هل المهاجرون المغاربة بإسبانيا ضحية الشراكة
أم التبعية المغربية للإسبان؟
التجاني بولعوالي
شاعر وكاتب مغربي مقيم بهولندا
tijanib@yahoo.com



قبل حوالي ربع قرن كان المرء يستطيع أن يقارن بين المملكة المغربية الكائنة في أقصى شمال القارة الأفريقية السمراء، والمملكة الإسبانية الواقعة في أقصى جنوب القارة الأوروبية الحمراء! حيث لم تكن الهوة عميقة ولا الشرخ واسعا، إذا ما وازنت بين درجة نمو كلا المملكتين اقتصاديا أم ثقافيا أم سياحيا أم غير ذلك، لكن انطلاقا من أواسط سبعينيات الألفية المنصرمة بدأت الهوة تتعمق والشرخ يتسع، إذ كان الإسبان يندفعون إلى المستقبل، حيث الأفق الرحب الذي يعد بالنماء والازدهار والإنتاج، بسرعة النمر، في حين كان المغاربة يندفعون، وهم مكبلون بأغلال الماضي، بسرعة السلحفاة!

وبعد تولي الربع قرن من تلك الألفية، وولوج ألفية جديدة، راح الإسبان يجنون ثمار المستقبل التي خدموها بكل جدية وعقلانية وتخطيط، حتى صاروا قبلة مفضلة ليس للسياح فقط، وإنما للمستثمرين والطلبة والمهاجرين وغير ذلك، وهذا أمر جد عادي ما دامت كل الأسباب قد تهيأت، وكل الوسائل قد توفرت، وكل الطاقات قد شحنت، حتى أصبحت إسبانيا مضربا للمثل كما كانت الأندلس؛ فيطلق عليها بلاد الشمس التي تفردت بكل أسرار الحسن، من بحر وخضرة ورمال وجزائر وجمال ومآثر وغير ذلك، وكيف لا تستهوي بني البشر سياحا كانوا، يقطفون أسرار حسنها الناضجة، أم مهاجرين، يتسولون عبر شواطئها الآهلة ومدنها المزدحمة، مستثمرين كانوا، يتحينون الفرص ليبيضوا سيولتهم في شتى المشاريع والإنجازات، أم طلبة، يغترفون من جامعاتها ومعاهدها أنواع المعارف والعلوم والفنون، التي ازدانت بوشوم الذاكرة الأندلسية، التي ما زالت تحكي عن غرائب وعجائب الماضي العربي والإسلامي، الذي منح أوروبا سر الانطلاق نحو المستقبل.

في حين وجد المغاربة أنفسهم أكثر تقهقرا من أي زمن مضى، وهم يرون جارهم المتوسطي وقد تلقن كيف يشق منعرجات الماضي نحو الأمام بلا سقوط أو مزلة، بل وتمكن من تملك المفاتيح السرية التي بها يفهم تلك المعادلات المستجدة التي يطرحها التاريخ من حين لآخر. إذ ظل كل فرد من أفراد المجتمع المغربي الخارج من عرى الاحتلال يحلم بوطن آمن، ولما تحقق هذا الحلم بنار البنادق التي زغردت في الريف والأطلس وسوس وكل شبر من الوطن، ودم الشهداء الذي لون الصخور والأشجار والرمال... بدأ المغاربة يحلمون ببيت يتسترون فيه، وعيش كريم يعوضهم ما قد قاسوه أيام الاستعمار والمقاومة، لكن هذه الأمور التي من حق كل مواطن ليس أن يحلم بها حسب، وإنما أن يطالب بها وبصوت عال، بدأت مع كل خطوة نحو الأمام تستعصي، وبعد عقود معدودة من الاستقلال أصبحت تستحيل، في الوقت الذي كانت فيه هذه الأمور نفسها عند جارنا المتوسطي تتيسر وتهون، وتفعل في ألباب وأبدان المواطنين الإسبان فعلها العجيب، فيطفق الجميع، سلطة وشعبا، نحو البناء والإسهام، وهم مسكونون بفكرة واحدة وموحدة، وهي تحقيق إسبانيا متقدمة. وبعدها انتقلت تلك الفكرة من نطاق القوة إلى مجال الفعل، حيث صارت هدفا محققا على الواقع. فاحتضنت إسبانيا كل أبنائها الذين كانوا خدما لأقرانهم الأوروبيين الشماليين والغربيين، ولم تبخل عنهم بالرفاهية والتقدم الذي جنته من غراس الماضي.

الإسبانيون الذين كانوا مثلنا مهاجرين في البلدان الأوروبية التقليدية المتقدمة رجعوا إلى وطنهم الأب، أما المغاربة الأوائل الذين هاجروا حيث هاجر الإسبان، وزاولوا معهم شتى الأعمال جنبا إلى جنب، وعانوا مثلهم من قسوة الطقس وغصة الغربة ومرارة العنصرية، لم يرجعوا! بل وسلك مسلكهم مغاربة آخرون لم يتحملوا بؤس الوطن أو لم يتحمل الوطن بؤسهم! فهاجروا إلى الأندلس القديمة ليسوا فاتحين، وإنما مقهورون يسعون خلف سراب عيش كريم، لم يوفره لهم ذلك الوطن الذي أريقت على جوانبه دماء آبائهم وأجدادهم المجاهدين، مما يضعهم أمام مفارقة مستعصية عن الفهم، بالبارحة كانوا ينازلون الإسبان باعتباره عدوا سرق أرضهم وأشجارهم وبحرهم وأرواحهم... والآن يتهافتون على امتطاء قوارب الموت، وهم ينفلتون من الوطن الذي حلموا به طويلا في الماضي، نازحين نحو المنفى الذي أضحى يشكل حلم المستقبل الواعد.

هكذا يكشف جارنا المتوسطي عن إرادة خارقة مكنته من التحول من دولة عادية، كنا نستطيع أن نتماثل معها ولو من باب المقارنة المجازية، إلى دولة متميزة، لما نجيل النظر في التاريخ الذي يربطنا بها، والجغرافيا التي توحدنا بها نستحيي من أنفسنا، لأنه في ظرف قياسي استطاع الإسبان أن يتقدموا على سائر الأصعدة، واستطاع المغاربة أن يتأخروا على جميع الأصعدة، إنها حقيقة مريرة، لكن ينبغي أن نقبلها، ما دام أننا قبلنا أن نرضخ لأهوائنا ومصالحنا الذاتية، غير آبهين بقيمة هذا الوطن الذي لم يحرره الدف ولا العود ولا الخطابة... وإنما العزيمة والإرادة والتحدي، والذي لم نورثه كما الأمتعة والعقارات والجواهر... حتى صرنا مثلنا مثل ذلك الطفل الذي يعثر على ورقة مالية، وهو لا يعرف قيمتها، فيتعامل معها كما يتعامل مع أي ورقة عادية؛ فيطويها ويثنيها، فيمددها ويجمعها، فيقطع منها جزءا ويمزقها إربا إربا، فيلقي بها أمام رجليه ويخلطها بالتراب والحصى... إن هذه الصورة الاستعارية تجعلنا نستكشف أمرا هاما، وهو أن ذلك الطفل لا يدرك قيمة تلك الورقة المادية التي سقطت بين يديه، في حين أننا ندرك غاية الإدراك قيمة الوطن الذي وهبته لنا إرادة أجدادنا التي لم يقهرها هوى النفس ولا حديد الخصم!

لذلك ليس من الأهمية بما كان طرح السؤال المتداول: لماذا تقدم الآخر وتأخرنا نحن؟ ولكن طرح السؤال البديل: من المسؤول عن تقدم الآخر وتأخرنا نحن؟ وهذا المقال ليس مهمته التنقيب عن التفسير المفحم لهذه المعادلة الإشكالية، أو توجيه الاتهام للذين يملكون الإجابة الوافية والشافية عن ذلك السؤال البديل. لأن هذا ليس من شأنه إلا أن يحرق أعصابنا وأوقاتنا، فنظل ندور في دائرة مغلقة تنضاف إلى الدائرة المغلقة الأولى التي سقط فيها الذين سبقونا، فنجد أنفسنا حبيسي دائرتين مغلقتين، كلما انفلتنا من إحداهما وقعنا في الأخرى. فالحقيقة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، حيث تقول أن الذين تناوبوا طوال حوالي نصف قرن على حكم المغرب وتسييره، راهنوا طويلا على مغرب متطور، لا يلج الألفية الجديدة إلا وقد اكتسب كل مقومات النهضة والديموقراطية والمساواة، وهو رهان شريف يحلم به كل مواطن مغربي قاسى الحرمان، لكن التاريخ كشف خبايا أولئك المراهنين؛ فالرهان كان قائما، والدعاية له كانت على أشدها، غير أن الذي عرقل تحقق الأماني الوردية التي كان ينضح بها ذلك الرهان، هو غياب أي غاية ملموسة تخدم الصالح العام من المخطط الذي تبناه ذوو الرهان. في المقابل ارتكز رهان المسؤولين الإسبانيين على غايات ملموسة ينبغي تحقيقها في ظرف زمني ملموس، فكان لهم ذلك.

وبعدها أدركنا أن المغرب استطاع حقا أن يتطور، لكن إلى الوراء، وأن يكسب الرهان، لكن على مستوى شاشة التلفزة الرسمية التي تصور لك المغرب وقد ازدهر واخضر، في حين عندما تتجاذب أطراف الحديث مع مواطن مغربي عادي، تكتشف حجم المعاناة وعمق اليأس، إلى درجة أن ذلك يحفزه على التفكير في الهجرة باعتبارها خلاصا ولو كان مخادعا، إلا أنك إذا ما تحدثت مع مواطن إسباني عادي، غابت رائحة ذلك الشعور المسكون بالتذمر والقنوط والتعاسة، فأصغيت إلى خطاب مشحون بالوطنية والتعالي والاجتهاد، على هذا الأساس تفهم أن المغربي لم يمتط خيار الهجرة المادية أو النفسية إلا لأن ثمة دواع إلى ذلك الخيار الصعب، وأن الإسباني لم يكتف بمتعة الاستقرار والاطمئنان إلا لأن هناك ما يسعفه على اقتطاف تلك المتعة.

الحلم الإسباني الذي يتحول إلى سراب خادع

كما هو معلوم أنه في العقود الأولى من الهجرة إلى الشمال، كانت إسبانيا لا تشكل إلا معبرا للمهاجرين المغاربة نحو البلدان الأوروبية الشمالية والغربية الغنية كفرنسا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وغيرها، حيث يروي أولئك المهاجرون الأول الكثير عن تخلف الإسبان وتردي أحوالهم المعيشية، وغياب أدنى المرافق العمومية والسياحية والتجهيزات التحتية. لكن اليوم صارت إسبانيا تعادل الحلم أو تضاهيه، خصوصا بعد أن أقفلت أغلب الدول الأوروبية الشمالية والغربية أبوابها في وجه المهاجرين غير الشرعيين، إلى درجة أنك ولو حدثت الكثير من المغاربة عن أن العمل بإسبانيا صعب، والدخل هزيل، والقوانين شبه منعدمة، لم يضعوا فيك الثقة، وإن وضعوها فيك، أتبعوها بسؤال محير وإشكالي: وماذا نعمل في وطننا؟ هل نبقى (ننُشُّ الدَّبان!) أي نتضارب مع الذباب؟! (وهو مثل يكنى به في العامية المغربية عن الذي واتته فرصة ما فلم يستثمرها، فبقي صفر اليدين، مكسوف البال، ينتظر الذي يأتي ولا يأتي!) وما يثبت ذلك أكثر، هو ما تورده في الآونة الأخيرة وسائل الإعلام المغربية والدولية بمختلف أصنافها، حول أولئك الأفارقة الذين يقطعون آلاف الأميال ليصلوا إلى المغرب، حيث يستوطنون غابات الشمال التي تطل على الحلم الإسباني، الذي كلما تراءى لهم عبر الأنوار القصية التي تبعثها بعض الجزر الناعسة على زرقة البوغاز، إلا وزاد شوقهم إلى ما وراء الماء، فيجازفون بكل ما يملكون من مال وعرض ونبض، ولا يهمهم لا البحر القاتل ولا الأمواج العاتية.

حتى أصبح الحلم بما هو إسباني أو غربي يتخذ طابعا أسطوريا، ما دام يشكل البديل الممكن الذي يخرج المهاجرين من الوضعية الحرجة، التي هم عليها في بلدانهم الأصلية، لكن هذا البديل ليس دائما ناجعا، لأن الهجرة بشكلها الحالي الذي يبدو شرسا، يعد ضحاياها أكثر من مستفيديها، فثمة أكثر من دافع يسهم في فتح شهية الأغلبية لمغادرة الوطن، أهمها الإعلام الذي يبرز العالم الغربي باعتباره نموذجا مثاليا للديموقراطية وحقوق الإنسان، ثم إن العديد من المهاجرين يقدمون صورة مغلوطة حول واقع الهجرة، فتراهم أثناء العطل الصيفية يرتدون الثياب الجديدة، ويقودون العربات الأنيقة، فيظهر عليهم أثر النعم والترف، مما يجعل المواطن الأصلي ينخدع بهذه الأشكال والألوان، فينجذب إلى ما وراء البحر، وهو يحلم بأن يبلغ الدرجة التي بلغها أخوه المهاجر، وهو لا يدرك الحقيقة العميقة التي مؤداها؛ أن هذا المهاجر الذي يزور كل عطلة صيف وطنه الأصلي في هيأة سائح، يقضي حوالي أحد عشر شهرا في عمله القاسي والرتيب، مسكونا بمشاعر الغربة القاتلة، ومحاصرا بأصوات العنصرية المهينة، لا يتمتع بحلاوة النوم، ولا بطعم الأكل، ولا بدفء العائلة والأصحاب، يظل جل عمره مطاردا بالمشاكل المختلفة التي تساوره نهارا، في عمله أو مدرسته أو طريقه... وتغتاله ليلا، وهو يتقطع ألما لذريته، التي اقتلعها الانحراف أو الانبهار أو الانفتاح من تربة الهوية التي يحملونها، أو الثقافة التي يمثلونها، أو العقيدة التي يؤمنون بها... ويأتي ذلك الشهر ليرتاح فيه، أو يرجع إلى الحياة الأولى التي كان قد شب عليها قبل زمن الهجرة.

كنت في صيف 1999 بإسبانيا، حيث رأيت بأم عيني طوال ثلاثة شهور حقيقة المهاجرين، وهي حقيقة تنم عن مفاهيم أدنى من مفردات الذل والدونية والإحباط ونحو ذلك، فكنت أتساءل دوما: ما أقسى هذا الوطن الذي يصدر أبناءه لهؤلاء الرأسماليين الذين لا يبدو لهم المهاجر إلا رقما في معادلة اقتصادية؟ أجل، رقم ولا أكثر! إلى درجة أن العديد من الشركات الفلاحية تتعامل مع اليد العاملة المهاجرة ليس بناء على أسمائها الشخصية أو العائلية، وإنما تمنح كل واحد من عمالها رقما يحتفظ به، فتناديه بذلك الرقم، وتدفع له الأجر بذلك الرقم وهكذا، مما جعلني أماثل ذلك بما هو سائر عليه في السجون، حيث يعلق على كل سجين رقما يتميز به عن باقي السجناء، فأصور إسبانيا كأسر عريض، يؤدي فيه المهاجرون أعمالا شاقة، لا يرضى القيام بها حتى الأسرى الحقيقيون، فلا يستفيد العمال الأجانب إلا من الأعمال في ميادين الفلاحة والبناء، عدا القلة القليلة التي حظيت ببعض الفرص في المرافق التي لها صلة بالمجال السياحي كالفنادق والمطاعم والمقاهي... حتى أن أغلبهم يعاني بعد مدة وجيزة من العمل من آلام ومضاعفات مختلفة في الظهر والمفاصل...

ومن الأمور الواقعية التي عايشت آنذاك أو حكيت لي من أناس أعرفهم، أن العديد من المهاجرين الذين حالفهم البحر أو الحظ حتى بلغوا وطن الحلم، يغتربون في ضيعات فلاحية، حيث يمنح لهم رب الضيعة بيتا وضيعا ملحقا بحقوله، لا يحتوي على أدنى مستلزمات الحياة الكريمة التي كان يحلم بها هؤلاء المغتربون قبل أن يغادروا وطنهم، فيقضون زهرة حياتهم بين العمل الشاق في الحقل، والسكن الذليل في ذلك البيت، ولا يخرجون من ذلك السجن الإجباري إلا أيام العطل، إذ يتوجهون نحو المدن المجاورة لقضاء بعض الحاجيات! هكذا يدرك الكثيرون أنهم انخدعوا بالحلم الأوروبي، الذي ما هو إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فغامروا من الوهلة الأولى، التي انبهروا فيها بعالم ما وراء المتوسط، بكل ما يملكون، فمنهم من باع أرضه أو حلي زوجه، ومنهم من أغلق دكانه أو أوقف نشاطه، بل ومنهم من ضحى بوظيفه ليستبدل الذي هو خير بالذي هو أدنى، فيصبح فلاحا عوض أستاذ، أو مربي دواجن عوض مربي أجيال!

العلاقة المغربية الإسبانية بين الشراكة والتبعية

إن العلاقات السياسية والدبلوماسية المغربية الإسبانية، لا تأخذ اتجاها ثابتا لا تثنيه بعض العواصف السياسية التي تهب من حين لآخر على أجواء المملكتين، وذلك يرجع إلى ترسبات تغطي الذاكرة التاريخية المشتركة بين كلا القطرين، من مثل الموقف الإسباني المتعاطف مع البوليساريو، والصراع البارد حول المدينتين المغربيتين المحتلتين من لدن الإسبان، وملف الصيد البحري الذي يخلق أحيانا بعض الاختناق في العلاقة الدبلوماسية للبلدين الجارين، والمنافسة التجارية القائمة بين المنتوجات الفلاحية الإسبانية والمغربية المعروضة على السوق الأوروبية، إضافة إلى مشكل الهجرة السرية التي تنطلق من السواحل المغربية نحو إسبانيا.

رغم كل هذه التحديات الكائنة بين هاتين الدولتين، وهي تحديات ليست في صالح المغاربة، لأنها غالبا ما تميل إلى الكفة الإسبانية، فإن السياسيين المغاربة يعملون كل ما في وسعهم قصد تلميع العلاقة الدبلوماسية التي تقرنهم بإسبانيا، ولو كان ذلك على حساب مصالحهم الوطنية والترابية، وهم يعون أن هذا الجار لا يبني ارتباطه بالمملكة المغربية إلا من منطلق ما تستوجبه مصلحته الاقتصادية، فلا يرى في المغرب إلا تلك اليد العاملة المتجلدة التي بمقدورها دفع عجلة الاقتصاد الإسباني إلى الأمام، كما دفعت عجلة اقتصاديات دول شمال وغرب أوروبا، أو تلك الثروة السمكية التي لا تسيل فقط لعاب البحارة الإسبان، وإنما كذلك لعاب المسؤولين والسياسيين الإسبانيين، أو تلك المدينتين السليبتين (سبتة ومليلية) اللتان تدران أموالا طائلة على الخزينة الإسبانية، من خلال التجارة السوداء التي تمارس عبر المدن المغربية المجاورة لتلك المدينتين رغم أنف الاقتصاد المغربي.

إذن، رغم كل هذه الحقائق المعلنة من الطرف الآخر، تسلك الدولة المغربية تارة سياسة السكوت على الحق المغتصب، فلا تعامل الإسبان معاملة الند للند، بقدرما تعتصم بحبال الصمت والتهدئة خشية فقدان بعض المصالح المشتركة، حيث شراكة المغرب لإسبانيا غير مبنية على المنافسة والتوازن وإنما على التبعية وطلب المساعدة، وهذا ما يتأكد بجلاء في تعامل الدبلوماسية المغربية مع ملف المدينتين المحتلتين، فهي لا تطالب بتحرر هذه الرقع ذات البعد الاستراتيجي والجيوسياسي، علما بأن إسبانيا شيدت عليهما قواعد عسكرية تشكل تهديدا للمغرب وفي عقر داره، إضافة إلى الأسلوب المتسلط الذي تدار به المفاوضات حول مدى استفادة الإسبان من بحر وسمك المغرب، والذي ينعكس على الشارع الإسباني الذي يكشف من فينة لأخرى عن بغضائه الخفي للمغرب، لا لشيء إلا لأنه لا يريد من أحد أن يستغل بحره بشكل استنزافي، فيسقط كل من المهاجر المغربي والتجار المغاربة، الذين يعبرون التراب الإسباني ببضائعهم نحو باقي الدول الأوروبية ضحية ذلك. وتارة أخرى تنهج السلطات المغربية سياسة الاستجداء، وهذا ما اتضح بشكل مخجل أثناء إقدام عناصر من الجيش الإسباني على احتلال جزيرة ليلى المغربية، وذلك صيف (يوليوز) 2002، حيث لم يتجاوز الموقف المغربي التنديد الشكلي والاستعطاف والاستنجاد بالدبلوماسيات الأجنبية، زيادة إلى موقف إسبانيا المتعاطف مع البوليساريو الذي يشكل شوكة في حلقوم الدولة المغربية.

هكذا يجد المغرب نفسه عاجزا أمام إسبانيا، التي يعتقد أنها تضمن له شتى المصالح الحيوية ابتداء من احتضانها لمئات الآلاف من المهاجرين المغاربة، وصولا إلى تفضلها بإنعاش الاقتصاد المغربي بعدد من الاستثمارات والمشاريع، لكن يغيب عن هذا الاعتقاد أن المصلحة المغربية من هذا الجار المتوسطي تقابله مصالح لا تحصى من المغرب له، فاليد العاملة المغربية لا تتلقى العملة الصعبة التي تعتبر متنفسا للاقتصاد المغربي بمثابة صدقة في سبيل الله، وإنما مقابل خدمات شاقة وتضحيات جسيمة يترفع السكان الأصليون عن أدائها، ثم إن السعي الحثيث للدولة المغربية خلف بريق الاستثمارات الإسبانية، التي يعتقد أنها بمقدورها تنمية العديد من القطاعات المالية والاجتماعية والخدماتية وغيرها، ما هو إلا مضيعة للوقت وهدر للطاقات، بالنظر إلى سياسة التخريب المقنن الذي تمارسه الدولة الإسبانية عن طريق التجارة السوداء، التي تشجعها عبر المناطق المغربية المتاخمة للمدينتين السليبتين، كذلك يجب ألا ننسى مدى الاستنزاف العاتي الذي تعرضت إليه الثروة البحرية المغربية طوال عقود طويلة، مقابل حفنة من (البسيطات) الإسبانية التي لا نعرف أين ذهبت ولا في ماذا استثمرت! في اللحظة التي يشهد فيها التاريخ أن حوالي المليون صياد إسباني كان يعيش من بحر وخير المغرب، الذي حرم منه أبناؤه الوطنيون وذووه الشرعيون.

استنادا إلى هذه الوقائع الملموسة يبدو أن المستفيد الأكبر من هذه الشراكة غير المتكافئة هو إسبانيا، أما المغرب فلا يحظى إلا بالنزر القليل من هذه المصالح الحيوية، وهذا النزر ليس من شأنه أن يحرك عجلة الاقتصاد المغربي في شيء، ما دام الذي يبنى بالاستثمارات يهدم بالتجارة السوداء، فيصبح المعول الإسباني ذا وظيفتين متضادتين؛ البناء والهدم! مما يكرس تبعية المغرب له، لا شراكته معه، لأن الشراكة الحقيقية لا تتحقق إلا إذا تكافأت كفتا العلاقة الرابطة بين البلدين.

التسوية القانونية باعتبارها جسرا نحو الإدماج اللغوي والثقافي

إن المهاجر السري، أي غير الشرعي، مثله مثل السجين، فالأول يظل باستمرار ينتظر فرص التسوية القانونية، التي يجود بها أحيانا قانون الدولة التي يوجد فيها، أما الثاني فلا يركن فقط لحساب الأيام التي قضاها في سجنه، بدءا من اللحظة الأولى التي أسر فيها، وإنما يترقب دوما المناسبات والأعياد التي قد تستثير سخاء الحاكم، فيصدر عفوا جزئيا أو شاملا عن بعض السجناء، فالمهاجر السري لا توهب له الحرية إلا إذا استوت وضعيته القانونية، وامتلك الوثيقة التي تعترف بأنه انتقل من دائرة غير الشرعي إلى نطاق الشرعي، أو من دائرة السري إلى نطاق العلني، كأنما الحرية هي الوثيقة، والوثيقة هي الحرية! فإذا انتفت الوثيقة صودرت الحرية، وإذا غابت الحرية صارت الوثيقة بلا قيمة! وهذا هو حال أغلب المهاجرين المغاربة الذين أتى بهم القدر إلى شبه الجزيرة الإبيرية، والذين كانوا في الغد القريب يحلمون بوضع ولو قدم واحدة على التراب الإسباني، وبعدها سوف تزهر الحياة في أعينهم، وتقول لهم: هيت لكم! لكن بمجرد ما تأتى لهم ما حلموا به، صدمتهم الحقيقة المرة، وتكسرت على صخرة الواقع آمالهم العريضة، فراحوا يحلمون من جديد بالوثيقة/الحرية أو الحرية/الوثيقة، التي قد تشرعن وجودهم غير القانوني، فيحظوا ولو بشكل نسبي ببعض الفرص في العمل والسكن والتنقل ونحو ذلك.

إن التسوية القانونية لوضعية المهاجرين غير الشرعيين التي دشنتها الدولة الإسبانية الشهر الحالي (فبراير 2005)، لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء رؤية تحليلية تتأسس على السؤال/المفتاح: ما الداعي إلى هذه التسوية القانونية التي تبادر بها الدولة الإسبانية؟ إن هذه الخطوة السياسية الجريئة التي اتخذتها حكومة ثباتيرو الاشتراكية الفتية، ليست حبا في عيون المهاجرين السريين مغاربة كانوا أم أجانب، كما أن انسحاب الجيوش الإسبانية من العراق، والذي تم على يد هذه الحكومة، لم يكن حبا في عيون العراقيين أو العرب، وإنما خشية تكرر العرس الدموي الذي كانت مدريد محفلا له. إن التسوية القانونية هذه، سوف تجني من خلالها الدولة الإسبانية نتائج إيجابية جمة، تمس مختلف المستويات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية وغيرها، فعلى المستوى الاقتصادي سوف يتحقق انتعاش لا يستهان به، علما بأن قطاعات اقتصادية ومالية شتى سوف تستفيد من "إعادة تأهيل الاقتصاد الإسباني والتخلص من التهرب الضريبي لأرباب العمل والعمال على السواء" كما أشار أحد المسؤولين الإسبان، أما على الصعيد الأمني فسوف يحكم الطوق على الأجانب الذين سوف يصبحون شرعيين، فيسهل على السلطات الإسبانية وضعهم تحت مجهر الأمن وعيون المخابرات، في حين سوف يكون المستوى الاجتماعي والثقافي ونحوهما محط الاهتمام، علما بأن هذه التسوية ما هي إلا جسر مهم نحو ما هو أهم، وهو قضية إدماج المهاجرين الأجانب، لغويا وثقافيا، في المجتمع الإسباني، فيتكرر بذلك نفس النموذج الذي سلكته تلك الدول الأوروبية التي يربطها تاريخ طويل وحافل بمشكلات الهجرة وقضايا المهاجرين.

في المقابل سوف يستفيد ما يقرب من 800 ألف مهاجر سري أجنبي، ومنهم حوالي 100 ألف مغربي من هذه التسوية، التي تمكنهم من الانفلات من الاستعباد المادي والمعنوي الذي عانوه منذ وطأت أقدامهم أرض الأندلس القديمة، لكن هل تعني هذه الخطوة أن باب الهجرة السرية سوف يوصد، أم أن مثل هذه التسوية سوف تتكرر ريثما يفد على إسبانيا العدد الكفيل بأن يحث الحكومة أو السلطة على التفكير من جديد في تسوية أخرى، تدر المال الغزير على الخزينة الإسبانية، وتعزز الأمن العام، وتفعل آلية الاندماج، ثم كيف يمكن تفسير الدور المغربي بخصوص ما يجري، هل يظل معتصما بصمته المعهود، أم يمتهن أسلوب الاستجداء الدبلوماسي عل يحظى عدد من أبنائه المغتربين بالحرية/الوثيقة، أو الوثيقة/الحرية، وفي هذا تفعيل ما لاقتصاده الذي سوف يستفيد من عملة رعاياه الصعبة، الذين سيصبحون شرعيين، لكن ألا يعني هذه التسوية، من وجهة ما، أن المغرب مطالب أكثر بتحصين حدوده الصحراوية والبحرية، واستئصال كل جذور الهجرة السرية، وهو بذلك يبتاع إسبانيا الاطمئنان والأمن والحماية مقابل أن تحرر مواطنيه غير الشرعيين، وفي نهاية المطاف إلى متى يظل المغاربة يحلمون بالعبور نحو المستقبل الذي يلوح لهم من على السواحل المقابلة، وهو عبور محفوف بمخاطر البوغاز التي لا ترحم، ألم تئن بعد لحظة الانفكاك من التبعية العمياء للآخر، ورد ماء الوجه للوطن، بالفعل الصادق، والتضحية المشتركة، والتوزيع العادل لثروات المغرب، والاعتراف الصريح بكل مكونات المجتمع، وبعدها يهرع الجميع وبين ناظريه هدف واحد وموحد: نحو مغرب متقدم، وهو نفس الهدف الذي رفعه الإسبان، فيحضن الوطن كل أبنائه المغتربين وغير المغتربين، وتنقلب الموازين، فينعكس اتجاه هجرة المغاربة من المنفى إلى الوطن، كما حصل بالتحديد للإسبانيين.