|
العراق ومتغيرات السلطة والسياسة
الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
أستاذ عراقي مقيم في ألمانيا
Jubouri_2004@yahoo.fr
ليس كل عناصر السلطة هم سياسيون ، وليس كل السياسيين قادرون على أن يكونوا ضمن
اجهزة السلطة ، وليست كل مؤسسات السلطة يمكن ان تتحول الى مؤســـــسات سياسية ،
كما لا يمكن ان نجعل من السلـطة والسيـاسة
شـيء واحد .
في العراق بات من الصعب الوقوف بسهولة على جميع المتغيرات التي تؤثر على
الأوضاع السياسية أو الأقتصادية او الأجتماعية ، وذلك بسبب الخلل الحاصل في
القدرة على تشخيص جميع هذه المتغيرات مثل متغير السلطة ومتغيرات القانون
ومتغيرات الإدارة وطبيعة الواقع الجديد للعراق الذي تحول بصورة حادة أو معاكسة
من موقع المناهض المعلن للسياسة الإمبريالية والمخطط الصهيوني في المنطقة
العربية ، الى نقطة تحول وأشارة داخل السياسة الأمريكية حصرا وخضوعه مباشرة
للسيطرة التامة من قبل المخابرات المركزية الأمريكية والأستخبارات البريطانية
والموساد الصهيوني أي على الخط المعاكس تماما لما كان يقال على لسان السلطة
الحاكمة أو على محك الممارسة اليومية للمواطن العراقي الرافض لمثل ما يجري على
أرض الواقع ، الأمر الذي خلق تداخلا واضحا في مجمل واقع العراق بشل خاص
والمنطقة العربية والأقليمية المحيطة بالعراق بشكل عام .
فلو أردنا ان نقتصر الحديث عن متغير السلطة والسياسة هذا المتغير الذي يفترض
على المثقف والسياسي ورجل السلطة ان لا يتجاهلة بدعوى ان ما يجري هو التحرير
كما يروق للبعض تسميته ، ولا نعترض على ذلك ، ولكن من حق الآخر ان يسمي الأشياء
وفق ما يراها هو ، وهنا تتكافأ فرص الرأي والرأي الآخر ، ولا نريد ان نقول انه
، أي الأحتلال أو التحخرير ، هوالعبودية الجديدة كما يريد البعض ان يصوره ،
وإذا سمحنا لأنفسنا ان نغرق في هذا الجدال العقيم فأننا سنواجه عدد من الحالات
التي ربما يفاجأ المرء بها كون ما قد جرى خلال فترة التغيير يذهل العقل السياسي
ويربك العقل القائد للسلطة ، فحالة الأستقرارا الأمني في عهد الدكتاتورية
وسيطرة السلطة على جميع مفاصل الحياة اليومية قد خلق حالة من الأستقرار
والأطمئنان للوضع الأمني المرتبط بالسلطة وأنعكاس ذلك على المواطن وطبيعة حياتة
من هذا الجانب تحديدا ، لأننا نتعامل مع واقع الحال .
فيما عانت قضايا عديدة من ازمة حادة كخنق الحريات وأنفراد السلطة بالرأي
السياسي الواحد ، وتحول مؤسسات الدولة من مؤسسات حكومية الى مؤسسات مزدوجة ما
بين السلطة والدولة ، وتمت مصادرة العديد من هذه المؤسسات تحت مبرر الأمن
والسيادة والقانون مما انعكس على الأوضاع العامة للمواطن ، فمثلا أصبحت
السفارات مؤسسات للسلطة وليست للدولة ، لأنه يجب ان نفهم ماهية الفروق بين
مؤسسة السلطة ومؤسسة الدول ، فمؤسسة الدولة يجب ان تمثل المصلحة العامة التي
تتجسد فيها مصلحة الفرد وانعكاسات هذه المصلحة على حياته اليومية والمعاشية
والأمن الإجتماعي له .
وتحولت أزدواجية المؤسسة الى خليط غير متجانس من حيث علاقة الفرد بها ، وهيمنة
القوى الحزبية المتسلطة على مقاليد الأمور ، لا سيما تلك المتعلقة بحياة
الإنسان التي تتفاعل مع المؤسسة الحكومية بشكل يومي ومستمر ، من خدمات للمواطن
وخدمات للمؤسسات الحكومية والتي يجب ان تنعكس أيجابيا على مستقبل الحياة
الأقتصادية والأجتماعية والتربوية بعيدا عن تفصيلات السياسة ،، فالسفارات
العراقية تحولت من مؤسسات قنصلية خلقت لخدمة العراق دوليا وخدمة العراقي على
مختلف مستويات وجوده فــي الخارج ، تحولت الى
أوكار تسـلطية وحولت مصلحة الأنسان العراقي فيها
اـى حالة من الخوف والرعب والأبتعاد عن مواجهة الفرد
للقنصل او القائم بالأعمال أو ربما حتى دخول أسـتعلامات
السفارة .
إذن السلطة على قوتها وهيبتها كانت تمثل هاجسا من عدم الأطمئنان للتعامل معها
من قبل العامة بسبب أن الفرد العراقي وطيلة الفترة السابقة والفترات التي
سبقتها في العهود الجمهورية الأخرى ، بات في موقف المتهم والمدافع عن أثبات
براءته ، لأن السلطة تهاجم الفرد بأعتباره في حالة الأفتراض غير وطني كونه ربما
لا يكون مع خط السلطة أو الخط السياسي للسلطة ، وتستطيع ان تحاكمه بدون أثبات
على تهمة معينة ، ويمكن ان نرجع البعض منها بسبب تغليب الأهواء السلطوية
والحزبية على القواعد والأسس القانونية والوطنية للدولة ، أذ يجب أن يكون
المواطن وطنيا ، ولكن السلطة تريده وطنيا من وجهة نظرها ، وهكذا بات محكا للشك
والخوف منه ، أي المواطن ، هو الأساس في تعامل الدولة العراقية معه ، وبالمقابل
أصبح الفرد يدافع عن براءته بأستمرار ولا تشفع له قضية المواطنة والأخلاص للوطن
، لأن الأخلاص للوطن ينبثق من الأنتماء
الياسي أو الأنتماء الطبقي ، وهنا يبرز لدينا متغير السياسة
والسلطة في آن واحد .
ولأن السلطة أصبحت أولا ، ولأن المواطنة أصبحت ثانيا ،، فأنه من البديهي ان
تظهر لنا ولاءات حزبية او مذهبية او أجتماعية وربما مادية في كثير من الأحيان ،
ولكي ترضى السلطة عن مجموعة او عن فئة فأنه لا بد لهذه المجموعة ان تقدم ما
يثبت أخلاصها للوطن من خلال أثبات حسن صلاتها بالسلطة والتي يجب أن ترتبط
بالحزبية ، والجغرافيا والعرقية . وهنا جاءت القرية قبل المدينة والمدينة قبل
المحافظة ، في حين هناك أستثناءات وهي المصلحة المادية قبل المبادئ أو قبل
الأنتماءات وهكذا تداخلت علاقات الحياة اليومية للمجتمع مع العلاقة بالسلطة ،،
ولكل قاعدة بات هناك اكثر من أستثناء .
فالبعض كان يقول بطائفية السلطة ، إلا أننا نجد ان الطائفية المفترضة هي التي
تحط من قدر ومكانة الإنسان او المواطن بالرغم من الأفتراض الذي يساق من قبل
ويساق الآن من انه من (( تكريت )) ومن يقوم بعقابه هو مثلا من (( الناصرية ))
كون الذي ينفذ أوامر السلطة هو من الناصرية وهو في نظر سلطة النظام أكثر أخلاصا
من الذي هو من تكريت ، ولدينا الكثير من الأثبات على ذلك !! على مستوى قطاع
الجيش صحيح ان السلطة هي البعث وهي تكريت وهي العوجة ، لكنها تطبق بأيدي من مدن
أخرى بعيدة عن المذهبية والجغرافية او العرقية ، مثلا من العمارة أو من
الناصرية أو من الكوت وربما من النجف ، وهذا ينطبق كذلك على قطاع الأعلام
والتربية والتعليم العالي ، حيث ان هناك عدد هائل من الأساتذة رغم انهم محسوبون
على النظام التكريتي إلا أنهم تضرروا بأسم الأخلاص للسلطة وأرتباط المخلصين
للسلطة بفرد من السلطة ذاتها ويعمل لحسابه المشبوه بأجهزة النظام ، كما أن معظم
وكلاء السلطة في قطاع التجارة والصناعة ومؤسسات كثيرة لا ينتمون من حيث التصنيف
الحالي الى تكريت او الى طائفة السنة ، كما هو الحال مع وكلاء عدي في التجارة
والصناعة ،، ووكلاء المخابرات ودورهم في تصفية العناصر الوطنية التي لا ترغب
بالعمل مع السلطة ولكنها وطنية .
طيلة الفترة الدكتاتورية لم يحدث أن ظهر متغير بل كانت السلطة هي السياسة
والسياسة هي السلطة ، وطغى المفهوم الفردي عليهما في آن واحد ، وهكذا تم أختزال
المواطنة بأكملها في شخص الفرد السياسي والسلطة أيضا ، وبات العراق صدام وصدام
هو العراق !! والآن يوجد اكثر من صدام ويريد ان يختزل العراق بحزبه او بشخصه او
بمذهبه دون الأخذ بنظر الأعتبار ان المعادلة المطلوبة او المفترض ان تكون اليوم
هي التخلي عن سياسة السلطة وسلطة السياسة، لأن المنطق يفترض بعد التحرير او بعد
الحتلال أن يكون هذا الفصل ونتخلص من الأردواجية في التعامل مع الحياة .
نعم كان هناك أشباع لبعض الحالات التي يعاني منها الفرد وربما الآن لا يوجد هذا
الأشباع ، ولكن هذا الأشباع الغريزي أقتصر أيضا على فئة أستطاعت الدكتاتورية أن
تجعل الكل يلهث وراءها وهي الوصول الى حالة
يــريدها الفرد
الحاكم وليـست الدولة ، لأن مفهوم الدولة –
كما قلنا – تم اختزاله بشخص الحاكم ، وهكذا لم تطرأ تطورات
لـصالح أي متغير آخر يمكن أن يحرك
الكـوامن الوطنية غير ما كان يريده الفرد
الحاكم .
لقد أسهمت فئات دينية وأجتماعية وعرقية على تجسيد ذلك في مفاهيمها وطوعت تصرفات
المعية فيها داخل الطائفة وداخل المدينة وداخل العشيرة وداخل الفئة السياسية
الى فعل يتماشى ويتجانس مع ما يريده الحاكم ، وهو ما ركزت عليه السلطة وتجاهلته
الدولة . وهنا نقرأ ما حدث في العمل السياسي لدى البعض ممن تحولت مفاهيمهم
السياسية الى الضد مما كانوا عليه وهذا ما شلل الهياكل الأخرى وتبعثرت قوى كانت
من المنتظر ان تلعب دورا لصالح متغير السياسة وعدم الخضوع للسلطة ، وهذا ربما
نجده الآن مما يدفع بأتجاه التنظير السياسي لصالح الأحتلال على حساب المواطنة
وسلامة الوطن ، إذ نجد ان بعض الحركات السياسية في عهد الجبهة الوطنية والقومية
التقدمية في منتصف السبيعينات ، والتي أراد لها صدام ان تكون أداة هدم
للـقوى والكيانات السياسية الأخرى المشاركة فيها تحولت
الى أدوات هدم للبنية التنظيمية لأجل
مصالح فردية ضيقة ، مما حرك الفعل بأتجاه بروز السلطة وغياب
المنهج السياسي .
إذن يمكننا ان نتلمس ملامح السياسة والسلطة في العراق بكل بساطة إذا ما رجعنا
الى نظرية القائد الضرورة والقائد الملهم وغيرها من المسميات التي لم تكن لتظهر
بدون أن ترتبط بطبيعة حدث معين يجعل المعية التي تحيط بالفرد الحاكم ، فهم
يتفنون في عملية تأليه هذا الفرد بل لقد أصبح البعض ومن مختلف المستويات يسعى
لدمج نفسه بالسلطة وتجاهل القيم الأجتماعية والدينية ونجده الان يتخطى هذا
الحاجز ليحصل على موطيء قدم في ظل الوضع الجديد لأن العراق لم يتخلص من الخلط
بين مفهوم السلطة ومفهوم السياسة ولا زالت قوى عريضة من المجتمع تنتظر من
السياسي ان يوفر لها السلطة ، وإذا ما وصلت الى السلطة افسدت اكثر من صدام لنها
تريد السياسة في خدمة السلطة ن في حين ان السلطة يجب أن تكون من حصة الوطن
والمواطن والسياسة من حصة النخب للتخطيط للمستقبل وعلى السلطة ان تنفذ ما تراه
صالحا للمجتمع والفرد ،، وهنا لا يمكننا ان نستثني فئة أو قطاع او عشيرة او
مدينة من المساهمة في خلق هذه الحالة التي كان الحاكم حريصا على تأكيدها ،،
ولكن لا يعني هذا ان كل القطاعات او كل المدن او كل الفئات مع كل ما يريده
الحاكم الفرد ، ولكن طبيعة البنية الإجتماعية وتعدد
السـلوكيات الفردية او ربما السلوك الجماعي
تـجعل من الواضح ان هناك كم لا بأس به
متتن مريدي الحالة التي يسعى الحاكم الفرد لها .
وفي ضوء العديد من الحالات التي لم تكن غائبة عن العقل العراقي ، باتت السياسة
هي السلطة وهنا تعطلت عملية بناء التفكير أو عدم القدرة على التفكير في بناء
الوطن بمعزل عن دور القائد الفرد ، وهكذا أشيعت العديد من التقولات حول عدم
قدرة العراقيين من الأستمرار بدون صدام وهي ربما لا زالت سائدة لدى العديدين
الآن ولكن بالمقلوب أي ان العراقيين سوف يتقاتلون عندما يرحل الأحتلال وأن
الوضع لا يستقيم بدون ان يكون العميل الفلاني هو قائد السلطة تحت عباءة السياسة
،، وهو ما نريد ان نركز عليه من تجميد القدرة العقلية للفرد العراقي ومحاصرة
التفكير في أطار دائرة واحدة ترتبط بالعائلة وبالقرية وبالمدينة وبالحزب ،
وبالعلاقات غير المشروعة التي باتت ممارساتها مما يجلب الحظ والتفوق الأجتماعي
في أغلب مدن العراق ومعظم القطاعات الشعبية وفي الوسط المثقف وفي القطاع
العسكري والأقتصادي والأمني وهكذا .
ومعادلة السلطة والدولة وأختزالهما في شخص الحاكم خلقت عملية تغليف للوعي
الفردي بسبب جمود القدرة على التفكير ، ولأن الفرد العراقي أصبح يرتبط بمسميات
يومية كالجمعية والنقابة والمنظمة الحزبية والمؤسسة السلطوية ، فأنه أصبح غير
قادر على التفكير بقضايا الحياة اليومية لأن الدولة على جهلها وتعمدها في تجهيل
المواطن ، تحاول دائما ان تقدم الحلول جاهزة وكأنها هبة من السماء مما أصبح حتى
الموت هو مكرمة من الحاكم ،، وان ما يصل للفرد ليس إلا بحكمة من لدن الدكتاتور
، والسبـب كله هو عملية التغليف المتعمد
للفــكر الفردي ومنعه من التفكير بالحاجات
اليــوميةخارجأطاراـــلطة وهي كل
مؤسسات الدولة .
واليوم لا بد ان نقف في هذا المسار حيث ان قطاعات كثيرة من الشعب ترى ان الرأي
مثلا يجب ان يرتبط بالمرجعية الدينية ، ولكن المرجعية الأجتماعية ومرجعية
المواطنة باتت تنحسر خلف واجهات جديدة ن فالذين يريدون حلولا جاهزة هم اولئك
الذين كانوا يريدون القائد الضرورة يقدم الحلول حتى من اجل الموت والجوع والفقر
والتشريد والعذاب . نحن لسنا ضد الفكر الديني المرجعي ، ولكن هل العراق بحاجة
الى سلطة دينية حقيقية أم بحاجة الى سلطة وطنية واعية ومدركة لما يمكن ان يقدم
للمجتمع الحلول للمعضلات الحقيقية التي يواجهها الفرد .. وبسبب غياب الوعي
وبقاء العقل العراقي مغلفا يلوذ الفرد البسيط بالحث عن الحلول عند المرجعية او
الجري وراء بريق السلطة ، فالجامع لم يقدم حلولا للمجتمع بعد ان حلت الدولة
بقوانينها الوضعية محل الدين ، وأنحسر دوره ليصبح مكان للعبادة ووعظ الفرد
المؤمن ، لكننا نجد ان تداخل السلطة والسياسة ومنذ عهد صدام أعطى للجامع دورا
في العلاقة مع الحاكم ، وهكذا جاء الأحتلال ليسير بذات الطريق في خلط السلطة
بالسياسة عندما قسم الولاءات الوطنية الى ولاءات طائفية وعرقية .
ففي الجامعات تجد التعليم لا يستقيم بدون وجود الكادر السياسي المتقدم وهو
عبارة عن جاهل حقيقي يدير مؤسسة علمية ، وبسبب جهله يضطر الى تحويل المؤسسة من
مؤسسة دولة الى مؤسسة سلطة لكي يستطيع ان يحقق ما تريده السلطة وليس ما يريده
الوطن والدولة بمعناها الحقيقي ، وما ينطبق في مثلنا هذا يتوسع ليشمل كل مؤسسات
الدولة والمجتمع والأقتصاد والسياسة والأمن وغيرها .
لقد بات الفرد لا يتحرك بأي أتجاه بدون مسؤول سلطة ، وهذا المسؤول جاهلا كان او
عالما فهم على حد سواء ، وتجردت العقلية الأجتماعية من مكونات عدة ، وتجاهلت
أنتماءاتها بسبب طغيان الإنتماء للسلطة وعدم وجود سياسة بديلة داخل البلد بأسره
، وما موجود في المنطقة الكردية على سبيل المثال تجده لا يختلف عما نحن ذاهبون
إليه ، وذلك بسبب تداخل المفاهيم والتربية السياسية للعراق ، مما نجد ان هناك
أيضا حكم العشيرة التي خرج منها الحزب ومنهما سوية خرجت لنا السلطة السياسية
والأقتصادية والعسكرية وما الى ذلك من تسلسل حقيقي تعاني منه أغلب القطاعات في
العراق بأكمله .
وإذا كانت السلطة قد خلقت في العراق حالة من البؤس والشقاء ، فأن العراق لا زال
يعيش هذه الحالة بسبب ما ذهبنا إليه من ان المتغير في السياسة لم يستطع ان يحول
الى تغير في السلطة ، فالمفاهيم السياسية جيدة من حيث البناء الأيديولوجي لها ،
وهذا ما كان حزب البعث العربي الأشتراكي حريصا عليه الى أقصى حد ، مما جذب
الكثيرين إليه في مراحل عديدة حتى جاءت السلطة لتنهي العملية العقائدية وتتبنى
العقيدة التي تتبنى الأنتماء للسلطة وتنحية الفكر السياسي والأيديولوجيات جانبا
،، وهو ما يمكن ان نتلمس ملامحه في الكم الهائل من الأنتماء للتنظيم الحزبي مع
فقدان المنهج العقائدي، فالمنهج السياسي ، هو منهج السلطة ، والذي أنعكس على المنهج العلمي والمنهج
الأجتماعي للحياة اليومية للفرد والمجتمع وبقيت الحياة مجرد شعارات ، وتحولت
القدرات الوطنية الى خليط من الترابط ما بين السلطة وما بين السياسة ، مما أضعف
أستقلالية الفرد في القدرة على البناء الوطني بدون أن تتدخل السلطة ، وأحتكرت
السلطة كل شيء بدون أستثناء ، وهذا شكل ضغطا فكريا وضع المجتمع برمته في قوالب
جاهزة ، أصبح التحرر منها امرا مستحيلا ، وهذا ما يفسر فشل الحكومة الحالية في
تغيير الأوضاع العامة في العراق ، على الرغم من أن غالبية الذين هم في السلطة
لم يكونوا قد عاشوا طويلا مع النظام السابق ، ولكن طبيعة البناء الجديد في
العراق فرض صيغة السلطة قبل السياسة .
لم يكن ربما صدام ملوما في سياسته فما يجري الان على الأرض ، لأن هناك واقع
حقيقي يعكس طبيعة السلطة الحاكمة والتي هي نوع من التشبث بالسياسة لأنقاذ
السلطة ، وما يجب أن يكون هو التشبث بالوطن والمواطنة التي باتت مفقودة للتخلص
من السياسة والسلطة وأتاحة القدرة لمؤسسات الدولة ان تستقل عن السياسة وأن تعود
الى حضن الوطن ،، ما خلقه صدام هو مجموعة تصرفات كان الكل يريد أن يقلد السلطة
، ولا يقلد الدولة فالأستاذ الجامعي بات غير محترما في الوسط الأجتماعي والسبب
هو ان من لا يقرأ ولا يكتب يملك القدرة المادية من خلال أرتباطه بالسلطة وأصبح
الشعب يريد السلطة ولا يريد غيرها ، وهو ما يتكرر اليوم في العراق ذاته .
لم يكن وزير الداخلية في عهد صدام سارقا ، بل ما يملكه هو مكافأة على نشاطه
السلطوي في القمع والبيوت التي يمتلكها وزير الزراعة او وزير التجارة والأبهة
التي تعيشها عوائل هؤلاء لا يمكن ان توصف بأنها سرقة او رشوة او فساد اداري ،
لأن ما يعطيه الحاكم لهم يعد من باب المكافأة للأخلاص من اجل بقاء سلطة الحاكم
وهنا لم تكن هناك سياسة ، والان الذين يعترفون بفساد اداري في السلطة هم ذاتهم
من اتهم صدام بأغتصاب السلطة ن في حين ان الطريق الذي سلكه صدام في السلطة لا
يختلف عما يسلكه أصحاب السلطة الان لأنه لا توجد الان سياسة فمتغير السياسة هو
عندما تحس بذلك كفعل يتلمسه المواطن عندما يجد حد فاصل بين السلطة وبين السياسة
، فالذين جاءوا مع الإحتلال جلبوا معهم اموالا لا ندري من أين أتت ، وهكذا أصبح
لهم بريق السلطة من خلال ظهورهم المتكرر في المحفل السياسي المساهم في الأحتلال
وقدراتهم المادية ، فنظر الشعب لهم على أنهم قادة العراق المخلصين ، في حين
انهم لم يستطيعوا تخليص الشعب من عقدة السلطة والسياسة ، لأن صدام كان يقتل بيد
ويصرف بيد أخرى ، وكان الكل يريد السلطة لأنها تدر وجاهة أجتماعية ، واليوم
الذي يتصرفون بمقدرات العراق هم المقربون من غالبية الفئات اللاهثة وراء بريق
السلطة والمال .. هذه المخاطر ربما لم تكن محسوبة لدى الجميع والسبب يكمن في ان
العراقي كان ولا يزال بحاجة الى عملية تأهيل العقل الأجتماعي برمته حتى اولئك
الذين لم يكونوا يعرفون العراق منذ أكثر من ربع قرن لكنهم جاءوا ليؤسسوا لسلطة
الدولة قبل التأسيس لسياسة وطنية حكيمة ، مما خلق ذلك حاجزا نفسيا بينهم وبين
الشعب وبقي من حولهم هم المستفيدون من وجودهم في السلطة فقط .
فأعادة الوعي للشعب ومن ثم يستطيع أن ينطلق وينهض بأتجاه البناء الوطني
كالديمقراطية والتنمية والأستقرار ولكن الذي حدث وهو صلب حديثنا ،، أن العراق
تحول من سياسة الى عدة سياسات مجهولة بالنسبة للعامة وتحول من سلطة واحدة الى
عدة سلطات اولها وأقواها سلطة الأحتلال وسلطة الأحزاب وسلطة المال وسلطة القتل
والتدمير المتعمد .
كان العراق يعاني من تسلط العائلة الحاكمة ، والآن عدة عوائل تحكم العراق ،
وكان العراق يعاني من سلطة الحزب الواحد ، والآن مئات الأحزاب التي تريد أن
تسيطر على العقل العراقي من جديد ، بدون ان يمر بأعادة تأهيل كاملة ، وكان
العراقي يعاني من سلطة القبيلة وهناك الآن عشرات القبائل التي تسيطر على مفاصل
عديدة في الدولة التي لا تمتلك أصلا سلطة ، لكنها تمتلك مؤسسات هزيلة غير قادرة
على أيجاد حلول لأسئلة كثيرة ، ومن قبل كان حزب البعث بمؤسساته السلطوية
ومصادرته لسلطة الدولة ومؤسساتها غير قادر على الأجابة عن عدد منها ولو أستلزم
ذلك أستخدام القوة لحلها !!
يبقى ان نؤكد ان ليس كل السياسيون يصلحون للسلطة وليس كل سلطة هي سياسة ، وربما
هذا يتحدد بالعراق لوحده دون غيره او ربما لا أستطيع ان أبرهن ذلك لن الحديث عن
هكذا امور معقد وحساس ويحتاج لأستطلاع مواقف الكل .
|