From : p_programming@yahoo.com
Sent : Wednesday, July 27, 2005 1:53 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : to hit first article

قبل تعريف الإرهاب
هل تجهض الإدارة الأمريكية استراتيجية الحرب الاستباقية.
أحمد سالم أعمر حداد
باحث في العلاقات الدولية
جامعة محمد الخامس - أكدال-الرباط


بعد اختلال مفهوم النظام الدولي بسبب تداعيات التفجيرات الإرهابية السالبة على السلم و الأمن الدوليين، و بعد الانكماش الواضح لدور منظمة الأمم المتحدة و انحساره إلى مستوى الإدانة و الشجب ، أدان الأمين العام كوفي أنان تفجيري لندن ، وشرم الشيخ ، و طالب جميع الدول بضرورة وضع تعريف عاجل للإرهاب .دون أن يشير البتة إلى ، أن هذه التفجيرات مخرجات متوقعة نتيجة لانخراط المنظمة في عملية إصباغ الشرعية المجانية على مجموع الحروب الاستباقية To hit first ، التي شنتها الولايات المتحدة تحت بنط مضلل يسمى الحرب على الإرهاب ، ويتحمل المسؤولية كل الدول التابعة follows not alliens التي استطاعت الإدارة الأمريكية إقناعها بالانخراط في الحروب الجديدة .و قد شملت هذه الحروب تقريا ، كل مكان في العالم ، ضمن واقع جديد أسست له إدارة بوش ، و عبر عنه بشكل دقيق الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون عندما قال : لأول مرة لم يعد ثمة فرق بين السياسة الداخلية و السياسة الخارجية. عندما اعتبر بوش كل العالم مجالا قمينا بأن تتخذه الإمبراطورية المطاطة، والفريدة، لتنشيط سياساتها وأهدافها التوسعية .
بيد أن السؤال الأكثر إلحاحا اليوم ، و العالم يبحث عن السلم و الأمن الفردي و الدولي و قبل التمادي في تجاهل خطورة الأوضاع العالمية التي تتجه كل التطورات إلى دمغها بالفوضى ، عن طريق البحث في تعريف معين للإرهاب ، هل تجهض الإدارة الأمريكية محدد الحروب الاستباقية ، بعد أن ثبت فشلها في ردع الفاعل الإرهابي ، بل يمكن الزعم على الأقل منهجيا ، بسحبها مجموعة من التداعيات الخطيرة على الأمن العالمي ، بعد أن تحول أي مكان في العالم رقعة افتراضية لنشاط الآلة العسكرية الأمريكية ؟ .
يستند هذا التفاؤل السياسي على فرضية أن السياسة الخارجية الأمريكية تنشط بنوع من الدينامكية الواضحة ، وتغير من مقوماتها الاستراتيجية ، بشكل مرن Flexible ، و متسارع ، و بالتالي فهي سياسة تجانب الجمود . فمثلا انقلبت هذه السياسة و بحدة متناهية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر من واقع دعم وتقوية الأنظمة العربية على حساب قيم الديموقراطية ، إلى مهاجمة هذه الأنظمة و اتهامها بإنتاج العقل الإرهابي ، بسبب غياب الحريات ، ضعف مستويات التنمية و انتشار الفقر ، سوء مناهج التعليم ، و تمادت في استراتيجية الضغط على هذه الدول ، وتغييرها عن طريق التدخل المباشر كما حدث في العراق ، وبدرجة أقل لبنان ، أو عن طريق خلق مبررات تمهيدية لهذا التدخل كما هو الحال بالنسبة لسوريا ، أو إيران ، و بدرجات اقل أيضا ، بالنسبة لباقي الدول العربية ، عن طريق بنود مبادرة الشرق الأوسط الكبير .
1- يتقاسم الإرهاب ، و الحروب الاستباقية ذات الخاصية و هي : العنف Violence الموجه ضد المدنيين و الأفراد. بل و يمكن التمادي أكثر و سحب عنصري التخويف و الرعب على الحروب الاستباقية ، عند تذكر تصنيف معنا ، أو ضدنا ، وبالتاي تكون جميع الحروب السابقة منذ الحادي عشر من سبتمبر ، والحروب المتوقعة تمثلت أيضا العنصر المادي ، كخاصية للفعل الإرهابي كإلقاء القنابل و المتفجرات و أعمال التخريب ، أعمال الاستيلاء و الخطف ، خاصة و أن هذه الحروب عادة ما تشن من طرف واحد ، و بالتالي حسب القانون الدولي – رحمه الله – تدخل في طائلة أعمال العدوان و ليس الحرب . كما أنها تحتمل أيضا العنصر المعنوي المتمثل في : الأثر النفسي الذي تحدثه الحروب الاستباقية في نفوس عامة الناس ، رعايا الدول التي تتلقى القنابل ، أو التهديد و الوعيد . و عند الاستناد إلى التحاليل المميزة لخبير شؤون الحرب Clausevitz التي عبر عنها من خلال كتابه الوجيز في الحرب ، حيث أشار إلى أن السياسة هي الرحم الذي تنمو فيه الحرب ، وتختفي فيه الملامح التي تكونت بصورة آلية ، كما تختفي خصائص المخلوقات الحية في أجنتها . يمكن اعتبار العنف الاقتصادي المصاحب للحروب الاستباقية ، من خلال إقدام الإدارة الأمريكية على العديد من عمليات العقوبات الاقتصادية الواسعة ، من قبيل وقف التبادل التجاري ، وتجميد الأصول المالية ، أو الحد من المشاريع الاستثمارية ، كنوع من العقاب الفريد لمجموع الدول الرافضة للانخراط ضمن ضرورات الحروب الاستباقية ، و ما تصبو إليه الإدارة الأمريكية سياسيا ، أمنيا ، أو ربما اقتصاديا .

2- إن المزيد من البحث الجاد في أسباب نمو الفطر الإرهابي، المصحوب بنوع من التجرد الفكري و السياسي ، و حتى الديني ، يقود إلى معضلة منهجية حقيقية ، فإذا كان Clausevitz العميق في تحليلاته ، يفضل اعتبار الحرب نزاع بين المصالح الكبرى يسويه الدم ، و بهذا وحده تختلف عن النزاعات الأخرى . و من الأفضل مقارنتها بالتجارة ، التي هي أيضا نزاع بين المصالح و النشاطات البشرية . و بالتالي فهي أكثر شبها بالسياسة التي تعتبر بدورها ، ولو بجزء أقل ، نوعا من التجارة على مستوى عال .
و هي مقارنات رصينة تقودنا إلى اعتبار الحرب النوعية التي يشنها الفاعل الإرهابي، تخدم بشكل واضح تجارة الحروب الاستباقية ، و هي رأس مال اقتصادي و نوع من السياسة الجادة ، وأعلى درجات نشوء و ارتقاء الحروب الأمريكية ، أو تجارة تحركها جهات معينة ، تلبس لبوس الدين تارة ، ولبوس السياسة ، والعدالة تارة أخرى .

3- تؤدي بنا الفرضية السابقة إلى دمغ جميع الذرائع التي تقدمها الإدارة الأمريكية كمبررات لحروبها بالعبثية ، المخادعة ، وتعليب الرأي العام و تضليله ، و تلبيس على الحركية الغائية لهذه الحروب . من قبيل الاحتجاج و تقمص النبل، و تقديم مبررات من قبيل نشر القيم الإنسانية المشتركة Chared values ، كالديموقراطية ، ثقافة حقوق الإنسان ، حرية التعبير ، جودة التعليم . من جهة أخرى تعرية مخاطر الترويج الإعلامي المطلق ، بما يحمله من غايات سالبة ، و مشاكل منهجية ، تهدف إلى إلصاق محدد الدين الإسلامي ، بالفاعل الإرهابي ، و هي أفكار تغذت عل نظريات غربية ، وليست إسلامية ، من قبيل صراع الحضارات لصموئيل هانتغتون التي أطلقها سنة 1993 .
فكيف يفسر أن العالم عرف قبل القاعدة ، جماعات إرهابية لا يزال جلها ينشط إلى الآن ، تذرعت بأسباب سياسية ، دون أن يتم تصنيفها على أساس ديني ، ونذكر من بينها : ايتا الباسكية ، الجيش الجمهوري الايرلندي ، منظمة الشبيبة الحمراء ، منظمة كارلوس ، الألوية الحمراء ...الخ .

4- عند الاستعانة بلغة الأرقام ، تعتبر الحروب الاستباقية أكثر تدميرا من مجموع العمليات الإرهابية المحدودة ، إذ لا تتجاوز هذه الأخيرة العنف الفردي الإجرامي الغاضب ، الذي يحاول ردع العنف الرسمي الذي تمارسه الإدارة الأمريكية ، و من دار في فلكها من دول تابعة ، فعلى سبيل المثال لن تقارب الجرائم الإرهابية بأي حال من الأحوال الأرقام التالية التي خلفها احتلال العراق إلى حد الآن ، ذلك أن الإحصائيات تشير إلى مقتل أكثر من مليون طفل عراقي ، وأكثر من 150 ألف مدني غير مقاتل ، فضلا عن استعمال الأسلحة المجرمة بموجب قانون الحرب ، وانتشار الأمراض ، إتلاف مساحات زراعية واسعة، وأثار مدمرة على مستوى الثقافة و التاريخ ، إذ أتلفت المتاحف ، وقتل العديد من العلماء و المفكرين ، وتفاقمت في ظل الاحتلال أفعال كانت تعتبر لصيقة بالإرهاب من قبيل التفجيرات ، الاعتقالات ، الاختطافات ، وتراجعت الحماية المفترضة لسلامة الصحفيين ، و ضمان ظروف تسمح لهم بالعمل السلس ، و نكلت الديموقراطية بالسجناء ، وانتهكت انسيا نتهم ، و جرحت مشاعرهم الدينية ، كما حدث في معتقلي :غواتنامو ، وأبو غريب.

5- بعد تفجيرات لندن الأخيرة، وتفجيرات شرم الشيخ، يمكن تبين بعض أسباب الإرهاب، فعلى المستوى الدولي يمكن حصر: اللجوء المفرط لاستعمال القوة بهدف انتهاك الاستقلال السياسي للدول، أو سيادتها، أو سلامتها الإقليمية، ومجموع عمليات التوسع و الهيمنة، التي يتم تقديمها سياسيا تحت يافطة الحرب على الإرهاب، و استراتيجيا في إطار الحروب الاستباقية . و على المستوى الداخلي يمكن حصر: هيمنة السلطة السياسية، غياب الديموقراطية، عدم احترام الحريات، و هي الأجواء التي تعيشها شعوب الأنظمة المطلقة.

6- تؤشر الملاحظات السابقة إلى فشل ، وخطورة جميع الفرضيات التي وظفت سياسيا ضمن تضليل الحرب على الإرهاب التي اشتغلت عليها الحروب الاستباقية ، خاصة و أن الفاعل الإرهابي لم يردع بعد ، بل تم منحه المزيد من المبررات ، كما يمنح هو ، في علاقة جدلية الحروب الاستباقية المزيد من المبررات ، مما أدى إلى إشاعة المزيد من الفوضى ، و العنف في العلاقات الدولية ، عندما ارتبط العنف بالحرب و العدوان و الأعمال المادية ، و ارتبط الإرهاب بالعنف ، و القتل ، وإعلاميا بالدين . و اختلط هذا الواقع بالمخلفات الاقتصادية السالبة التي تسحبها العولمة على الشعوب، فأكثر من ثلثي البشر من سكان العالم، يعيشون في الفقر و التبعية، ومئات الآلاف من المواطنين يموتون في إفريقيا، واسيا بسبب المجاعة، وسوء التغذية.

إذا كان أرسطو 384-322 ، قبل قرون عدة من الزمن ، قد وصف تطور المجتمع السياسي بأنه انتقال من العائلة إلى القبيلة ، ثم إلى المدينة – بوليس- ، في خاتمة التطور على أساس أنها الشكل السياسي الأكمل ، والنهائي للتطور البشري . و أضاف ميكيافيللي 1469-1527 ، و أسس لمفهوم الدولة- الأمة Nation state ، وتمكن توماس هوبز ، جون لوك ، جون جاك روسو ، من فض معضلة الأمن الفردي عن طريق العقد الاجتماعي ، و حاول العالم التأسيس لمفهوم الجماعة السياسية العالمية ، أو المجتمع الدولي ، عن طريق تجاوز فشل عصبة الأمم ، بتأسيس منظمة الأمم المتحدة ، وصياغة الميثاق الاممي ، بهدف كفالة جو من التعاون الدولي يضمن سلاما عالميا ، فان الحروب الأمريكية الاستباقية المطاطة ، تقوض مفهوم النظام ، و تهدم أي نوع من العلاقات ، أو التشابك بين عناصره ، و تنسف احتمالات أن يستند هذا النظام إلى دعائم قانونية .مما ينذر بانحدار الأوضاع العالمية إلى مستوى الفوضى Chotic ، فهل تتدارس الإدارة الأمريكية ، فرضية وقف مسلسل الحروب الاستباقية ، و البحث عن اكتساب قوة أخلاقية ، تجانب التحيز السياسي ، و تضمن استمرارية الإمبراطورية على دعائم أقوى ، فقد لا تحتاج دول العالم و شعوبها إلى تبديد الجهود في محاولة بائسة قديمة ، تهدف الاتفاق على تعريف معين للإرهاب .