|
المتسول والعاهرة!!
نضال زايد
صحافي اردني مقيم في امريكا
في غمرة الاختناق المروري في ساعات الذروة (أي الـ Rush Hour) وعند إحدى
الإشارات المرورية رأيت منظرا طريفا وغريبا لمتسول (هوملس) في أواخر الثلاثينات
من عمره يستوقف فتاة تحاول قطع الطريق والعبور إلى الجهة الأخرى من الشارع
المزدحم. كانت الفتاة متسولة هي الأخرى ولكن تسولها كان من نوع آخر يعود تاريخه
إلى أقدم المهن في التاريخ وهي مهنة الدعارة وكانت (مؤهلاتها) واضحة وكأنه
ينبغي على (المومس) التقيد بلباس (يونيفورم / زي موحد) يقتصر على قطع صغيرة من
أوراق التوت تغطي فيه ما اصطلح بتسميته قديما (عورتها) ولم يكن ثمة داع لأن
تبرز الفتاة للآخرين بطاقة هوية أو بزنس كارد فالماكياج الفائض والابتسامة
المتدلية والمشي بغنج ودلال وبطء الذي لا يتناغم مع إيقاع حركة المرور السريع
لم تكن كلها بحاجة إلى تعريف.
المتسول أو (الهوملس) الذي كان يحمل ورقة كرتونية مهترئة كتب عليها (مصاب
بالسرطان أبحث عن علاج..بحاجة إلى عمل وبيرة!!!) لم يثقل على (عابرة الطريق)
بالمطالب ولم يتسول منها أكثر من قبلة أخذها على استحياء على مرأى من الجميع
وهي لم تبخل عليه بذلك دون مقابل و(تبرعت) له بقبلة شهية كانت أشبه بإعلان
(معجون أسنان) شاهدناه في فاصل مروري.
بين الفصلين..كانت القبلة ساخنة رغم برودة الجو...والسرطان المتفشي في جسد
المتسول - حسب ادعائه - كان فيما يبدو بحاجة إلى هذا الحنان، رجل مثل هذا بحاجة
إلى دفء وإلى جمرة تطفئ ثلج الشوارع والرصيف، والفتاة على الاغلب شعرت بحاجتها
إلى استعراض مهارتها في التقبيل وإظهار قدرة العاهرات والمومسات على مساعدة
الغلابة!!
أسقط المتسول الورقة من يده...ولحق بالفتاة بخطوات مترنحة من تأثير القبلة
السريعة والمدوية التي لطعتها (فتاة الطريق) على خده وشفتيه...وبات المتسول في
حاجة إلى أكثر من قبلة...ربما حضن دافئ أو ليلة دافئة (بقرب الحبيب) لن
تضر...!!
متسول وعاهرة يتعانقان على قارعة الطريق...وأنا لست وحدي من يرصد هذا المشهد
الغرامي الذي زرعته الصدفة على طريقنا وكان معي جمعا من المتفرجين...، إذن
متسول وعاهرة ومتفرجون قبيل الغروب...والنهار يودع ساكنيه بتثاؤب ثقيل!!
الطريف في الأمر، أنه وبعد هذا المشهد الغرامي وبعد العناق الشهي على إشارة
المرور ورغم إهمال المتسول لوظيفته الأصلية وتكاسله عن تأدية واجبه وتقاعسه
أثناء ساعات العمل الرسمي ورغم تأخر (فتاة الطريق) عن زبائنها من الطبقة
الكادحة إلا أننا كلنا استمتعنا بمشاهدة منظر الهوملس والمومس...وعلى غير عادة
الأمريكيين وجدت معظم السائقين يلوحون بأيديهم للمتسول كي يسارع ليأخذ نصيبه من
(تعب اليوم) وتطايرت الدولارات من شبابيك السيارات...وتساءلت هل هذا الذي قبضه
الهوملس كان أجرا لهذا المشهد الغرامي..أم أنها مشاركة وجدانية وتعاطف مع متسول
مريض بالسرطان يودع الشارع بقبلة سرقها من عاهرة يسرق منها الآخرون ما أبعد من
القبلة مقابل مبلغ متفق عليه!!.
عاهرة ومتسول ومتفرجون سذج ينتظرون الضوء الأخضر...وهذا هو بالضبط ما تحتاجه
بعض الجرائد العربية في المهجر : متسول يجيد طرق أبواب السفارات والقنصليات
ويستجدي لقمة العيش على حساب القراء والمهنة الفاضلة...وعاهرة تملء فراغ
الصحيفة بكثير من اللغو وقليل من الصدق - هل رأيتم عاهرة صادقة حتى في مشاعرها
؟ - وفي بعض الحالات يكون المتسول هو نفسه العاهرة وعندها فقط تتحول الصحيفة
إلى "فراش خيانة"...وتنام الكلمة في حضن الآخرين كل حسب ميزانيته..
تبا للصحافة في هذا الزمن السافل...
|