|
الفصل الأول
حد الردة فى ضوء القرآن الكريم
أولاً: كلمة "حد" تعنى فى القرآن الشرع والحق ولا تعنى العقوبة
جاءت كلمة "حدود" فى القرآن الكريم (14) مرة. وكلها تعنى حقوق الله وتشريعاته،
ولا تعنى العقوبة كما يدل مصطلح حد الردة أو "حد الزنا" وتطبيق "الحدود" فى
الشريعة..
جاءت مرتين بمعنى شرع الله وأوامره فى قوله تعالى: ﴿الأعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً
وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللّهُ عَلَىَ
رَسُولِهِ﴾ (التوبة 97). وفى قوله تعالى: ﴿وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ﴾ (التوبة 112).
وجاءت مرة فى تشريع الصيام فى آية ﴿أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ
إِلَىَ نِسَآئِكُمْ﴾ وفى نهايتها يقول تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ
تَقْرَبُوهَا﴾ (البقرة 187).
وجاءت مرتين فى تشريع الميراث، يقول تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ
اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَن يَعْصِ اللّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ (النساء
13، 14)..
وجاءت تسع مرات فى تشريعات الله تعالى فى الزواج والطلاق..
- منها مرة فى موضوع، الظهار أى إذا ظاهر الرجل على امرأته وحرمها على نفسه،
فلا يرجع إليها إلا بعد تقديم الكفارة، ويقول تعالى بعدها ﴿تلك حدود الله﴾
- ومنها أربع مرات فى أية واحدة تتحدث عن الطلاق الأول للزوجة والطلاق الثانى
يقول تعالى فيها ﴿الطّلاَقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ
بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمّآ آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئاً
إِلاّ أَن يَخَافَآ أَلاّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ
يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ
فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (البقرة 229).
- ومنها مرتان فى الآية التى تتحدث عن الطلاق للمرة الثالثة وحتمية أن تتزوج
شخصاً آخر ﴿فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ
زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ
إِن ظَنّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيّنُهَا
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة 230).
- ومنها مرتان فى تحريم إخراج المطلقة من بيتها قبل العدة ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنّ
مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ
وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ
نَفْسَهُ﴾ (الطلاق 1).
هذه هى المواضع التى جاء فيها لفظ "الحدود" وكلها تعنى شرع الله وليس منها ما
يتعلق بالعقوبات المنصوص عليها فى القرآن مثل السرقة والزنا والقصاص وقطع
الطريق والقذف.. وليس منها ما يتعلق بالعقوبات التى استحدثها العصر العباسى
لشرب الخمر والردة وترك الصلاة..
وذلك يدل على أن العصر العباسى وفقهاءه قد نحتوا لهم مسميات خاصة لا تتفق
وتشريعات القرآن..
وذلك يدل أيضاً على أن عصر الرسول المرتبط بالقرآن أساساً لم يعرف مدلولاً اسمه
"حد السرقة" أو "حد الزنا" وسائر العقوبات المنصوص عليها فى القرآن لأن القرآن
حين ذكر عقوبة الجلد للزانى لم يستعمل كلمة حد الزنا ، وكذلك حين تحدث عن جريمة
السرقة أو القذف أو القتل.. ويمكن مراجعة ذلك فى القرآن.
وهذا يؤكد على ذلك الفارق الجوهرى بين دين الله الحق ونوعيات التدين للبشر فى
عصورهم المختلفة. فالله تعالى ينزل الدين نقياً خالصاً للسمو بالناس والترقى
بهم، أما البشر فهم حين يتدينون فإنهم يضعون بصماتهم على الدين فتظهر تلك
الفجوة بين الدين الحق وتدين البشر، ويضع البشر صورة قانونية تشريعية للتدين
الذى يمارسونه، ويقوم الفقه بتلك المهمة، وطبيعى أن يحدث اختلاف بين مذاهب
الفقه والتشريع القرآنى الأصيل لأن مذاهب الفقه تتأثر بالظروف الاجتماعية
والنفسية والسياسية لصاحب المذهب وأتباعه..
ولذلك ليس غريباً أن يخترع الفقه مدلولات جديدة لم يذكرها تشريع القرآن، وليس
غريباً أن يخترع عقوبات تخالف تشريعات القرآن ومنها ما اصطلحوا على تسميته بحد
الردة..
وقبل أن نتعرض لموقف التشريع القرآنى من حد الردة نبدأ بموقف القرآن من
التكفير.. فالتكفير هو أساس التشريع الفقهى فى قتل المرتد.. فلابد أن يسبق
"إقامة الحد على المرتد" اتهامه بالكفر وإقامة محكمة تفتيش عن سريرته وعقيدته.
فهل يصح فى تشريع القرآن أن يتهم المسلم إنساناً بالكفر؟.
هذا هو المبحث التالى..
ثانياً: موقف القرآن من التكفير
لا يصح للمسلم أن يكفر غيره أو أن يقيم له محاكم تفتيش
منح الله تعالى البشر الحرية فى الإيمان به أو الكفر بذاته العلية، والدليل على
ذلك واضح فى حياة البشر وفى أقوالهم وأفعالهم فى تاريخهم الماضى والحاضر..
والقرآن- كلام الله العزيز- فيه الإثبات على حرية البشر المطلقة فى الإيمان
والكفر، يتضح ذلك فى قصص القرآن عن المشركين كما يتضح أيضاً فى حوار القرآن مع
المشركين لإقناعهم بالعقل والمنطق، ولو لم يسمح الله لهم بالحرية ما كان ذلك
الحوار وما كانت محاولة الإقناع، بل أن القرآن يؤكد على حرية البشر فى أن
يؤمنوا أو أن يكفروا، وفى المقابل فإن مسئوليتهم تجاه هذه الحرية تتجلى يوم
الحساب حيث سيحاسبهم رب العزة على اختيارهم، يقول تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقّ مِن
رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا
لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُواْ
يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشّرَابُ وَسَآءَتْ
مُرْتَفَقاً﴾ (الكهف 29).
بل إن القرآن الكريم لم يصادر أقوال المشركين فى العيب فى ذات الله، فاليهود
قالوا ﴿إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، وقالوا ﴿يد الله مغلولة﴾ وقال مشركو مكة وهم
يرفضون إعطاء الصدقة ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمّا رِزَقَكُمُ الله
قَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَنُطْعِمُ مَن لّوْ يَشَآءُ
اللّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ (يس 47).
أثبت القرآن هذه الأقوال ولم يصادرها، فصارت مع الرد القرآنى عليها ضمن آيات
القرآن التى يتعبد المسلم بتلاوتها.
ومن الطبيعى أن يرد القرآن- كلام الله العزيز- على الأقوال التى تخالف دين الله
تعالى، وهذا حق الله تعالى، وليس فقط لأن تعالى هو رب البشر وخالقهم وصاحب
الدين الحق ولكن لأنه أيضاً تعامل مع البشر بمنطق العدل، فقد أعطاهم حرية
الإيمان والكفر، وحرية إعلان الكفر وحرية العيب فى ذاته الإلهية العلية والتقول
على الله تعالى، وفى مقابل ذلك فإن من حقه أن يصفهم بالكفر والعصيان وأن يرد
على افتراءاتهم وأقوايلهم وينفى عن ذاته العلية اتخاذ الولد والشريك، وتلك
قضايا تخصه جل وعلا، ومن حقه الرد عليها..
إلا أن عدل الله تعالى تجلى فى التعامل مع طوائف البشر. فحين يحكم بالكفر فإنه
تعالى يضح حيثيات الاتهام وأسباب الوصف فيقول مثلاً ﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ
قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لّقَدْ كَفَرَ
الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ (المائدة 72، 73).
فالحكم من الله ليس عاماً وإنما هو خاص بمن يقول ذلك القول، وفى نفس الوقت فإن
الذى يؤمن بالله واليوم الآخر ويعمل صالحاً من المؤمنين واليهود والنصارى
والصابئين فهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يقول تعالى:
﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالنّصَارَىَ وَالصّابِئِينَ
مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ
أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
(البقرة 62).
ويقول تعالى: ﴿إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالصّابِئُونَ
وَالنّصَارَىَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً
فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة 69).
أى أن الله تعالى ليس منحازاً لأحد، فمن يؤمن بالله تعالى واليوم الآخر فهو من
أولياء الله أصحاب الجنة، ومن يجعل لله ولداً أو يجعل إلهاً مع الله فإن الله
تعالى يحكم عليه بالكفر..
وذلك هو ما يخص الله تعالى، فهو صاحب الدين وهو صاحب ومالك يوم الدين وهو الذى
يرد على البشر إن أحسنوا فى العقيدة أو أساءوا فيها.
إلا أن الله تعالى لم يعط أحداً من البشر الحكم على الآخرين الأحياء بالكفر، بل
أمر الله تعالى المؤمنين بأن يكون حوارهم بالحكمة والموعظة الحسنة مع معاصريهم
ومع تأجيل الحكم إلى الله تعالى يوم القيامة ، وذلك ما كان مأموراً به خاتم
النبيين عليهم الصلاة والسلام...
فالله تعالى يأمر بأن يكون الجدال مع أهل الكتاب بالتى هى أحسن، يقول تعالى:
﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ
الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت 46).
فالجدال مع أهل الكتاب ممنوع إلا إذا كان بالتى هى أحسن... أى كان نقاشاً
موضوعياً بالحجة دون إساءة، أما "الذين ظلموا" فلا جدال معهم حتى لا يتطور
الأمر إلى إساءة متبادلة، والله تعالى نهى عن الجدال الذى ينتهى إلى إساءة
ويقول: ﴿وَلاَ تَسُبّواْ الّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبّواْ
اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيّنّا لِكُلّ أُمّةٍ عَمَلَهُمْ
ثُمّ إِلَىَ رَبّهِمْ مّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾
(الأنعام 108). وعن الظالمين- أو بمفهومنا المتعصبين- يقول تعالى للنبى قال
تعالى: ﴿وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ. اللّهُ
يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(الحج 68، 69). أى أنه لا مجال للجدال العقيم مع المتعصب، والأفضل الإعراض عنه
وذلك شأن المؤمن دائماً، ويقول الله تعالى فى حال المؤمنين مع المتعصبين
المتحفزين الظالمين ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ
لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي
الْجَاهِلِينَ﴾ (القصص 55).
وبالمناسبة فتلك الآية الكريمة نزلت فى حال مؤمنى أهل الكتاب ونزلت مثلاً لكل
مؤمن فى الحوار أو الجدال بالتى هى أحسن وتحاشى الجدل مع المتعصبين.
ولذلك فإن الجدال بالتى هى أحسن هو سمة الحوار بين المؤمنين بالقرآن ومؤمنى أهل
الكتاب وذلك معنى قوله تعالى ﴿وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ
بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾.
وحتى لا يقع المسلم فى اتهام أهل الكتاب بالكفر فإن القرآن يفرض صيغة محددة
للحوار فيقول تعالى ﴿وَقُولُوَاْ آمَنّا بِالّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَـَهُنَا وَإِلَـَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾
أى نؤمن معاً بالله الواحد ونؤمن بما أنزل إليكم وما أنزل إلينا، ونحن له
مسلمون، ولم يقل مثلاً "وأنتم كافرون" لأنه ممنوع اتهام المسلم لغيره بالكفر...
ولم يأت الأمر مثلاً بأن يستشهد المؤمن فى حواره مع أهل الكتاب بما قاله رب
العزة عن أولئك الذين قالوا إن الله تعالى ثالث ثلاثة أو أن الله هو المسيح ابن
مريم.. لأن ذلك هو قول الله تعالى ذاته فى الرد عليهم، أما نحن فما علينا إلا
أن نحاور بالتى هى أحسن ونرجئ الحكم فى العقائد إلى يوم الدين يوم الحساب أمام
الله تعالى..
وقد تحدثت سورة آل عمران عن ميلاد عيسى عليه السلام وبعثته ثم قالت: ﴿ذَلِكَ
نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذّكْرِ الْحَكِيمِ. إِنّ مَثَلَ عِيسَىَ
عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمّ قَالَ لَهُ كُن
فَيَكُونُ. الْحَقّ مِن رّبّكَ فَلاَ تَكُنْ مّن الْمُمْتَرِينَ﴾ (آل عمران 58:
60).
وبعد ذلك التوضيح عن بشرية المسيح عليه السلام ورسالته فماذا يكون موقف النبى
إذا جاءه أهل الكتاب يجادلونه؟ هل يتهمهم بالكفر؟ هل يرميهم بالضلال؟ هل
يتوعدهم بالجحيم؟..
تعالوا بنا نقرأ الآية التالية لنعرف الإجابة فى تلك السورة المدنية التى نزلت
فى عصر قوة المسلمين وشوكتهم ﴿فَمَنْ حَآجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ
مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ
وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَل لّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران 61).
أى من جادلك فى طبيعة المسيح من بعد ما جاءك فيه من العلم أى بالقرآن فادعهم
إلى المباهلة، أى الاحتكام إلى الله تعالى فى الدنيا، بأن يخرج الفريقان ومعهم
الأبناء والنساء ويبتهلون إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما.. لم يقل القرآن
للنبى إذا جادلوك فاحكم عليهم بالضلال والكفر ودخول الجحيم.. ولكن ابتهل إلى
الله لكى تكون اللعنة من نصيب الكاذب من الفريقين، ومن الطبيعى أن كل فريق
يعتقد الصدق فى نفسه..
أى أنه تصعيد وتأجيل للحكم إلى رب العزة لأنه وحده هو الذى يحكم بالكفر أو
بالإيمان على عباده البشر، أما النبى فلا يملك أن يحكم بكفر أحد.
والقرآن فى دعوته لأهل الكتاب يضع أسلوب الحوار الراقى الذى يجب على المسلمين
اتباعه، ويقول تعالى للنبى قال تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ
إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ
وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مّن
دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل
عمران 64).
فهذا هو الخطاب الراقى لأهل الكتاب أن ندعوهم إلى كلمة سواء نلتزم بها سوياً،
أن نعبد الله وحده دون شريك وألا نتخذ كهنوتاً وأرباباً من البشر، فإن رفضوا
فلا نتهمهم بالكفر ولا نتحدث بأسمهم أو باسم الله ولكن نتحدث باسمنا فقط، فنقول
لهم اشهدوا إذن بأننا أسلمنا لله وحده..
لم يقل: فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وأنتم كافرون، لأنه ليس من حق
المسلم اتهام غيره بالكفر، وحسبه أن يعلن خضوعه لله ، وحسبه شرفاً أن يكون
فعلاً عند الله كذلك..
والخلاصة أن الله تعالى هو وحده صاحب الحق فى أن يقول عن بعض أهل الكتاب
﴿لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ
مَرْيَمَ﴾.
وهو وحده تعالى صاحب الحق أن يقول عن أهل الكتاب ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مّنْ
أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَآءَ اللّيْلِ
وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَأُوْلَـَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (آل عمران 113، 114).
الله وحده هو الذى ﴿يَعْلَمُ خَآئِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصّدُورُ﴾ وهو
الأعلم بحقيقة الإيمان عند الأفراد والطوائف والأمم، والله تعالى يقول
﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مّن بَعْضٍ﴾ (النساء 25).
أما نحن البشر فإذا كنا ندعى الإيمان حقاً فيجب أن نلتزم بأوامر الله تعالى فى
أن نقول للناس حسنا ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (البقرة 83).
وأن نجادلهم بالتى هى أحسن، وهل هناك أروع من قوله تعالى فى آداب الدعوة
والحوار ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً
وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ
السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت 33، 34).
وقد يقول قائل:- إن الله تعالى أمر رسوله أن يقول ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ أى
اتهمهم بالكفر وقال لهم ﴿يا أيها الكافرون﴾.
والجواب: إن أعداء النبى فى مكة كانوا يفخرون بكفرهم ولم يعتبروا ذلك الاتهام
بالكفر نقيصة بأى حال، بل دأبوا على اتهام النبى بالسحر والجنون والكذب
واعتبروا الإيمان بالقرآن جريمة تستوجب الإيذاء والحرب..
وإذن فإن قول النبى لهم ﴿يا أيها الكافرون﴾ ليس فيه إساءة لهم بل هو خطاب لهم
بنا يحبون وبما يفخرون، والمهم إن فحوى الخطاب تقرر حرية العقيدة فى آيات
السورة التى تنتهى بقوله ﴿لكم دينكم ولى دين﴾.
والأهم من ذلك هو آداب الحوار مع أولئك الذين كانوا يفخرون بكفرهم ويعتبرون
الإيمان بالله ورسوله، هل كان الله تعالى يأمر رسوله فى الحوار معهم أن يتهمهم
بالضلال ويحكم عليهم بدخول النار..
لنقرأ أسلوب الحوار الذى أمر الله به رسوله ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ
السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى
أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ﴾ (سبأ 24) لم يأمره- وهو رسول الله- أن يقول للمشركين
"أنا على هدى وأنتم فى ضلال، وإنما أمره أن يقول أحدنا على هدى والآخر فى ضلال.
وتقول الآية التالية ﴿قُل لاّ تُسْأَلُونَ عَمّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ
عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لم يقل: لستم مسئولين عن إجرامنا ولسنا مسئولين عن إجرامكم.
بل نسب الجرم لنفسه- وهو النبى- ولم ينسب إلى المجرمين إلا مجرد العمل.. إلى
هذا الحد بلغت آداب الحوار مع المشركين المعاندين، وتقول الآية التالية ﴿قُلْ
يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبّنَا ثُمّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَهُوَ
الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (سبأ 26).
أى يؤجل الحكم بينهم وبينه إلى لقاء الله تعالى يوم القيامة.
وذلك بالنسبة للنبى فى حواره مع المشركين..
فلم يكن من خصائص النبى أن يتهم أعداءه الأحياء الكفر.. وبالتالى فلم يكن من
خصائصه أن يتهم مسلماً حيا بالكفر..
ومن الطبيعى أن من يتهم غيره بالكفر يضع نفسه فوق النبى، بل ويتقمص الدور
الإلهى الذى هو لله وحده..
بين الجهاد والتكفير
الجهاد بالقرآن الكريم سلميا من أهم ملامح الجهاد الاسلامى، يقول تعالى " ولو
شئنا لبعثنا فى كل قرية نذيرا. فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا.
الفرقان51-52." أن القرآن هو الرسول القائم بيننا طالما ظل هناك قرآن يتلى،
وطالما هو محفوظ بقدرة الله جل وعلا الى قيام الساعة. ومهمة القرآن أن يظل حجة
الله تعالى على الناس الى قيام الساعة. النبى بشر مات ولكنه كرسول قام بتبليغ
القرآن الذى سيظل رحمة للعالمين من عهده الى آخر دقيقة فى هذه الدنيا. محمد
كبشر كان محدودا بالزمان والمكان والقرآن بعده يظل علما للهداية وحكما على
الناس – خصوصا المسلمين ـ اذا تلاعب بهم الشيطان . والشيطان لم يقدم استقالته .
سيظل يؤدى مهمته فى اضلال الناس الى قيام الساعة.
القرآن الكريم شرح مهمة ابليس وهى اضلالهم عن الطريق المستقيم أى وحى الله
تعالى الحق، وخداع الناس بالأمنيات الباطلة أى بدخول الجنة مهما عصوا
"الأعراف16-17 ""النساء 118-120". وهذه المهمة الشيطانية لها وسائل محددة تماثل
وسائل الهداية ونقصد بها الوحى. فكما يوحى الله تعالى للأنبياء كذلك يوحى
الشيطان لأوليائه. عن القرآن يقول تعالى :"وانه لتنزيل رب العالمين . نزل به
الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين"... " وما تنزلت به
الشياطين وما ينبغى لهم وما يستطيعون ، انهم عن السمع لمعزولون.".وبعدها يقول
تعالى عن الوحى الشيطانى "هل أنبئكم على من تنزل الشياطين؟ تنزل على كل أفاك
أثيم . يلقون السمع وأكثرهم كاذبون."الشعراء 192-195،،،210 ـ 212 ،، 221-223."
تختار الشياطين أكثر البشر كذبا واثما "أفاك أثيم" ليتسلط على الناس ببث
أكاذيبه يقنعهم أنها من عند الله تعالى أو رسوله. يسميها وحيا أو مناما أو
هاتفا فى يقظة أو منام. ويلقى اليه الناس اسماعهم ، وأكثرالمستمعين كاذبون يروى
ويحكى عنه مصدقا له ،أو يكتب عنه ما يقول وينسخها أى يكتبها ويشاء الله تعالى
أن يسمح بهذا التصرف فتتكاثر كتب الوحى الكاذب ونسخها "الحج 52-55". اولئك هم
اعداء الأنبياء أو شياطين الانس بتعبير القرآن الكريم .يقول تعالى عنهم:" وكذلك
جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الانس والجن يوحى بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا،
ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون". ثم يقول تعالى عن المستمعين المبهورين
بهذا الوحى الضال:"ولتصغى اليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه
وليقترفوا ما هم مقترفون." ثم يجعل الله تعالى القرآن الكريم حكما على هذا
الوحى الكاذب فيقول:" أفغير الله ابتغى حكما؟ وهو الذى أنزل اليكم الكتاب مفصلا
؟." الأنعام 112-113 "
وهكذا يكون الجهاد بالقرآن ضد اولئك الذين افتروا على الله تعالى كذبا وكذبوا
بآياته، وهم الذين جعلهم الله تعالى اظلم الناس جميعا: "فمن أظلم ممن افترى على
الله كذبا أو كذب بآياته." الاعراف 37 يونس 17"".
الجهاد هنا فكرى عقلى بالقرآن ليواجه الأكاذيب التى ينسبونها لله تعالى ووحيه
ورسوله. ليس موجها للأشخاص مثل الجهاد القتالى ولكنه موجه للوحى الكاذب نفسه
يحتكم فيه لكتاب الله تعالى، محذرا الناس منه، وللنصح والتذكير وليس للسب
والتكفير. ومن منتجات هذا الوحى الكاذب حد الردة موضوع هذا الكتاب. وما نفعله
هنا هو ذلك الجهاد القرآنى السلمى للتحذير وليس للتكفير.
قبل طرد ابليس من الملأ الأعلى – بسبب عصيانه الأمر الآلهى بالسجود لآدم – قال
ابليس متحديا رب العزة جل وعلا عن ذرية آدم ـ أى عنا :"..لأقعدن لهم صراطك
المستقيم. ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن شمائلهم، ولا تجد أكثرهم
شاكرين."الأعراف16-17." ومع أن الله تعالى كشف الاعيبه وأوضح وسائله الا أنه
ينجح دائما فى خداع الأكثرية من البشر حتى الآن والى قيام الساعة ، والسبب انه
لا يقدم لهم نفسه كشيطان عدو للرحمن ولكن من خلال اسلام مغشوش يحمل اسم الاسلام
زورا وبهتانا عبرأحاديث منسوبة لله تعالى ورسوله الكريم، ولا تخلو من زخرف
القول وما تشتهيه النفس وتتمناه. وهنا يكون جهادا واجبا أن نبرىء الاسلام من
هذا الزيف باللجوء للقرآن والاحتكام اليه فى هذا الغش والزيف املا فى هداية
المخدوعين بزخرف الشيطان وغروره.
والله تعالى أخبر مقدما فى القرآن الكريم بما سيقوله للبشر الضالين يوم القيامة
وقد خدعهم ابليس جيلا بعد جيل بسبب التقليد وعبادة المتوارث والتراث دون فهم او
تعقل. سيقول تعالى لهم جميعا يوم القيامة يذكرهم بمانسوه" ألم أعهد اليكم يابنى
آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين وأن أعبدونى هذا صراط مستقيم. ولقد
أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون.""يس 60 -63 . وفى جهنم سيجدونه بينهم
:" وقال الشيطان لما قضى الأمر ان الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما
كان لى عليكم من سلطان . الا ان دعوتكم فاستجبتم لى، فلا تلومونى ولوموا
أنفسكم..""ابراهيم23" لم يدعهم بنفسه أو بصوته وانما بلسان اتباعه الذين ينشرون
وحيه الكاذب المناقض لكتاب الله تعالى... وحتى ننجو من هذا المصيرلا بد من عرض
عقائدنا على كتاب الله لننظف منها الأحاديث المفتراة ، وهذه وظيفة العلماء
الذين قال الله تعالى عنهم:"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم
درجات" المجادلة 11" وهى أيضا وظيفة الأشهاد الذين يجاهدون بالقرآن سلميا فى
هذه الدنيا لأظهار الحق وازهاق الباطل .وقد وعدهم الله تعالى بالنصرفى الدنيا
وأن يكونوا شهداء على أقوامهم فى الآخرة " "انا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى
الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد .يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة
ولهم سوء الدار."غافر 51-52".
والخلاصة هنا أن الجهاد لتوضيح الحق القرآنى وتبرئة الاسلام من مفتريات الشيطان
لا صلة له بالتكفير لأنه يواجه العقائد ويسعى لانقاذ الأشخاص من الضلال بالقرآن
وليس لتكفيرهم..
أما الكهنوت فله شأن آخر.
فمن طبيعة الكهنوت أن يدعى التحدث باسم الله، ولذلك فإنه حيث يوجد الكهنوت يوجد
اتهام بالكفر وتوجد محاكم التفتيش، وتوجد صكوك الغفران، وليس فى الإسلام كهنوت،
ولنتذكر أن الله تعالى دعا أهل الكتاب لنبذ الكهنوت حين قال ﴿قُلْ يَأَهْلَ
الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ
نَعْبُدَ إِلاّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتّخِذَ بَعْضُنَا
بَعْضاً أَرْبَاباً مّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ
بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران 64).
وذلك هو واقع الإسلام.. لا مجال فيه للأرباب والكهنوت والوسائط، أما واقع
المسلمين التاريخى فقد عرف تقديس الأولياء والعلماء والأئمة، بحيث أصبح من
المقرر أن انتقادهم يعتبر هجوماً على الإسلام. وتلك نفس عقيدة الكهنوت الذين
يعتبرون أنفسهم وأئمتهم الممثلين للدين والمتكلمين باسمه.
ولذلك فإنه من الإنصاف للإسلام أن نبرئه من أعمال المسلمين التى تخالف كتاب
الله العزيز.التبرئة من "اعمال" وصفات وعقليات وليس تكفير اشخاص أحياء.
والخطورة فى وجود الكهنوت أنه حين يحكم بكفر إنسان يقيم له المحاكم التفتيشية
ويحكم عليه بالقتل.. وتلك مخالفة أخرى لتشريع القرآن فالنبى نفسه لم يحدث أن
أقام محاكم تفتيش للمنافقين فى المدينة وقد كان فيها الحاكم المطاع، وكان
المنافقون يمثلون المعارضة السياسية والدينية، وكانوا يتآمرون عليه فى أوقات
السلم وأوقات الحرب، بما يستوجب فى الدولة الديمقراطية أن يحاكموا بتهم قد تصل
إلى درجة الخيانة العظمى.
ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم لموقف النبى من المنافقين والمشركين.
- كان بعضهم يسارع إلى اعلان الردة والكفر ويحزن الرسول لذلك، ولكن لم يكن له
أن يحاكمهم أو يقيم عليهم حد الردة أو يعقد لهم محاكم تفتيش، كان يكتفى بالحزن
ويقول له ﴿يَأَيّهَا الرّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي
الْكُفْرِ مِنَ الّذِينَ قَالُوَاْ آمَنّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن
قُلُوبُهُمْ﴾ (المائدة 41).
ويطمئنه ربه بأن أولئك الذين يسارعون فى الكفر والردة لن |