From : amirs061@hotmail.com
Sent : Tuesday, August 9, 2005 9:37 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : حول وفاة الملك


الملك فهد وجون غرنغ والإعلام العربي
أمير أوغلو
 



تبين لي بعد وفاة الملك فهد أنني لا أفهم شيئا في السياسة ولا في الإعلام، فالحقيقة لم أكن أتوقع إطلاقا هذا التهافت الإعلامي المكتوب والمرئي والمسموع على مديح الملك الراحل وتعداد إنجازاته وأعماله وتاريخ حياته وسياسته الداخلية والخارجية واهتماماته الثقافية والإجتماعية والأخلاقية والدينية والتربوية .

 

 لم أفتح قناة فضائية عربية في الأيام الثلاثة التالية للوفاة إلا وكانت صورة الملك بادية في الخلفية أو في المقدمة أو على الجانب الأيمن الأعلى من الشاشة أو على النصف اليساري وبجانبه المذيع أو المذيعة الذي تكاد الدموع تطفر من عينيه حزنا على الملك الراحل.

 

 كل الصور كانت بالطبع لملك في الثلاثين أو الأربعين من عمره أما صور السنوات الأخيرة فاختفت من الشاشة نهائيا لغاية في نفس يعقوب.


بحسب علمي كان الملك منذ عشر سنوات مريضا إلى درجة أنه لا يستطيع اتخاذ أي قرار على أي مستوى، ولذلك تولى الأمير عبد الله إدارة شؤون الدولة وكنا لا نرى الملك الراحل إلا في كرسي يحملق ببعض الزوار المهمين الذين يسمح لهم بزيارته أمام عدسات الكاميرات السعودية، وكان كل المطلعين على الأحوال الداخلية في المملكة يؤكدون أن الملك لم يكن يعرف في كثير من الأحيان من يزوره أو من يسلم عليه. وكان الكثيرون لا يفهمون ما هي فائدة بقائه في الحكم وما فائدة المنصب الشكلي للأمير عبد الله ولماذا لا يعين ملكا طالما أن الملك الحقيقي لا يستطيع إدارة شؤون المملكة. فماذا تغير بعد وفاة الملك حتى تُجير كل الإنجازات في السنوات العشر الأخيرة إلى حسابه ويصبح الإنفتاح ومقاومة الإرهاب والتقدم وارتفاع اسعار النفط والعلاقات الممتازة مع أمريكا وكل ما سمعناه من إنجازات، يصبح كل هذا فجأة من هباته وحكمته وعلمه وسعة أفقه؟


لقد نسي الجميع حرب الخليج الثانية التي انطلقت من السعودية، ومشكلة إحضار الأمريكان وإنشاء القواعد والحصار الرهيب على العراق والذي أودى بحياة مليون طفل عراقي، ومشاكل جامعة الدول العربية, ونسي المشايخ الذين يمدحون كل ما قام به الملك اليوم، كيف زج بهم في السجن عندما اعترضوا على دخول القوات الأمريكية لتحرير الكويت.

 

 نسي الجميع الميزانيات التي لم تعد تصدر إلا في آخر السنة بدل أولها، ونسي الجميع القصور الممتدة في العالم العربي والغربي والفارغة والجاهزة لاستقبال الملك الذي لا يأتي.

 

نسي الجميع إغلاق المؤسسات الخيرية ومنع التبرعات إلا للدولة وملاحقة الأفراد ماليا وإيقاف الدعم عن أهل فلسطين.

 

 لم نعد نسمع سوى عن طباعة المصحف وتوسعة الحرم وكأن هذه منة من الملك، الذي كان مصنفا كأغنى إنسان في العالم، أن يطبع للمسلمين الذين يحكم باسمهم واسم المحافظة على دينهم، عددا من المصاحف توزع على الناس في مشارق الأرض ومغاربها وتوزع معها الكتب الوهابية التي تفقد القرآن كل معانيه الحقيقية وتجعل الدين كله عبارة عن لحى تطول ومساويك تبدو من بين الأسنان كالمدافع الموجهة ولباس قصير يحارب لباسا طويلا، هذا بالإضافة إلى تكفيرٍ وتبديعٍ وتفسيقٍ وتضليلٍ قًسًّم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى فئات متناحرة متشاكسة لا تكاد تلتقي على أمر من أمور الإسلام لا في شرق ولا في غرب.


نعود إلى المحطات الفضائية العربية التي أصرت على إتحافنا بصور الملك طوال ثلاثة أيام مع آيات من القرآن الكريم وبرامج عن إنجازات الملك الراحل. الخبر كان بنظر هذه المحطات أهم خبر سياسي في تلك الفترة علما بأنه سياسيا لو قارنا وفاة جون غرنغ بوفاة الملك لكانت نتائج وفاة الأول أخطر وأهم على السودان وعلى العالم العربي من وفاة ملك سيخلفه ملك يحكم عمليا منذ عشر سنوات لا تؤخر ولا تقدم في سياسة المملكة ولا في سياسة العرب ولا في سياسة العالم.

 

 المفاجأة والصدمة كانت أكبر عشرات المرات في وفاة مفاجئة لشخص قاد ثورة وحربا لمدة عشرين عاما وحصل بعدها على ما حصل عليه وصار نائبا للرئيس وكان أمامه الوقت ليصل إلى حكم السودان وحتى إلى تقسيمه، من وفاة الملك المتوفى أصلا سريريا منذ شهرين على الأقل والذي كان الناس ينتظرون فقط إعلان هذه الوفاة.


المحطات السعودية أو الممولة من السعودية كانت هي الأكثر اهتماما والأكثر إصرارا على إفهامنا بأننا خسرنا كل أمل في المستقبل بوفاة الملك، ولولا وجود الخليفة الملهم عبد الله لضاع المسلمون في الأرض ولتكالبت علينا الأمم ولضاعت فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال ولكن الله سلم وأرسل إلينا المنقذ الثاني الذي سيتابع عمل المنقذ الأول.

 

 محطات إقرأ والغربية والمستغِّلة (بالسوداني) كانت هي القمة في هذا الأسبوع وأعتقد أن نسب مشاهدتها انخفضت إلى عشرة بالمائة من النسب العادية, محطات باقي دول الخليج اكتفت بالقرآن وفاء للأخ الأكبر الذي يقود دول المجموعة الخليجية، أما المتمرد الوحيد فكان محطة الجزيرة التي أصرت على إعطاء الخبر قيمته الحقيقية وحافظت على مستواها الإعلامي المهني إن لم يكن وفاء للمهنة والجمهور فنكاية بالسعودية واستمرارا لخط التنافس بين الدولتين الصديقتين اللدودتين.


تتمة النفاق جاء من الهيئات والمؤسسات العربية وخاصة الرسمية منها والتي راحت تتفنن في التعزية وإبداء حزنها وأسفها على أمل أن تحصل على مكافآت فيما بعد بطريقة ما أو أن تسجل نقاطا عند الملك الجديد، فتتالت على أسماعنا عبارات مثل: فجع العالم الإسلامي، وصدم المسلمون، وتلقينا ببالغ الحزن والأسى، وما إلى ذلك من عبارات النفاق والكذب والدجل. من الذي صدم بموت الملك ولم يكن يتوقعه وهو ميت أصلا؟ ومن الذي فجع وتيتم وترمل بموت ملك ميت منذ شهور؟


أتعس المناظر كان المذيعون والمذيعات الذين كانوا مجبرين على إظهار الحزن وأحيانا ذرف بعض الدموع المعدة في الأستوديو من قبل وأنا متأكد من أنه لو ماتت أم أو أب أي مذيع من هؤلاء بعد مرض عضال استمر عشر سنوات لن يفجع ولن يتأثر ولن يبكي أمام الجماهير وربما شعر بالإرتياح من أجلها ومن أجل نفسه هو أيضا ولكن المهنة لها ثمنها الباهظ أيضا.


لقد صار طبيعيا لدينا أن يحكمنا الأموات أو أشباه الأموات وأن يحكمنا أناس بلغوا أرذل العمر وحققنا الأرقام القياسية في بقاء الحاكم وطول عمره حتى تجاوز الثمانين دون أن نسأل أنفسنا ماهي القدرات الذهنية والجسدية لإنسان في الثمانين من عمره هل نحن من نوع البشر الخارقين أم من قوم نوح الذي عاش ألف سنة؟

 

 لقد خصص هيكل حلقة من برنامجه على الجزيرة في إحدى المرات ليثبت أن كل السياسيين في عالم البشر الطبيعيين لا يتمكنون من حمل أعباء الحكم لأكثر من عشر سنوات، ولكنه نسي مزارع العبيد حيث يلتصق الحاكم بالكرسي ويلتصق الكرسي بالحاكم فلا يعود للعمر أي دور في الموضوع.


متى ستنتهي عبادة الفرد في بلاد الإسلام والتوحيد ومتى سيصحو الناس وتصحو هذه الأمة إلى المصير الذي يقودها إليه هؤلاء الحكام المتجبرون المتسلطون الذين لا يحولون ولا يزولون؟ سؤال يجب طرحه على كل من شارك في جوقة المديح والنفاق في الأسبوع الماضي ونرجو أن يجيب عليه بينه وبين نفسه بصوت منخفض.

ملاحظة: مازالت جريدة الشرق الأوسط حزينة إلى اليوم ومازالت مقالات النفاق تتتابع إلى الآن وقد قرأت البارحة مقالا لثريا الشهري في حب الملك فهد لو عثر عليه أعضاء جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقيبتها لرجموها بتهمة الزنى، ولكن من الحب ماقتل كما يقال، وحب العبيد للأرباب لا حدود له.

أمير أوغلو / الدانمارك / 09 آب - أغسطس 2005
Amirs05@hotmail.com