From : haytam@3barat.com
Sent : Sunday, February 6, 2005 12:29 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

تحيّة طيبة وبعد :
المقال المذكور في هذا البريد هو دراسة واقعيّة للوضع الفلسطيني قبل قمّة شرم الشيخ حاولت قدر الإمكان الإختصار من المقال وعانيت في سبيل انجازه على هذه الصّورة ونال مني الكثير الكثير من الوقت والتّعب رغم انشغالي في دراستي الجامعيّة والإمتحانات الفصليّة , أرجو المعذرة منكم إن كان المقال مطوّلا , فهمومنا وقضايانا تحتاج لآلاف المجلّدات , أدامكم الله ذخرًا لنا ومنبرا حرًّا للكلمة الصادقة .
أخوكم المخلص لكم – هيثم طاطور



الإمبراطوريّة العبّاسية الجديدة
بقلم : هيثم طاطور
كاتب وشاعر فلسطيني - الجليل


في مقابلة تلفزيونية أجرتها معه القناة الفضائية الأردنيّة , عشية قمّة شرم الشيخ المنعقدة تحت راية "المرحلة الجديدة والحاسمة" صرح وزير الشؤون المدنيّة الفلسطيني- جميل الطّريفي عن اهتمام القيادة الفلسطينية بنجاح القمّة التي ستجمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي أريئل شارون والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني والرئيس المصري "صاحب البيت" حسني مبارك ورئيس السلطة الفلسطينية المنتخب محمود عبّاس في منتجع شرم الشّيخ المصري في سيناء, ومن المعروف والمعهود في تاريخ المسؤولين الفلسطينيين أكد الطّريفي التزام محمود عبّاس بالثّوابت الفلسطينيّة كنقطة انطلاق للتفاوض مع الجانب الإسرائيلي , وكما هو معروف ومثبت تاريخيًا , لم تلتزم القيادة الوطنية الفلسطينيّة بتاتا بالثّوابت المزعومة بل كانت المبادرة الأولى إلى اغتيالها من جهة والرّقص على أنغامها من جهة أخرى بصورة مثيرة للجدل , ما هي الثّوابت الفلسطينيّة وما المصلحة من تغييبها ؟ .


بحسب الميثاق الوطني الفلسطيني الذي أكل عليه الدّهر وشرب , حدّدت المهام المطلوبة من منظّمة التحرير الفلسطينيّة , كراعية لحقوق الشّعب المنكوب وكحاملة لراية الإستقلال الفلسطيني في أرض الآباء والأجداد وعلى تراب القدس الطّاهر , بل اعتبرت  مضامين الميثاق الوطني الفلسطيني , الأيديولوجيا الفكريّة التي ساهمت فعليّا في نشوء منظّمة التحرير الفلسطينية م.ت.ف. التي أخذت على عاتقها بموجب قرارت الميثاق , حل القضيّة الفلسطينية .


سبق صدور الميثاق الوطني الفلسطيني ميثاقٌ عرف بالميثاق القومي الفلسطيني الذي اعتبر القضيّة الفلسطينية والإحتلال الصّهيوني في أرض فلسطين قضيّة عربية ,جاء الميثاق الوطني الفلسطيني , والذي طبخ في أواني منظمة التحرير الفلسطينيّة كتعديل للميثاق القومي, ولعلّ أخطر تعديل أجري فيه هو السّبب المباشر لما آلت إليه القضيّة الفلسطينية في الوضع الرّاهن, فقد تم بموجب الميثاق المولود والمعدِّل اعتبار القضيّة الفلسطينيّة قضيّة الفلسطينيين, بل وصل الأمر إلى وصف أرض فلسطين وطنا للفلسطينيين بعد أن كانت أرضًا عربيّة , من هنا كانت نقطة التحوّل التاريخيّة والتي استبعدت م.ت.ف. فيها الشّعوب العربية جماهيرا وحكومات عن القضية الفلسطينية
عام 1968 , لذا فإن تأنيب منظّمة التحرير الفلسطينيّة لسبات الدّول العربية لم يكن إلا توهيماً وتضليلاً للحقيقة, فمعًا نستعرض هذه الثّوابت التي بقيت حبرا على ورق في أروقة مقرّ الرئاسي الفلسطيني على مدار عقود من الزّمن :
الثّوابت الفلسطينيّة المزعومة :


1. قضيّة فلسطين هي قضيّة للفلسطينيين بدل أن تكون قضيّة قوميّة عربيّة .


2. رفض جميع قرارات هيئة الأمم بشكل قاطع وجازم ويدور الحديث عن القرارين 242 و338 الذين أعلن أكثر من مسؤول فلسطيني رفضهم القاطع لهم في اكثر من مناسبة مؤكدين التزامهم بالميثاق الوطني الفلسطيني.( إبان الإنتفاضة الأولى تم قبول القرارين عام 1988


3. إعتبر الميثاق الوطني الفلسطيني الهجرة اليهوديّة إلى أرض فلسطين هجرةً غير شرعيّة وأنه يتوجب على منظّمة التحرير العمل على طرد اليهود ووقف محاولات الهجرة , ملاحظة : هذا البند مطابق للمادة 49 من إتفاقيّة جنيف 1949 والتي تنص على أنه لا يحق توطين أو نقل أملاك إلى أرض لم تزل محتلّة. هذا البند لم يعد موجودًا بل استثنيَ من محور المطالب الفلسطينيّة .


4. أصرّ الميثاق الوطني الفلسطيني على حق العودة كحقّ أساسي ومشروع وغير قابل للتأويل , بل كان من الدّعائم التي ارتكزت عليها منظّمة التحرير .
* حق العودة حق مقدس لا مساومة فيه ويحق لكل فلسطيني العودة إلى أرض الوطن.
* عودة اللاجئين الفلسطينيين من المهجر والشتات إلى بيوتهم وأراضيهم التي سلبت  عام النكبة 1948 .
النتيجة كانت : (قبلت م.ت.ف. بمبادرة جنيف التي استثنت حقّ العودة والقرار 194 من جدول المفاوضات وقبلت السّلطة الفلسطينية بهذه المبادرة كبادرة حسن نيّة واقتصر حق العودة على عودة اللاجئين من مخيمات لبنان وسوريا إلى الضّفة الغربية ) .


5. في الميثاق الوطني الفلسطيني لم يعترف بوجود إسرائيل كدولة قائمة كان الاعتراف بإسرائيل خرقًا صارخا لهذا الميثاق, النتيجة كانت : (مؤتمر أوسلو 1993 واعتراف منظّمة التحرير الفلسطينيّة بإسرائيل).


6. أصرّ الميثاق الوطني الفلسطيني على استبعاد الدّول وخاصة الحكومات العربية من التدّخل في القضيّة الفلسطينيّة , وازداد إصراره في الجانب المتعلّق بحق تقرير المصير, أودع الميثاق الوطني الفلسطيني حق تقرير المصير إلى الشّعب الفلسطيني وحده, في الوقت الرّاهن تنطبق مقولة الشاعر العراقي مظفّر النواب حين قال: "القدس تاج عروبتكم فكيف أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها" , هنا نرى أنه لم تبقى دولة في العالم إلا وحشت أنفها في القضيّة الفلسطينيّة وقمّة شرم الشيخ المزمع إقامتها خير دليل على ذلك.


7. أصرّ الميثاق الوطني الفلسطيني على أن التعامل مع " العدوّ الصّهيوني " يقتصر على الكفاح المسلّح فقط من أجل تحرير الأرض المغتصبة , النتيجة كانت :
(البحث عن الدّولة الفلسطينيّة بين الرّكام على طاولة مفاوضات إسرائيليّة).
وبموجب عدم الالتزام الفلسطيني بالميثاق الوطني نرى أن قمع السّلطة الفلسطينيّة وملاحقتها لعناصر الجهاد الإسلامي وحماس ليست سوى دليل قاطع وجازم في هذا الصّدد بل أن عبّاس الجديد من المدافعين عن الأمن الإسرائيلي أكثر من شارون نفسه.


أنا لم أذكر هذا البند لأعكس وجهة نظر معادية لإسرائيل ولست من مؤيدي الكفاح المسلّح ضد إسرائيل, بالعكس تماما فخطابنا السّياسي داخل الخط الأخضر يضع على رأس سلّم أولوياته تطبيق الشرعيّة الدولية والمفاوضات السّلميّة, والغرض من إشارتي هذه هو إظهار جانب آخر زعمت فيه السّلطة الفلسطينيّة التزامها وتشبّثها بالثّوابت الفلسطينيّة المزعومة في الفضائيات العربيّة من جهة , مقابل انحنائها التام والمطلق للبلدوزر الإسرائيلي , من جهة أخرى . وكما ذكرنا آنفا ما زال الوزير الفلسطيني جميل الطّريفي يرقص على أنغام الثّوابت الفلسطينيّة ويشدّد على التزام محمود عبّاس بهذه الثّوابت , التي لم تعد قائمةً بالأصل وإن كانت فلم تكن سوى قيثارة عزفت عليها القيادة الفلسطينيّة ألحان التّضليل والتمويه وتغييب الحقيقة من الواقع .


وللعودة إلى سياق الحديث , طالب الوزير بموقف إسرائيلي وأمريكي واضح , بالحرف الواحد "نحن معنيّون بموقف أمريكي وإسرائيلي واضح" , يتعامل حضرة الوزير وكأن الإجراءات الإسرائيليّة فوق رأسه من قمع وهدم وقتل وتشريد مجرّد مزح ومداعبة وملاطفة على الطّريقة الغربيّة, والأدهى انّه أبدى رغبته في مساندة شارون في خطّة فك الارتباط أحاديّة الجانب وقال "لا يمكن اعتبار هذه الخطّة أحاديّة الجانب" فبالإمكان العمل المشترك مع شارون في هذا الصدد , وطرح الوزير قضيّة ميناء غزّة وإعادة إحياء المطار فيها وقضيّة معبر رفح على قائمة شروط هذا التعاون وأضاف انّه يتوجب على إسرائيل الالتزام بخارطة الطّريق مع العلم أن صياغة خطّة فك الارتباط لم تأت من فراغ فقد كانت وليد رحم القائمين على اغتيال هذه المعاهدة والقذف بها إلى مزبلة التّاريخ , وكما هو معلوم ومعروف يحوي الملحق الأساسي في هذه الخطّة مؤامرةً إسرائيليّة أخرى ومتاهة أمريكيّة على طراز حاميها حراميها, فقد التزم الرئيس الأمريكي جورج بوش بهذا الملحق الذي أرسل من البيت الأبيض إلى شارون في 10/4/2004 بالتحديد, وأهم هذه البنود في هذا الملحق :


1. لا عودة لحدود الرّابع من حزيران 1967
2. لا حق عودة لّلاجئين , وإن تم التوصّل إلى اتفاق تقتصر عودة اللاجئين إلى حدود الدّولة الفلسطينيّة العتيدة في المطبخ الأمريكي.
3. مواصلة بناء جدار الأبارتهايد الإسرائيلي المعروف بجدار الفصل العنصري , بضمانة أمريكيّة على اعتباره جدار أمني.
4. سحب عدد من المستعمرات الإسرائيلية من قطاع غزّة وتوطينها في الضّفة الغربية وهنا نرى احتضار القرار الأممي 338.
5. إعتبار المستعمرات القائمة في الضّفة الغربية مستعمرات شرعيّة.
6. سيطرة إسرائيل على معبر رفح ومحور فيلادلفي.
وبتأييد الوزير وتفهّمه التام لخطّة فك الارتباط ونظرته الإيجابية إليها , يبقى السّؤال , هل كان شارون على صواب حين أطلق على خطّة الانفصال لقب أحاديّة الجانب إلى حين ولادة شريك فلسطينيّ جديد , وهل حقًّا وجدت الأوساط الإسرائيليّة هذا الشّريك المناسب؟ .


وفي نفس السّياق صرّح الطّريفي أن مصر والأردن متأثّرتان بالمستجدّات الطّارئة على الساحة الفلسطينيّة , وأبدى سروره في تدخّل القاهرة في هذا الجانب مع العلم أن الدّور المصري الذي يعتبر فاعلاً من قبل القيادات الفلسطينيّة هو دور محسوم منذ كامب ديفيد 1978 حين ضربت بعرض الحائط ميثاق جامعة الدّول العربية بتوقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل في ظلّ احتلال الأخيرة للجولان السّوري والجنوب اللبناني والضّفة الغربية , فما هي فاعليّة الدّور المصري يا حضرة الوزير وما تعقيبكم على تصريح الرئيس مبارك قبل فترة بتفهّمه لواشنطن وتل أبيب في شطب حق العودة المقدّس , وهل يعتبر الدّور المصري فاعلاً ما دام يقامر بحقوق الشّعب الفلسطيني؟ , وأبدى الوزير سعادته بانضمام العاهل الأردني إلى القمة بصفته "على ذمّة الوزير" يلعب دورا فاعلا أيضا حيال القضيّة الفلسطينية فهل ستشارك عمان فعلا في صياغة السلام في الشّرق الأوسط وحلّ النّزاع العربي الإسرائيلي؟, وهل من مصلحتها بالأصل قيام دولة فلسطينيّة إلى جانب الأردن التي يشكّل الفلسطينيون 70% من مجموع سكّانها ؟ أم بقاء شارون سيّد الموقف والساحة هو الهدف الأول ؟.