From : mossad_Hegazy@hotmail.com
Sent : Saturday, August 6, 2005 6:18 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com


دراسة أمريكية تكشف العمليات الإنتحارية الإرهابية لا علاقة لها بالإسلام
مسعد حجازى – تورونتو – كنـدا
كاتب وصحفى مصرى – كندى




شهدت الشهور والسنوات الأخيرة ارتفاعا ملحوظا وزيادة مطردة فى الحوادث الإنتحارية الإرهابية فى مناطق مختلفة من العالم، وكان من الطبيعى أن يحتدم الجدل والنقاش فى العالم حول هذه العمليات بين ثلاثة فرق:

- فريق يرى أن هذه الأعمال هى إرهاب صرف وترويع وإزهاق لأرواح الأبرياء من المدنيين.

- فريق يرى أن العمليات الإنتحارية ليست إرهابا وإنما هى مقاومة شرعية.

- وفريق ثالث يرى أن العمليات الإنتحارية هى مقاومة شرعية، لكنها لو وقعت فى بلدهم فهى تعد إرهابا وليست مقاومة شرعية ( تفجيرات طابا وشرم الشيخ الأخيرة أصدق مثال على ذلك).

وتاهت الحقيقة بين وجهات النظر الثلاث إذ أن كل فريق يستند فى دعواه إلى حجج وأسانيد منطقية ودوافع ومبررات على الأقل مقبولة من وجهة نظره، وظل السؤال مطروحا وفى حاجة إلى إجابة حاسمة - جامعة ومانعة، وهذا هو ما حاولت القيام به جامعة شيكاغو فى الولايات المتحدة الأمريكية فى دراسة علمية أكاديمية، فكلفت البروفيسور دكتور روبرت بيب Dr. Robert Pape – أستاذ العلوم السياسية بالجامعة أن يقود فريق بحث من المتخصصين ضمن " مشروع العمليات الإنتحارية " لتقديم إجابة علمية ومحايدة وموضوعية عن السؤال المثير للجدل:

هل العمليات الإنتحارية تعد إرهابا أم هى مقاومة شرعية؟!!

استغرقت الدراسة الأكاديمية نحو عامين وخرجت نتائجها فى كتاب جديد صدر منذ أسابيع فى الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان: " يموت لينتصر: منطق العمليات الإنتحارية الإرهابية "، من تأليف دكتور روبرت بيب – عن دار نشر راندوم هاوس.

فى هذه الدراسة أو البحث العلمى قام بروفيسور روبرت بيب وفريق البحث الذى أشرف عليه بإعداد أول قاعدة بيانات إشتملت على جميع العمليات الإنتحارية الإرهابية التى وقعت فى العالم خلال ما يقرب من ربع قرن من الزمان، وعلى وجه التحديد إبتداء من عام 1980 وحتى أوائل العام الماضى 2004 .

خلال الأسابيع الأخيرة كانت هذه الدراسة الفريدة محل إهتمام بالغ من جانب قطاعات متنوعة من الباحثين والكتاب والمراقبين السياسيين فى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ونظرا لإهتمامى بالقضية موضوع البحث فقد تابعت عن كثب الكثير من التغطيات الأمريكية والكندية وتعليقات الباحثين على كتاب " يموت لينتصر "، ولقاءات بروفيسور روبرت بيب مع مختلف وسائل الإعلام الأمريكية والكندية، وأهمها فى رأيى هو اللقاء التليفزيونى الذى أجرته معه محطة C- Span الأمريكية لمدة ساعة كاملة، لمناقشة كتابه الجديد ومحتواه، وفتح حوار بين المؤلف وبعض المشاهدين من مختلف الولايات الأمريكية، وهذه المحطة مملوكة لإتحاد شركات الكيبل والإذاعة والتليفزيون الأمريكية، وتقدم برامج جادة وتعليمية وتثقيفية للمواطن الأمريكى فى مختلف المجالات، وخالية تماما من الفواصل الإعلانية التجارية، كما أنها المحطة التى تقوم بتغطية الجلسات اليومية للكونجرس الأمريكى وعلى الهواء مباشرة.

ومن الضرورى فى البداية أن نشير إلى أن بروفيسور روبرت بيب كما أوضح بنفسه فى اللقاء التليفزيونى لا ينتمى سياسيا أوعقائديا إلى أى حزب سياسى معين فى الولايات المتحدة سواء كان الحزب الجمهورى أو الحزب الديمقراطى، فهو أحيانا يصوت لصالح مرشح ديمقراطى وأحيانا أخرى يعطى صوته لمرشح جمهورى، وهذه نقطة فى غاية الأهمية إذ أن الكثير من الباحثين وأساتذة العلوم السياسية فى الولايات المتحدة ينتمون إلى أحد الحزبين الرئيسيين إنتماءا عقائديا وفلسفيا فتعترى معظم آرائهم شبهة الإنحياز أوالتعصب الحزبى، وبالتالى تفتقد إلى بديهيات وصفات الحيدة والموضوعية الواجب توافرها فى كل من يشتغل بالبحث العلمى الأكاديمى.

ويقول دكتور بيب أن الدراسة الميدانية التى أجريت فى مناطق مختلفة من العالم لم تستخدم اللغة الإنجليزية فى إجراء البحث، بل تم استخدام اللغات الأصلية للبلدان المختلفة التى شملها البحث مثل العربية والعبرية والروسية والتاميل وغيرها من اللغات لجمع أكبر قدر من المعلومات ليس فقط من الصحف اليومية والمجلات بل أيضا من مطبوعات ونشرات خاصة بالمنظمات والجماعات الإرهابية، وقد لاحظ بروفيسور بيب أن " الإرهابيين غالبا ما يتباهون بعملياتهم الإنتحارية فى محيط مجتمعاتهم المحلية، وهم يصدرون ألبومات صور وكتالوجات ومصادر معلومات أخرى كثيرة من شأنها أن تساعدنا كثيرا على فهم الهجمات الإرهابية الإنتحارية ".

وفى مقابلة صحفية خاصة وهامة مع مجلة " المحافظ الأمريكى" - The American Conservative يقول بروفيسور روبرت بيب " إن ثروة المعلومات التى أثمرتها الدراسة تخلق صورة جديدة عن أسباب ودوافع العمليات الإنتحارية الإرهابية، وأن الأصولية الإسلامية ، وعلى عكس ما يظن كثير من الناس ليست مرتبطة عن قرب بالعمليات الإنتحارية الإرهابية، فالذين لهم الريادة على مستوى العالم فى هذه العمليات هم جماعة " نمور التاميل " فى سيريلانكا والتى ربما لم يسمع بها الكثيرون ".

وهذه الجماعة كما يقول بروفيسور بيب هى جماعة ماركسية وعلمانية تماما، وتنحدر من أصول عائلات هندية فى مناطق التاميل فى سيريلانكا، وقد إبتكرت هذه الجماعة أسلوب الإغتيال عن طريق إرتداء الإرهابيين سترات مبطنة بالمتفجرات كما حدث فى العملية الإنتحارية الشهيرة التى إغتالوا فيها راجيف غاندى رئيس وزراء الهند فى مايو عام 1991 .

ويضيف بروفيسور بيب قائلا: " إن الفلسطينيين قد جاءتهم فكرة السترات المتفجرة ( الأحزمة الناسفة ) عن طريق جماعة " النمور التاميل ".

واذا كانت الأصولية الإسلامية ليست هى المعامل الرئيسى الدافع لهذه الجماعات فما هو هذا المعامل اذن؟!

يجيب بروفيسور بيب بأن: " الحقيقة الأساسية هى أن الغالبية العظمى من الهجمات الإنتحارية الإرهابية ليس مبعثها الدين بقدر ما هو تحقيق هدف استراتيجى واضح ألا وهو إجبار الديمقراطيات الحديثة على سحب قواتها العسكرية من الأراضى التى يعتبرها الإرهابيون وطنهم، فمن لبنان إلى سيريلانكا إلى الشيشان إلى كشمير إلى الضفة الغربية فإن 95 فى المائة من كل الحوادث الإنتحارية التى وقعت كان لها هدف أساسى ألا وهو إرغام " دولة ديمقراطية " على الإنسحاب ".

كتاب " يموت لينتصر: منطق العمليات الإنتحارية الإرهابية " يعتمد فى أساسه على دراسة 315 عملية إنتحارية تمت فى العالم بين عامى 1980 و 2003 على يد جماعات مختلفة من الإسلامويين ونمور التاميل والسيخ والأكراد، ومن كل البيانات التى حصل عليها فى دراسته توصل دكتور بيب الى نتيجة تتلخص فى وجود صلة ضئيلة جدا بين العمليات الإنتحارية الإرهابية والأصولية الإسلامية أو بين أى دين آخر فى العالم.

وتشير الدراسة إلى أن الدين نادرا ما يكون السبب الرئيسى للعمليات الإنتحارية الإرهابية إلا أنه غالبا ما يستخدم من قبل الإرهابيين كأداة لتجنيد إنتحاريين جدد.

فى الواقع أن هذا الكتاب أو الدراسة تدحض كل مزاعم وإدعاءات رجال السياسة سواء فى إسرائيل أوالمنتمين لفريق المحافظين الجدد فى الولايات المتحدة الأمريكية وتنسفها من أساسها، فلطالما إدعت إسرائيل وجماعة " المحافظون الجدد "بأن الأصولية الإسلامية هى الخطر الذى يهدد الغرب وهى المسئولة عن العمليات الإنتحارية والإرهاب الدولى، وفى إنتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة بنى الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش حملته الإنتخابية على مايسمى بحربه ضد الإرهاب، وفى تبريره لغزو العراق أعلن بوش مرارا وتكرارا أنه يفضل محاربة ما يسميهم " بالإرهابيين " على أرضهم وحتى لا يضطر إلى محاربتهم داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

وبطبيعة الحال كان من السهل على إسرائيل وجماعة المحافظين الجدد حماية مثل هذه الأكاذيب والمزاعم الباطلة، فكل من يحاول تفنيد ودحض أكاذيبهم يشهرون فى وجهه على الفور تهمة معاداة السامية حتى ولو كان يهوديا معتدلا.

ويقول دكتور روبرت بيب إن سياسة إستخدام القوة العسكرية الأمريكية الكاسحة لتغيير أنظمة حكم فى بلدان إسلامية لإحلال الديمقراطية ومفاهيم أمريكية أخرى هى سياسة غبية وحمقاء من شأنها أن تزيد من خطر العمليات الإنتحارية الإرهابية وتشجع على مجىء الإنتحاريين إلى الولايات المتحدة لا العكس.

لقد قام مؤلف الكتاب بروفيسور بيب بتوضيح المنطق الكامن وراء العمليات الإنتحارية التى وصفها بأنها سلاح فعال تلجأ إليه قوى لديها شعور بالنقص وهى تحارب قوة أخرى هائلة أو قوة عظمى.

ويضيف بروفيسور بيب قائلا: " إن الجماعات التى تستخدم أسلوب العمليات الإنتحارية تلعب على مراهنات إستراتيجية، وأن الهدف منها هو إحراز النصر وليس مجرد التدمير أو الموت ".

إن العمليات الإنتحارية الإرهابية وكما يقول بروفيسور بيب هى رد على إحتلال أجنبى بدلا من إعتبارها نتاجا للأصولية الإسلامية.

بإختصار يريد أن يقول المؤلف أن الولايات المتحدة تواجه عدوا صبورا له منطقه ويعرف هدفه الإستراتيجى بوضوح، فهو يهاجم لأنه يشعر بأن وجوده وثقافته وهويته تتعرض للخطر، وهذا يفسر كما يقول بروفيسور بيب لماذا يحظى الإرهابيون بشعبية وتأييد وإحترام فى بلدانهم الأصلية لأنهم ينظر إليهم على أنهم يدافعون عن أوطانهم ضد خطر أجنبى

كذلك توضح الدراسة أنه لا يوجد سبب يشير إلى إمكانية تجفيف منابع العمليات الإنتحارية وتجنيد إنتحاريين جدد طالما أن المجتمعات التى ينتمون إليها تعتقد بوجود خطر وتهديد خارجى يهدد وجودها ذاته.

إذن ما الحل؟!

يقدم دكتور روبرت بيب فى كتابه حلا يصعب على معظم السياسيين فى الولايات المتحدة الأمريكية هضمه أو تنفيذه لوقف العمليات الإنتحارية الإرهابية أو وضع حد لها يتلخص فى الآتى:

- أن تقوم الولايات المتحدة بقتل أكبر عدد ممكن من الإنتحاريين الإرهابيين، وفى نفس الوقت تعمل على إنهاء كل أشكال الوجود العسكرى الأمريكى أو الإسرائيلى فى البلدان الإسلامية.

- أن تتبنى الولايات المتحدة سياسة جديدة للطاقة تعمل على إيجاد مصادر أخرى وجديدة للطاقة تقلل من الإعتماد الأمريكى على البترول العربى.

ما يعرفه بروفيسور بيب ولم يذكره فى كتابه هو أنه خلال العقود الثلاثة الماضية، ومنذ الحظر البترولى العربى فى أثناء حرب أكتوبر 1973 ورجال السياسة والإقتصاد فى الولايات المتحدة الأمريكية يتحدثون فى كل حملات إنتخابات الرئاسة الأمريكية عن ضرورة تبنى سياسة جديدة للطاقة تهدف الى البحث عن مصادر جديدة وإلى التقليل من الإعتماد على بترول الشرق الأوسط،، وبالرغم من ذلك لم يستطع أى رئيس أمريكى منتخب سواء كان من الحزب الديمقراطى أو الجمهورى أن يتخذ خطوات عملية لتنفيذ سياسة طاقة جديدة وذلك لأسباب كثيرة لعل أهمها هو النفوذ القوى الذى تتمتع به كبريات شركات البترول وشركات تصنيع السيارات الأمريكية العملاقة فهى التى تقاوم بضراوة وشراسة للحيلولة دون تنفيذ سياسة طاقة جديدة، كما أن هذه الشركات العملاقة هى الممول الرئيسى للحملات الإنتخابية فى الولايات المتحدة والتى بدونها يكاد يكون من المستحيل على أى مرشح للرئاسة الأمريكية أن يصل الى البيت الأبيض ويجلس فى المكتب البيضاوى.

لقد وضع أصحاب شركات البترول والسيارات فى الولايات المتحدة الأمريكية رجال السياسة فى جيوبهم وليس العكس.