|
صفحات من تطبيق الشريعة
فى عصرالسلطان المملوكى الأشرف قايتباى : 872 ـ902
بقلم : د. أحمد صبحي منصور
لمحة تاريخية:
فتح عمرو بن العاص مصر فصارت ولاية اسلامية خاضعة للولاية الراشدة ثم
للخلافة الاموية ثم للخلافة العباسية في عصرها الاول .
واتيح لمصر ان تكون ولاية تتمتع بالاستقلال الذاتي في اطار الخلافة العباسية
وذلك في عصر الدولتين الطولونية (254-292هـ) و الاخشيدية (323-358ه).
ثم اصبحت مصر مقرا للخلافة الشيعية تناوئ بغداد مركز الخلافة السنية بل وتحاول
نشر الفكر الشيعي و النفوذ الفاطمي (358-567هـ).
ثم استولي صلاح الدين علي مصر وارجعها للخلافة العباسية و أسس الدولة الأيوبية
التي اضطلعت في عصره بالجهاد ضد الصليبيين ،الا ان خلفاءه تقاعسوا في الجهاد
وتنافسوا فيما بينهم مما اضعف شأنهم وجعل لمماليكهم سطوة علي حسابهم .وبازدياد
ضعف السلاطين الأيوبيين في مصر والشام تمكن مماليكهم في مصر من إقصائهم عن
الحكم وتأسيس الدولة المملوكية التي ورثت عرش الأيوبيين والعباسيين وغيرهم من
(648-921هـ).
وكان السلطان قايتباي (872 –902)هـ من ابرز السلاطين المماليك خصوصا في عصرهم
الأخير .
المصريون وظلم الحكام :
والثابت تاريخيا ان المسلمين رحبوا بالفتح الإسلامي علي امل ان يخلصهم من ظلم
الروم البيزنطيين خصوصا وقد كان هناك نزاع ديني بين الأقباط المصريين والمذهب
الرسمي للمسيحية البيزنطية . وظل الأقباط بعيدين عن المنازعات السياسية العربية
التي أسفرت في النهاية عن قيام الدولة الأموية . وقد اشتهر الأمويون بالتعصب
والقهر والظلم ضد غير العرب فأصابوا الأقباط بالنكال .
وقد عدد المقريزى الشدائد التي أنزلها الامويون بالاقباط ،ففي ولاية عبد العزيز
ابن مروان صادر البطريرك مرتين وفرض الجزية علي الرهبان ،ثم تولي بعده عبد
الملك بن مروان ولاية مصر فاشتد علي النصارى واقتدى به فيما بعد الوالي قرة بن
شريك الذي انزل بالنصارى شدائد لم يبتلوا بها من قبل وزاد عليهم الخراج فثار
الأقباط بالحوض الشرقي ( شرق الدلتا )فهزمهم الأمويون وقتلوا منهم الكثيرين .
ثم اشتد عليهم الوالي أسامة بن زيد التنوخي و أوقع بهم واخذ اموالهم و وشم ايدي
الرهبان –-أي رسم عليها علامة –ومن وجده منهم بغير وشم امر بقطع يده وضرب أعناق
بعض الرهبان وعذب آخرين حتى ماتوا .
وتبعه في طريقة الوشم الوالي حنظلة بن صفوان الذي عمم الوشم علي كل الاقباط ومن
وجده بغير وشم قطع يده .
وثار الاقباط فيما بين 121:132هـ في الصعيد وسمنود ورشيد واخمد الامويين
ثوراتهم بقسوة. وحين قدم مروان بن محمد آخر خلفاء بنى أمية هاربا الي مصر من
العباسيين بعد هزيمته فى موقعة الزاب لم يحاول استمالة الأقباط بل اشتد في
الإيقاع بهم الي ان قتله العباسيون في ابو صير سنة 132.
ونتابع المقريزي وهو يروى ثورات الأقباط في العصر العباسي وإخمادها بالعنف
،وكانت آخر ثوراتهم في عهد الخليفة المأمون وقد أوقع بهم قائده الافشين ،وانتهت
بذلك ثوراتهم المسلحة . يقول المقريزي (فرجعوا عن
المحاربة الي المكيدة واستعمال المكر والحيلة ..)
اذن كان الظلم احد الرموز الاساسية في سياسة الحكم في العصور الوسطى يسري ذلك
علي الاستبداد الرومانى او العربي ـ عدا لمحات سريعة من العدل ـ فان الشعب
المظلوم اذا عجز عن المقاومة الايجابية ركن الي المقاومة السلبية والي استعمال
المكر والحيلة على حد قول المقريزى .
وكان اعتناق الأقباط الإسلام من اساليب النجاة من الظلم ودفع الجزية الباهظة .
وقد فطن الأمويين لذلك فالزموهم بدفع الجزية حتي لو اسلموا ، وقد انكر الخليفة
العادل عمر بن عبد العزيز ذلك علي والي مصر وكتب اليه ( ان الله بعث محمد هاديا
ولم يبعثه جابيا )وتم رفع الجزية عمن اسلم من الأقباط .الا ان الحال عاد الي
اسوأ مما كان عليه بعد موت عمر بن عبد العزيز .
لقد كانت المجتمعات في العصور الوسطى تخضع لمنطق الدين الذي يفسره الحاكم علي
هواه ومن خلاله يمارس الظلم ويجد من يبرر له افعاله . وعدا فترات قليلة تمتع
فيها المصريون بالعدل فان السمة العامة هي استمرار الظلم مع التمسك الشكلي
بالدين .
كان اعتناق المصريين للاسلام ظاهرة فردية يقوم بها الفقراء للتخلص من دفع
الجزية أو يقوم بها الكتبة الاقباط في الدواوين كي تنفتح لأحدهم أبواب الترقي
في المناصب . وبعد اعلان اسلامه يتمتع بالمناصب والنفوذ وحينئذ يتم له تصفية
حساباته القديمة من المسلمين الذين يقعون فى دائرة نفوذه ، أو علي حد قول
المقريزي (..فصار الذليل منهم باظهار الاسلام عزيزا يبدي من اذلال المسلمين
والتسلط عليهم بالظلم ما كان يمنعه نصارنيته من إظهاره .)
دخول المصريين التدين الاسلامى افواجا منذ العصر الفاطمي
:
ثم بدأ المصرييون في التدين بالاسلام افواجا في العصر الفاطمي . لم
يدخلوه فى عصر النبى محمد حيث كان التدين العملى وقتها أروع ما يكون. ولكن
تعلموا الاسلام وفق التطبيق الشيعى أو التدين الشيعى المخالف للتدين السنى أو
التطبيق السنى للاسلام.حدث هذا منذ منتصف القرن الرابع الهجرى ، حيث كان الآزهر
الشيعى بوابة الدخول فى التدين الشيعى .
كان الفاطمييون الشيعة اصحاب مذهب يحظى بإنكار العرب المسلمين في مصر في ذلك
الوقت ولم يكن العرب المسلمون في مصر الا أقلية ، وكانت الأغلبية من المصريين
الأقباط . وقد فطن الفاطميون الي العداء المستحكم بين العرب المسلمبن والاقباط
. وكان من المنتظر ان يستميل الفاطميين اليهم هذه الأغلبية الصامتة المظلومة
فهم الأكثرية وهم اهل البلاد وهم اكثر الناس تشوقا لرفع الظلم عنهم .
وعمل الفاطميون علي نشر الاسلام بين المصريين بالطريقة الشيعية بطبيعة الحال
.ولم يجد المصريون وقتها فارقا اساسيا بين العقيدة الشيعية وبين ما توارثوه من
عقائهم القديمة حيث يضاف التقديس الي البشر من الائمة أو الاولياء او رجال
الدين . وفتحت الدولة الفاطمية ابواب المناصب امام المصريين خصوصا اذا اعتنق
أحدهم الاسلام والدعوة الشيعية ، فأصبح اليهودي المصري يعقوب بن كلّسِ الرجل
الثاني في الدولة الفاطمية بعد الخليفة الفاطمى نفسه ، وكان حكيم الدعوة
الشيعية والذي قام بعبء نشرها في داخل مصر وخارجها .
وجذب الفاطميون المصريين لهم عن طريق الاحتفال بالأعياد الشيعية الإسلامية بل
واحتفلوا بالاعياد القبطية والفرعونية ، وتحت عنوان (ذكر الايام التي كان
الخلفاء الفاطميون يتخذونها اعيادا ومواسم تتسع بها احوال الرعية وتكثر معهم
)تحدث المقريزي بالتفصيل عن احتفال الفاطميين ومعهم عوام الشعب المصري وخاصته
بمواسم واعياد رأس السنة ويوم عاشوراء وعيد النصر وليالي الوقود وشهر رمضان
وعيد الفطر وعيد النحر وعيد الغدير وفتح الخليج والنوروز وميلاد
(المسيح)والغطاس وخميس العهد وطقوس صلاة الجمعة .
ولازلنا ـ نحن المصريين المسلمين ـ نحتفظ ببعض الطقوس الدينية في تلك الاعياد
مثل شم النسيم والسحور والاطعمة ذات المناسبات الدينية مثل الكنافة والقطايف
وعروس المولد . ونشر الفاطميون لعن عمر بن الخطاب وكراهيته حتى أصبح اسمه يذكر
فى صيغة السب أو " الردح " فى الأحياء الشعبية ، وهو ما زال ساريا فى وصلات
الردح الشعبية النسائية الى وقت قريب حين تصرخ احداهن تسب الأخرى قائلة بلهجة
خاصة تجمع بين التحقير والتحدى : "نعم نعم يا عمر .."..
الا ان اهم ما توارثناه من العصر الفاطمي خصوصا هو تقديس الأضرحة خصوصا ما
انتسب منها الي آل البيت مثل السيدة نفيسة الذي اقامة الخليفة المستنصر سنة
482هـ.وكانت السيدة نفيسة كانت قد توفيت سنة 208هـ .وتم دفنها في قبر عادي فلما
جاءت الخلافة الفاطمية اقامت علي قبرها قبة وضريحا واحاطته بالدعاية والاساطير
حتى صار احد المواضع المعرفة عند المصريين باستجابة الدعاء علي حد قول المقريزي
.
وقد دخلت الدولة الفاطمية في دور الضعف ووقع علي وزيرها ( الافضل ) عبء تقويتها
امام الخطر الصليبي فى الشام والخطر السني السلجوقي فى العراق .وكان من وسائله
اقامة ضريح الحسين فى القاهرة ليستميل اليه المصريين بعد ان انفضوا عن الدعوة
الشيعية .وخطط لذلك بمهارة ، وعليه اثناء عودته من عسقلان أعلن الأفضل انه عثر
علي رأس الحسين وتبع ذلك اساطير وتجهيزات لنقل الرأس ـ المقدس ـ الى القاهرة،
وترتيبات أخرى لبناء المشهد الحسينى ومواكب لافتتاحه ، وبذلك انشأ ضريح الحسين
بعد بناء القاهرة بنحو مائتين وخمسين سنة .وكان الافضل يخطط لتقوية الدعوة
الشيعية من خلال اقامته لضريح الحسين ،ولكن سرعان ما انتهت الدعوة الشيعية
والدولة الفاطمية بعد انشاء ضريح الحسين . ولكن استمر تقديس ضريح الحسين حتى
الآن بعد ان دخلت الدولة الفاطمية متحف التاريخ . استمر تقديس مشهد الحسين فى
قلوب أغلب المصريين ـ بدون خلفيات سياسية فاطمية لأنه يعبر عن عقيدة فرعونية
اصيلة عادت تحت اسماء عربية ورموز جعلوها اسلامية. وبذلك لم يعد الفارق كبيرا
بين الدين الفرعونى المتوارث داخل قلوب المصريين طيلة الآف السنين ـ والاسلام ،
بعد أن اصبح التدين بالأسلام يعنى تقديس الأضرحة وعبادة الألهة الموتى.
وانهى صلاح الدين الايوبي الخلافة الفاطمية وحاربت الدولة الأيوبية الدعوة
الشيعية بتنمية التصوف السني واقامة الخوانق وبيوت الصوفية والأضرحة لهم. وورثت
الدولة المملوكية الاهتمام بالتصوف وأوليائه ،وحل التصوف بأوليائه وأضرحته محل
التشيع كطريقة تدين عرفها اجدادنا المصريين حين اعتنقوا الاسلام ظاهريا منذ
العصر الفاطمي فالأيوبي والمملوكي ..ومع زحف هذا التدين المنسوب رسميا وظاهريا
الى الإسلام زحفت اللغة العربية وتوارت أمامها اللغة المصرية القديمة الي اقصى
جنوب الوادي .
استمرار ظلم الحكام بعد انتشار الاسلام :
اصبح المسلمون المصريون اغلبية تدين بدين الحاكم، وكان ذلك هو الاسلام
من حيث الشكل والرسميات، ولكنه فى حقيقة الأمر عودة للعقائد القديمة الأصيلة
تحت اسماء وشعارات اسلامية ـ هذا من ناحية المحكومين ـ أما من ناحية الحاكم فهو
استغلال للاسلام فى اخضاع الناس وظلمهم . ولذا لم ينقطع ظلم الحكام ،لأن ظلم
الحكام في العصور الوسطى كان شريعة سيئة لا تتوقف علي نوعية التدين الذي يدعي
الحاكم التمسك به .
وكان الظلم ابرز مظهر للحياة الدينية في العصر المملوكي بالذات.والمماليك كانوا
خدماوعبيدا للايوبيين ولكن تمكنوا من الوصول الي الحكم .وكي يعززوا موقعهم
الجديد فقد استطالوا علي الشعب المسكين قتلا واضطهدا ..يقول المقريزي في حوادث
648التي شهدت قيام الدولة المملوكية البحرية (وفيها كثر ضرر المماليك البحرية
بمصر ،ومالوا علي الناس وقتلوا ونهبوا الاموال و سبوا الحريم وبالغوا في الفساد
حتي لو ملك الفرنج ما فعلوا م فعلهم ..).أي انه لوحكم الصليبيين مصر فانهم –في
رأي المقريزي –لن يظلموا المصريين بالقدر الذي فعله بهم المماليك المسلمون .!!
ويقول المقريزي في ترجمة السلطان ايبك اول سلطان مملوكي (وكان ملكا حازما شجاعا
سفاكا للدماء ،قتل خلقا كثيرا وشنق عالما من الناس بغير ذنب ليوقع في القلوب
مهابته ،واحدث مظالم ومصادرات عمل بها من بعده ).أي ان السلطان ايبك استن سنة
سيئة عمل بها من بعده من المماليك حتى من اشتهر منهم بالعبادة والتدين مثل
السلطان قايتباي صاحبنا في هذا المقال .
مقاومة الشعب للمصري لظلم المماليك :
على ان الشعب المصرى لم بعرف الخنوع المطلق والاستسلام المستمر للعسف
المملوكى .كان المماليك هم القوة الحربية الوحيدة التي يؤيدها جمهور من رجال
الدين وعلماء السلطة الذين يطبقون الشريعة وفق ما يرتضيه السلطان" صاحب النعمة
" ..
ولذلك ثار الشعب المصري في العصر المملوكي ثورات صاخبة وأقام مظاهرات غاضبة
كانت تؤرق الحكم العسكرى المملوكى وخدمهم من الفقهاء والقضاة والمشايخ والعلماء
الذين كانوا جزءا من السلطة المملوكية الجائرة .
والامثلة كثيرة نكتفي منها بتلك اللوحة الناطقة للمؤرخ المملوكي الاصل المصرى
النشأة ابو المحاسن {ابن تغرد بردي ) يقول فى كتابه {النجوم الزاهرة } : "
اضطرب الناس وابطل السلطان موكب ربيع الاول من القصر وجلس بالحوش ودعا القضاة
الاربعة والامراء والاعيان .ووقف العامة اجمعون في الشارع الاعظم من باب زويلة
الي داخل القلعة ،واجتاز بهم قاضي القضاة علم الدين البلقيني وهو طالع الي
القلعة ، وقد انفض المجلس في الحال ونودي بعدم معاملة الزغل (أي بعدم التعامل
بالعملة المغشوشة التي اصدرها السلطان )فلم يسكت ما بالناس من الرهج ولهجوا
بقولهم (السلطان من عكسه – أي من سوء حظه – ابطل نصفه ) ((أي ابطل العملة
الذهبية التى اصدرها )) (واذا كان نصفك اينالي فلا تقف علي دكاني ))(أي اذا
كانت العملة التي تتعامل بها قد اصدرها السلطان المملوكي اينال لا تقف علي
دكاني )وبعدها في العصر العثماني كان احفادهم يقولون فى مظاهراتهم ( ايش تاخد
من تفليسي يا برديسي ..)ويستمر المؤرخ ابو المحاسن معلقا علي هذه المظاهرة
الشعبية وتلك الامثال الشعبية التي اخترعها جموع الشعب فيقول (واشياء كثيرة من
هذا بدون مراعاة وزن ولا قافية ، وانطلقت الالسنة بالوقيعة في السلطان وارباب
الدولة ، وخاف السلطان من قيام المماليك الجلبان بالفتنة وان تساعدهم العامة
وجموع الناس فرجع عما كان قصده ،وقد افحش العامة الي ناظر العامة ورجموه وكادوا
يقتلونه ..)
حدثت هذه المظاهرة في سلطنة الاشرف اينال الذي توفى سنة865هـ. بسبب انه أصدر
عملة ذهبية مغشوشة وساعده على ذلك الظلم الفقهاء الابرار فى عصره ، بل وجعلوه
ضمن الشريعة المطبقة . الا أن الشعب ـ او الحرافيش أو الزعر كما كان الفقهاء
يطلقون عليهم للتحقير والآستعلاء ـ اقام مظاهرات ردد فيها شعارات وهتافات يعبر
فيها عن رأيه .
وقد تولى صاحبنا قايتباي السلطنة سنة 872هـ وقبلها كان من شهود هذا الحادث اذ
كان من كبار الأمراء المماليك وقتها..
وهؤلاء هم أجدادنا الذين لم يسكتوا علي ظلم السلطان
اينال . فكيف كان حالهم مع السلطان قايتباي الذي كان مشهورا بالتدين عمل الخير
؟
لم تحدث مثل هذه المظاهرة لأسباب كثيرة ليس منها أنه كان أقل من
السابقين ظلما، ولكن لأنه كان أكثرهم دهاءا ومكرا فعمر فى السلطة اكثر من غيره.
وكان أهم ملمح من ملامح دهائه أنه اشاع انه متدين يقوم الليل متعبدا بالأوراد .
وصدقه الناس فسكتوا على ظلمه وصبوا لعناتهم على اتباع الظالم ناسين رأس الأفعى
. والسؤال الآن كيف كان ذلك السلطان الورع يطبق الشريعة فى عهده ؟
بعيدا عن اشعارات النبيلة التى تتمسح بالاسلام زورا وبهتانا وضحكا على الذقون ـ
ذقوننا نحن بالطبع ـ دعونا نرجع للواقع الحى والمعاش والمسجل فىالتاريخ. وهنا
نختار اتقىسلطان مملوكى ـ قايتباى ـ من خلال ما كتبه عنه أحد القضاة المؤرخين ـ
ابن الصيرفى ـ الذى كان يسجل تاريخ عصره باليوم والشهر والحول ، أى بما يعرف
بالكتابة الحولية للتاريخ والتى تعطى تقريرا حوليا سنويا لأحوال المجتمع فى ذلك
الوقت.
ملامح من تطبيق الشريعة المملوكية فى عصر السلطان
قايتباى
1-نحن الان في عصر السلطان قايتباي الذي حكم مصر والشام و الحجاز في الربع
الاخير من القرن التاسع الهجري ،وننقل ما كتبه عن عصره القاضي المؤرخ ابن
الصيرفي في كتابه " انباء الهصر بابناء العصر." الذى كان يؤرخ لعصره باليوم و
الشهر وفق منهج التاريخ الحولى.
وكان المؤرخ ابن الصيرفي يعمل قاضيا حنفيا في دولة السلطان قايتباي ،وملأ كتابه
نفاقا للسلطان يقول عنه (وفي الواقع فسلطان مصر الملك الاشرف ابو النصر قايتباي
نصره الله سلطان عظيم شجاع فارس معدود من الفرسان ،ديّن (أي متدين ) عفيف الفرج
لا يلوط ولا يزني ولا يسكر ،وله ورد في الليل من صلاة وقيام ) أي ان السلطان
المملوكي قايتباي امتاز عن غيره من المماليك السلاطين والامراء بالعفة بحيث لا
يقع في الزنى او الشذوذ الجنسي ،بل انه متدين يقوم الليل يقرأ الاوراد الصوفية
ويصلي .وبالتالي كانت الشريعة المطبقة في العصر المملوكي علي افضل حال لها في
زمن السلطان المتدين قايتباي ،خصوصا وان السلطان قايتباي المتدين كان يختار
اعوانه من الامراء المماليك المتدينين ..ومن المنتظر ان يراعي السلطان وامراؤه
احوال الشعب . فهل كان يحدث ذلك ؟
تعالو بنا نلجأ الي نفس المؤرخ ابن الصيرفي في كتابه "انباء الهصر بأبناء العصر
" لنتعرف بعض احوال تطبيق الشريعة في عصر ذلك السلطان الورع مع ملاحظة اساسية ,
هى أن بعض الضحايا كانوا مظاليم , والظالمون منهم كان اكثرهم اتباعا للسلطان
وهو الظالم الأكبر ولكن غضب عليهم لسبب ما ,أو لم يغضب عليهم وأراد فقط استخلاص
اموالهم بالتعذيب , وبعضهم كان مذنبا ولكن عقوبته كانت لا تتناسب مع جرمه ولا
تتفق مع التشريع الاسلامى الحق.
2-كان الضرب هو الوسيلة المثلي للتفاهم مع المتهم في أي جناية حتي لو كان بريئا
مظلوما ..ففي يوم السبت 21/صفر /886 ضربوا الشريف الاكفاني المتهم بقتل زوجته
ضربا مبرحا نحو خمسمائة مقرعة وعصيا، ثم امر قايتباي فحبسه بسجن المقشرة .
وبالضرب والتعذيب المملوكى كان المتهم سرعان ما يعترف بالجريمة حتى لو كان
بريئا.
وكان الضرب احيانا يفيد ،ففي يوم الاثنين 20/صفر 877 شكوا تاجرا الي الدوادار
الكبير يشبك من مهدي انه اخذ من التجار بضائع الي اجل، وحين جاء الاجل رفض ان
يدفع ما عليه بسبب ما عليه من ديون فأمر الدوادار بضربه ،ولما ذاق التاجر
المرفه الضرب المملوكي صار يصرخ ويقول :ادفع الحق ..فأمر الدوادار ان يعمل في
الحفير ويدفعوا اجرته لمن له في ذمته شئ .وهناك نماذج للضرب -كإحدي العقوبات –
في ما كان يفعله المحتسب مع التجار وفيما يفعله السلطان مع بقية الامراء ومع
الناس وارباب الوظائف ،ولكن لم يكن الضرب هو العقوبة الوحيدة.. فالتكنولوجيا
المملوكية في التعذيب كانت رهيبة ..!!
3-ونبدأ باهون العقوبات وهي كشف الرأس ،وقد كان كشف الرأس في العصر المملوكي
عيبا كبيرا واهانة فظيعة هائلة،اذ يكشف احدهم رأسه عند المصيبة الكبري التي لا
يستطيع تحملها .
ونرجع للوراء مئتي عام حين مات ابن السلطان المملوكي المنصور قلاوون ليلة
الجمعة 4/شعبان/679 هـ.وكان المتوفي وهو علي بن قلاوون اثيرا لدي ابيه فحزن
عليه حزنا كبيرا –وكان من مظاهر ذلك الحزن الهائل ان رمي السلطان كلوتته –أي
عمامته – من علي رأسه . ونذكر النص التاريخي الذي ذكره المقريزي في هذا الشأن
(اظهر السلطان لموته جزعا مفرطا وصرخ بأعلي صوته : وا ولداه ، ورمي كلوتته من
رأسه للأرض . وبقي مكشوف الرأس، الي ان دخل الامراء اليه وهو مكشوف الرأس يصرخ
وا ولداه !! فعندما عاينوه كذلك القوا كلواتتهم عن رؤوسهم ،وبكوا ساعة ثم اخذ
الامير طرنطاي النائب شاش- أي عمامة- السلطان من الارض وناوله للامير سنقر
الاشقر فأخذه ومشي وهو مكشوف الرأس وباس الارض وناول الشاش للسلطان وقال :أيش
اعمل بالملك بعد ولدي وامتنع من لبسه، فقبل الامراء الارض يسألون السلطان في
لبس شاشه، و يخضعون له في السؤال ساعة حتي اجابهم وغطي رأسه )!! أي كانت عمامة
السلطان الملقاة ورأسه المكشوفة هي الدليل الساطع علي الحزن الشديد , كما كان
السجود للسلطان هو تحية الاسلام عندهم فى ذلك الوقت . اذ كان صفوة الدولة من
كبار الأمراء و القضاة الاربعة وشيوخ الاسلام هم الذين يحظون بالدخول على
السلطان فيسجدون بين يديه بل ويقبلون التراب الذى تمشى عليه قدماه غير
الكريمتين. وكل ذلك برضى قضاة الشرع وشيوخ الاسلام وقتها ـ لا رضى الله تعالى
عنهم.
ونرجع الي خمسين عاما تقريبا قبل عصر قايتباي..في سلطنة الاشرف برسباي ،وفي يوم
السبت 25/شعبان 830هـ يقول المقريزي (وفيه اتفق حادث فظيع ) ونتأهب عند هذه
المقدمة الي الاستماع الي كارثة مما كان يحدث في العصر من اوبئة ومجاعات وحروب
مهلكة ..ولكن نفاجأ بشئ طريف ..يقول المقريزي (وفيه اتفق حادث فظيع وهو ان بعض
المماليك السلطانيه الجراكسة انكشف رأسه بين يدي السلطان فإذا هو اقرع، فسخر
منه من هنالك من الجراكسه، فسأل السلطان ان يجعله كبير القرعان ويوليه عليهم،
فأجابه الي ذلك ورسم ان يكتب له به مرسوم سلطاني ،وخلع عليه، فنزل وشق القاهرة
بالخلعة في يوم الاثنين سابع عشرينه (27 شعبان )وصار يأمر كل واحد ان يكشف رأسه
حتي ينظر ان كان اقرع الرأس ام لا، وجعل علي ذلك فرائض من المال ،فعلي اليهودي
مبلغ ..وعلي النصراني مبلغ ..بحسب حاله ورتبته ،ولم يتحاش من فعل ذلك مع احد،
حتي لقد فرض علي الامير الاقرع عشرة دنانير ،وتجاوز حتي جعل الاصلع والاجلح في
حكم الاقرع ليجيبه مالا، فكان هذا من شنائع الفضائح وقبائح الشنائع، فلما فحش
امره نودي بالقاهرة :معاشر القرعان لكم الامان ) . المهم ان المقريزي اعتبر كشف
رؤوس الناس من شنائع القبائح وقبائح الشنائع ..وليس الامر بهذه الشناعة ،ولكنه
ذوق العصر المملوكي ..
و المحتسب يشبك الجمالي جعل كشف الرأس من بنود العقوبات والاهانات التي كان
ينزلها بالتجار المساكين الذين لا يستطيعون دفع المعلوم لأعوانه المرتشين
..يقول ابن الصيرفي (ثم تحضر اعوانه له بمن لم يعطونهم المعلوم المعهود عندهم
فيضربهم ثلاث علقات واحدة علي مقعدته واخري علي رجليه واخري علي اكتافه ,
ويشهرونه بلا طرطور، بل يكشفون رأسه . وهو الذي احدث كشف الرأس ،مع ان جماعة
كثيرة مما فعل بهم ذلك عميوا وطرشوا , فان الواحد يكون ضعيف البصر او به نزلة
فيكشفون رأسه ويدورون به القاهرة , فلا يرجع الا ببرد ،و امثال ذلك كثر .)وابن
الصيرفي يعتقد ان كشف الرؤوس جعل اولئك الضحايا المساكين يصابون بالعمي والطرش
لأنه لا يتخيل ان يسير واحد مكشوف الرأس ويرجع الي بيته معافي وفي صحة جيدة
..!!
وصارت عادة سيئة ان يكون التشهير مرتبطا بكشف رأس الضحية اهانة له ليزداد
ايلامه ..فالمحتسب يشبك الجمالى سالف الذكر ضرب جماعة من التجار واشهرهم
بالقاهرة بنفس الطريقة في المحرم 874 . وامر الدوادار الكبيرواسمه ـ ايضا ـ
يشبك بتشهير شاهدي زور (ومروا بهما في شوارع القاهرة مكشوفي الرؤوس )وحدث ذلك
يوم الاربعاء 7/ربيع الاول /877 هـ.
وابن الصيرفي الذي عهدناه في كتابه رفيقا في نقده للماليك كان اكثر كراهية
للمحتسب يشبك ،وربما يرجع ذلك الي عقوبة كشف الرؤوس .فقد كان كشف الرأس عيبا
كبيرا واهانة عظمى..ونفترض ان المؤرخ ابن الصيرفي رجع حيا وسار في شوارع
القاهرة وشاهد رؤوسنا الجرداء تعكس اشعة الشمس امام الحيارى ..ترى ماذا كان
سيفعل ؟اغلب الظن انه سيعتقد ان المحتسب يشبك صار سلطانا علي القاهرة المحروسة
.
ونقفز من كشف الرأس الي ما هو افظع ..
4-فالدوادار الكبير يشبك من مهدي ظفر باحد مشايخ الاعراب من بني عدى
فضربه بالمقارع وامر بأن يشوى بين يديه بالنار وهو حي . فصار يستغيث ولا يغاث
.واخر الامر اطلقه بعد ان قيل للامير الدوادار :لا يعذب بالنار الا خالقها
!!وحدث ذلك يوم الخميس 14 ربيع الاول 874 هـ ومن الشي بالنار الي السلخ للاحياء
!! ففي يوم الاربعاء ذي الحجة 873 هـ امر السلطان قايتباي بسلخ ابن سعدان احد
مشايخ الاعراب من مدينة فوة .وفي يوم الخميس 5/جمادى الاخر 875 قبض الدوادار
الكبير علي عيسي بن بقر احد مشايخ الاعراب وامر بسلخه ،ثم امر السلطان بالتشفع
فيه اذا دفع عشرة الاف دينار وجاء البشير الي الضحية وهو يسلخونه فوجدهم قد
قطعوا قطعة من رأسه، فقال :انا اوزن ـ أي ادفع الدنانير ـ وانقذ نفسه .
واحيانا كان السلخ مرتبطا بالتشهير أي يطاف بالمسلوخين المساكين في شوارع
القاهرة ليتفرج عليهم الناس وينادي عليهم المشاعلي هذا جزاء من يفعل كذا ،وفي
النهاية يتم صلبهم حتي يموتوا امام اعين الناس !! . وفي يوم السبت 29 ذي الحجة
876 هـ طافوا في شوارع القاهرة بثلاثة مسلوخين من اكابر اعراب بني حرام كان قد
قبض عليهم الامير منصور من جوار غيط الشيخ ابراهيم المدبولي فسلخهم وجهزهم –
علي حد قول مؤرخنا –وبعد ان طيف بهم في القاهرة ارسلوا الي خارجها ليصلبوا
اياما .
وتفنن المماليك في جريمة السلخ ،فأحيانا كانوا يسلخون الضحية المسكين ثم يحشون
جلده تبنا او قطنا ويطوفون به مع جلده المحشو في الشوارع . ففي اواخر جمادى
الاول 875 هـ وصل ابن زوين كاشف الغربية ت أى حاكم وسط الدلتا ـ وصحبته شخص من
العربان يسمى عبد القادر حمزة مسلوخا وقد حشي جلده قطنا ومعه عدة رؤوس آدميين
مقطوعة، وسار يشهرهم الي ان وصل بهم الي بيت الدودار الكبير، وتصادف ان الامير
تمراز الشمسي رأى الضحية المسلوخ عبد القادر حمزة فعرفه وكان تمراز كاشفا
للغربية قبل ابن زوين وكان يحمي عبد القادر حمزة وصاحبا له , فلما رآه في ذلك
الحال ـ مسلوخا يطاف به فى القاهرة مع جلده المحشو قطنا والرؤوس المقطوعة
لأصحابه ـ هجم علي ابن زوين وضربه .
5-والجبروت المملوكي لم يكتف في القتل بقطع الرقبة وانما ابتدع التوسيط، وهو
قطع الضحية نصفين !! وطريقة التوسيط ان يعري المحكوم عليه بالاعدام من الثياب
ثم يربط الي خشبتين علي شكل صليب ويطرح علي ظهر جمل، وربما يطاف به في شوارع
القاهرة علي هذا الحال ،وهذا هو التشهير، ثم يأتي السياف فيضرب المحكوم عليه
بقوة تحت السرة، فيقسم الجسم نصفين من وسطه فتنهار امعاؤه الي الارض .
في يوم السبت 13/ذو القعدة /875 امر السلطان قايتباى بتوسيط ستة اشخاص من قطاع
الطرق وان يتم توسيطهم بقليوب ،فأشهروهم علي الجمال تحت قيادة الامير يشبك بن
حيدر صاحب الشرطة، وذكر صاحب الشرطة عنهم (انهم قتلوا رجلا بقليوب لأخذ ماله
وحرقوه بمستوقد ،وامثال ذلك من التهجم والقتل وقطع الطريق )ويستطرد مؤرخنا
قائلا (وذاك ذنب عقابه فيه، ووسطوا بقليوب او قربها، وعلقت جثتهم ليرتدع
امثالهم عن هذه الافعال المنكرة .رب سلم )
وفي يوم السبت او الثالث من ذي القعدة 876 هـ امر السلطان بتسمير اربعة من
العربان والمفسدين علي الجمال ،اثنان بالجيزة واثنان من غيرها ،واشهروهم بالبلد
،وسطوا منهم اثنين بباب النصر بالقاهرة لقربهم من اعراب بني حرام، ووسطوا اثنين
بمصر لقربهم من الجيزة .
وحيكت اساطير عن موضوع التوسيط ،يقول مؤرخنا ابن الصيرفى :"بلغني ان شخصا من
العربان يسمي ابن زعازع غضب عليه الدوادار الكبير لما بلغه من الجرائم والمفاسد
فأمر بتوسيطه ،فضربه المشاعلي بين يديه نحو سبعة عشرة مرة فلم يقطع فيه السيف
بل ينقلب ،وزعموا انه معه حرزا يحميه من التوسيط "".
|