي التراب الهولندي لم يعاملني أي هولندي بسوء. ولا أتلقى منهم إلا الاحترام."

لكن سرعان ما تتغير الموازين، لما يكشف في كتاب آخر يحتوي مجموعة من الخطب و المواعظ، عن الوجه الآخر للحضارة الغربية، فيفضح سوءاتهم في عقر دارهم متحدثا عن أمور حساسة. إذا كانت تبدو في واقع الأمر مصيرية بالنسبة إلى الأقليات المسلمة في الغرب، فهي في المقابل تشكل جزء لا يتجزأ من هوية الغربيين وثقافتهم، وهذا ما لم ينتبه إليه الإمام خليل المومني.

سوف لن أسرد مضامين الكتاب التي هي بمثابة مواعظ يستحث بها الإمام المسلمين المقيمين بهولندا على اليقظة والانتباه إلى مصيرهم ومصير أبنائهم الذين أصبحوا ضحية السياسة الغربية التي تستهدف تشويه هويتهم الدينية والثقافية وإدماجهم عن طريق تذويبهم في المجتمع الهولندي (الكافر والمشرك!) بقد رما سوف أقف عند الكلام الجريء الذي تفوه به المومني. وفحواه أن الحضارة الغربية حضارة بدون أخلاق، حيث في هولندا يسمح للشاذين جنسيا (اللواطيون) بالزواج بعضهم بالبعض. لذلك فالأوربيون أدنى من الكلاب والخنازير ما دام مثل هذا الشذوذ لا يحصل حتى عند الوحوش والحيوانات. ويختم كلامه بدعاء الله حتى يحفظ المسلمين من هذه الأعمال الفاسدة.

وقد قام البرنامج التلفزي"نوفا" (قبل ما يربو على العامين) الذائع الصيت بنشر أجزاء من حوار أجراه مع خليل المومني. أكد فيه موقفه السابق من اللواطيين الذين يعتبرهم مرضى يشكلون خطرا على المجتمع، مما دفع السلطات الرسمية في مدينة رو تردم إلى إجبار برنامج نوفا على نشر كل تفاصيل المقابلة الصحفية مع الإمام عبر شبكة الإنترنت.

هذه هي أهم فصول وملابسات قصة الإمام المغربي خليل المومني بعد إدلائه بتلك التصريحات الجريئة التي حركت الرأي العام والرسمي بهولندا. وقبل ختم هذا المقال لابد من ثبت هذه الخلاصات العامة التي بها يتسنى لنا الفهم التقريبي للقضية.

خلا صات عامة.

- عندما أتحدث عن الإمام خليل المومني ، هذا لا يعني أنني أنحاز إليه أو أدافع عن أطروحته. بقد رما يعني هذا أنني أنطلق مما تمليه مبادئ ومسلمات عقيدتي الوسطية وهويتي الإسلامية التي هي جزء لا يتجزأ من ذاتي وكينونتي. وهذا المنطلق يحفزني على إماطة اللثام عن حقيقة مؤداها؛ أن هنا في الغرب يحس المرء أنه مهدد باستمرار في دينه وثقافته وأبنائه وغير ذلك. لذلك نرى أن كل أقلية من الأقليات الموجودة في الغرب عموما وفي هولندا خصوصا تحاول دائما إثبات وجودها والذود عن مقوماتها الذاتية والحضارية ونحو ذلك.

- تلك التصريحات التي أدلى بها المومني ليست ملكا له، بقد رما هي حقيقة إسلامية تؤكدها نصوص إسلامية عدة. كما أن في الدين اليهودي أو المسيحي كذلك حقائق غير مقبولة في إطار عقيدتنا وتسئ إلينا أحيانا. وتحريم الشذوذ الجنسي/اللواط، والتقليل من قيمة المشركين والكفار وغيرها صارت أمورا عادية في الفقه الإسلامي، والغرب يعرف عنها الكثير. لكن بيت القصيد يكمن في من له الجرأة الكافية على أن يصرح بذلك داخل هذا الغرب، وفي هذه الفترة التاريخية الحرجة، ودون تستر، ليكون فريسة- ولو لزمن محدد- للإعلام الغربي المتعطش لمثل هذه القضايا.

- الإعلام الهولندي دب وهب ليطعن في ما قاله المومني، لكن لم يراع حرية التعبير التي تعتبر من أهم مقومات الدستور الهولندي. كأنه يشير بذلك إلى انه حلال عليه أن يقول في المسلمين ما يحلو له، لكن حرام على المسلمين أن يدلوا بوجهات نظرهم. وأسوق هنا نموذج تلك الإساءة التي أساء بها سلمان رشدي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تحت غطاء حرية الرأي والتعبير. فلم يحرك الغرب ساكنا بقد رما وفر الحماية اللازمة لهذا الكاتب (الجريء!) وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإعلام غيب حقيقة هامة عندما تحدث عن وضع الحكومة المغربية للمومني في اللائحة السوداء. وهي عدم إشارته إلى أن
تلك الحكومة لم تكن عادلة، بقد رما طوع ذلك الحدث لخدمة أطروحته التي تدين ما قاله المومني.

- تجرأ خليل المومني على أن يكشف للهولنديين عن حقيقة إسلامية كائنة صدمتهم في العمق. لأنهم ما توقعوا من هذا الرجل الذي كان قد اعترف بجميل الدولة الهولندية وأعجب بالشعب الهولندي الذي يكن الاحترام للآخرين. مما جعلهم يتساءلون عن ماهية هذا الإنسان المزدوج اللسان. والمتناقض المواقف! فالواقع هنا يقول من جهة أن القانون الهولندي- بشكل ما- قانون عادل. وأن نسبة لا بأس بها من الهولنديين لا تحمل في قرارة نفسها خلفيات عنصرية. لكن من جهة أخرى لا يمكن نفي بعض المساوئ والمثالب التي استشرت داخل المجتمع الهولندي، ومن جملتها الشذوذ الجنسي المشجع إعلاميا وقانونيا. واستمرار هذه الظاهرة وتفشيها تحط من قيمة الأوربيين في ضوء مضامين الشريعة الإسلامية وأحكامها. والمومني نفسه تناول هذه القضية بدعوى ما يمليه عليه توجهه العقيدي. مؤكدا أن اللواط مرض، وأنه إذا كان شخص ما مريضا، يحضنا الإسلام على مساعدته ليشفى من ذلك. وهذا ما تجاهله الإعلام الهولندي عندما ترجم كلام المومني. كذلك يبدو أن المومني لم يراع السياق التاريخي والثقافي والسياسي والجغرافي الذي يتموقع فيه، فكان لزاما عليه أن يجعل خطابه وقفا على المسجد دون غيره من المؤسسات كما يصنع أغلب الأئمة. أو أن يراعي في فتواه مكونات الواقع الذي يعيش فيه ما دام أنه يتحدث بلسان أقلية تحيى في بلاد غير إسلامية.

- الخلاصة الأخيرة هي أن الظرفية التاريخية التي نوجد فيها يطبعها صراع حضاري قائم بين المسلمين المنفصلين شيعا والغرب المتركز في ترسانة متعاضدة الأطراف. وأي قراءة متبصرة لراهن العالم الثقافي والسياسي والعسكري من شأنها أن تدل على أن الغرب قد تمكن في ظرف وجيز من تجميع أشتاته وقهر كل الحركات المضادة له عسكريا أو أيديولوجيا. ولم يبق له إلا الإسلام الذي كان ولزمن ليس بالبعيد العدو المشكوك فيه، لكن مباشرة بعيد أحداث 11 شتنبر تيقن الغرب من الحرب الحضارية والعسكرية القادمة أو بالأحرى الدائرة رحاها الآن هي حرب الغرب ضد الإسلام أو الإسلام ضد الغرب. ويمكن إدراج قضية خليل المومني الإقليمية المجال في هذا الصراع الحضاري العالمي الموسع.