بسم الله الرحمن الرحيم
ِِشجرة "الاخوان المسلمين" زرعها السعوديون فى مصرفى عهد عبد العزيز آل سعود.
د. أحمد صبحى منصور


فى أواخر التسعينيات كان الباحثون عن الرأى الجديد فى الاسلاميات من الصحفيين العرب والأجانب يتصلون بى وينشرون عنى. وكنت أجيبهم فى موضوعات تخصصى "القرآن الكريم وتراث المسلمين وتاريخهم ". الا ان بعض الاسئلة كانت تدور حول التطرف الدينى المعاصر والوهابية والدولة السعودية. ومع اننى ضحية للنفوذ الوهابى السعودى فى مصر الا أن هذا المجال كان بعيدا عن تخصصى العلمى الذى يتوقف عند نهاية العصر المملوكى وبداية الفتح العثمانى لمصر والمنطقة العربية حوالى 921 بعد الهجرة او 1517 بالميلادى.
كنت مكتفيا بتخصصى فى تراث المسلمين السنى والصوفى وتاريخ المسلمين فى العصر الوسيط دون العصر الحديث والمعاصر. وكالعادة وقفت فى منتصف الطريق بين المتخصصين فى التاريخ والمتخصصين فى التراث السنى والصوفى . المؤرخون يرون اننى شيخ عريق فى علوم القرآن والحديث والتفسير والتراث السنى والصوفى . بينما يهاجمنى خصومى من السنية على أننى " بتاع تاريخ وحضارة".
تناسى الجميع ان الباحث فى التاريخ الاسلامى لا بد أن يكون ملما بحقائق الاسلام وتراث المسلمين ومدى التقارب أو الاختلاف بينها وواقع المسلمين فى العصر الذى يبحثه. والذى يبحث مثلا ثورات الخوارج أو الشيعة فى العصر الأموى لا بد له من بحث الاطار الفكرى والعقيدى لحركتهم السياسية ـ هذا مع أن عطاءهم الأيدولوجى لم يكن قد تبلور حينئذ ـ فمابالك اذا بحث تاريخ الحركات الأخرى فى العصر العباسى وهو عصر تقعيد واكتمال الأيدلوجيات المذهبية والتى كانت المؤثر الحقيقى لتلك الحركات السياسية.
وتناسى الجميع أيضا أن الباحث فى علوم الفقه والحديث والتفسير محتم عليه أن يبحث الأرضية التاريخية التى عاش فيها أولئك الأئمة وأثرت علي عقلياتهم قبل أن يبحث تاريخهم الشخصى ومدارسهم الفكرية وعلاقاتهم بمن حولهم من الحكام والعلماء وحتى العوام. بدون الأرضية التاريخية يظل البحث فىالفقه أو فى التفسير والحديث ناقصا معلقا فى الفضاء بعيدا عن حقائق الواقع المعاش.
ولهذا كان لابد من المزج بين التاريخ والأصوليات فى الدراسات والأبحاث الأسلامية كى تتضح كل جوانب الموضوع وابعاده. وهذاما سرت عليه فى رسالتى للدكتوراه والتى كانت تبحث أثر الأيدلوجية الصوفية او التدين الصوفى فى العصر المملوكى بكل نواحيه السياسية والدينية والأخلاقية والأجتماعية والعمرانية والثقافيةوالتعليميةوالأدبية والفكرية والفنية والأقتصادية. وهو أيضا ما تجرى عليه مؤلفاتى والتى تحمل عنوان " دراسة تاريخية أصولية"
وبسبب ذلك النقص المنهجى فى الدراسات الاسلامية ـ التاريخية والأصولية ـ فانها لا تزال تتمتع بجهل فاضح يؤكده انهم يتجاهلون الفارق الأساسى بين الأسلام كدين الاهى والمسلمين كبشر يخطئون ويصيبون. ولا بد ان يتحمل المسلمون أوزارهم وليس الاسلام مسئولا عن هذه الأوزار لأنه أوامر ونواهى وقيم عليا ينبغى اتباعها والبشر أحرار فى الطاعة أو المعصية ومسئولون عما يفعلون.

منذ 1987 بعد خروجى من الأزهر وتحررى من قيودهم الفكرية عزمت على أن اتفوق عليهم وعلى الجميع بمؤلفاتى فى تاريخ المسلمين وفى تراثهم بكل تجلياته وفرقه منذ العصر النبوى الى نهاية العصر المملوكى . وجعلت نفسى حكما قاسيا على نفسى فى هذا التحدى . وقررت فيما بعد نجاحى فى هذا التحدى. وحققت مقالاتى المنشورة ومعاركى شهرة واسعة لى حيث كان يقصدنى الباحثون عن التجديد فى الفكر الاسلامى والذين يريدون رؤى اسلامية مختلفة عن كلام الشيوخ المستهلك والمعاد، والذين يريدون منى الرد على الفتاوى المحنطة والتى لم تعد صالحة للاستهلاك الآدمى .
على أن بعضهم كان يرى اننى استطيع أن أتكلم وأفتى فى كل شىء كما يفعل الشيوخ الجهلة الذين يفتون بجهلهم فى كل شىء من نواقض الوضوء وموجبات الغسل والحجاب والنقاب وتخضيب اللحية وتقصير الجلباب الى الدردشة على الانترنت ونقل الأعضاء والاستنساخ والحكم الشرعى للاستنجاء على سطح القمر.! لايستطيع أحدهم أن يقول لا أدرى .
سئلت مرارا عن الاخوان المسلمين والوهابية والتنظيمات الارهابية والى أى حد يختلف فكرها أو يتنوع ، والى أى حد يتفق مع جذوره الاولى فى العصور الوسطى. كنت أعتذر عن الاجابة لأن تاريخ العصر الحديث خارج تخصصى . وخجلت من نفسى من تكرار الاعتذار ، وقررت أن أدخل فى تحد آخر هو دراسة الجذور التاريخية والفكرية لمتطرفى عصرنا البائس. كان هذا قرارا هائلا لم أجد الوقت لتنفيذه لولا أن أدخلتنى الظروف فيه عنوة.
كانت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى جامعة القاهرة تجهز لعقد مؤتمر لبحث "ظاهرة الاسلام السياسى " وكلفت باحثيها بالكتابة فى المحاور المختلفة للموضوع ، ومعظمهم ينتمى للتيار السلفى نفسه ويمثل الجيل الثانى لمثقفى الأخوان المسلمين، وكان المؤتمر فرصتهم لتمرير ايدلوجيتهم باسم الاسلام دون أن يجادلهم أحد فى مدى تعبيرهم عن الاسلام ، وكان الوقت حينئذ معهم باعتبارهم "اسلاميين معتدلين ".
لذا تم تكليف باحثة غير متخصصة فى الاسلاميات لتكتب فى أهم محور وهو " ماهية الحركة الاسلامية وتوصيفها" وفى آخر لحظة اعتذرت الأستاذة . وكان الدكتور سعد الدين ابراهيم هو الذى يدير تلك الجلسة فاقترح عليهم دعوتى لأتكلم عشرة دقائق لمجرد سد الفراغ .
اتصل بى الدكتور سعد الدين ابراهيم ـ وقد كنت اعمل وقتها معه فى مركز ابن خلدون ـ وقال : هل تستطيع أن تجهز نفسك للحديث عشرة دقائق عن ماهية الحركة الاسلامية المعاصرة وتوصيفها ؟ قلت له :" اننى اختلف معكم فى وصفها بالحركة الاسلامية. انها تناقض الاسلام ولا تعبر عنه ، بل لاتعبر عن كل المسلمين ، انها تعبر عن الحركة الوهابية فقط ". قال: اذن أمامك الفرصة الآن لتقنعنا بوجهة نظرك. ونراك غدا على المنصة." قلت " لن احضر لأتكلم فقط ، بل سيكون معى بحث مكتوب اجهزه الليلة وألقيه شفهيا أمامكم غدا ان شاء الله تعالى".

وهذا ما حدث . قبلت التحدى ـ تحدى نفسى بنفسى ـ وقبيل فجر اليوم التالى كان البحث مكتوبا بخط يدى. وبعد الاستيقاظ فى اليوم التالى ذهبت به الى مقر كلية الأقتصاد والعلوم السياسية حيث مكان عقد المؤتمر وطلبت تصوير عدة نسخ من البحث وتم ذلك . وكانت ندوة رائعة فى عدد الحاضرين ونوعية النقاش . بعدها اعطيت نسخة من البحث للدكتور محمد سيد سليم الأستاذ بالكلية والمشرف على المؤتمر، أثارت اعجابه وأرست صداقة ـ على البعد ـ بيننا أعتز بها . وعلمت أن الكلية قد نشرت البحث أو ملخصا له.ثم نشر مركز ابن خلدون هذا البحث فى تقريره السنوى ، ونشرته أيضا المجلة الفصلية " الأنسان والتطور "وذلك تحت عنوان " بين التدين النجدى والتدين المصرى"و التى يملكها ويديرها الدكتوريحيى الرخاوى أحد كبار الطب النفسى فى الشرق الآوسط .
وشجعنى هذا على أن أمضى فى التحدى الى آخره فقررت تأليف كتاب كامل عن المعارضة السنية السعودية فى القرن العشرين. يبحثها اصوليا وتاريخيا : يبدا بالمعارضة التى قام بها الأخوان ــ أولئك الذين اسهموا مع عبد العزيز فى اقامة الدولة السعودية الثالثة ثم ثاروا عليه فأخمد ثورتهم ، ثم حركة المعارضة السلمية لناصر السعيد فى عهد الملك سعود ، وحركة جهيمان العتيبى فى عهد الملك خالد . وأخيرا الحركة المعاصرة التى قامت بها اللجنة الشرعية وانتقلت الى لندن بزعامة المسعرى والفقيه قبل انفصالهما. وهى الحركة التى انجبت اسامة بن لادن.
أنهيت هذا الكتاب مع نهاية سنة 2000 . ولا يزال مخطوطا .
والفضل يرجع الى البحث الأول عن ماهية ما يسمى بالحركة الاسلامية وتوصيفها، انه الذى شجعنى على اضافة العصر الحديث والمعاصر من تاريخ المسلمين الى مجال تخصصى .
وهذا البحث بين يديك الآن عزيزى القارىء



جذورالحركة السياسية السلفية الراهنة
فى رؤية تحليلية أصولية تاريخية
 

مقدمة عن المنهج:
السائد فى تحليل الحركة الإسلامية هو النموذج الغربى فى التحليل على أنها من أشكال الحركات الاجتماعية السياسية. وقد يجدى هذا النمط التحليلى فى بحث الظواهر الاجتماعية والسياسية الآنية التى تفتقر إلى جذور تاريخية وأصولية، وقد يجدى أكثر فى بحث الظواهر الاجتماعية والسياسية فى الغرب حتى ما كان منها متصلاً بالشئون الدينية لأن الشأن الدينى هناك جرى عزله فى الكنائس بعيداً عن التأثير الفعال فى المجتمع، علاوة على أن المسيحية ليست كالإسلام فى تشابكه السياسى والاجتماعى مع الحياة اليومية للمسلمين. ولذلك فإن المنهج الغربى فى التحليل يكون أصدق فى التعبير عن ظروف المجتمع الغربى بقدر كونه أبعد عن ظروفنا كمجتمعات تراثية، خصوصاً حين نبحث ظاهرة دينية لها جذورها التاريخية ولها طبيعتها الفكرية التى جرى استدعاؤها من أعماق الماضى لتصبح حية مؤثرة فى الواقع الراهن، وبالتالى فإن من الضرورى إجراء التحليل الجذرى دينياً وفكرياً وتاريخياً قبل بحث تجلياتها الراهنة وتشابكها مع الواقع السياسى والاجتماعى.
ومن الصعب هنا الإحاطة التاريخية والأصولية بجذور الحركة الإسلامية المعاصرة بشقيها الإصلاحى الإسلامى والثورى السلفى، كما أن من الصعب أيضاً مناقشة أفكارها فى ضوء القرآن وما كان عليه رسول الإسلام عليه السلام. ولذلك نكتفى بإعطاء فكرة سريعة تتمحور حول الجذور التاريخية والملامح الفكرية.*
الجزء الأول:
الجذور التاريخية للحركة الإسلامية المعاصرة بين "مصر" و"نجد":
أولاً: التدين المصرى الإسلامى بين الماضى والحاضر:
في البداية لا بد أن نفرق بين الدين والتدين . الدين لدينا هو الاسلام فى كتابه السماوى المنزه عن التحريف والمحفوظ بقدرة الله تعالى الى يوم القيامة. التدين هو موقف الناس من دين الله تعالى وتعاملهم معه ومدى تطبيقهم له والتزامهم به . الخلط بين الدين والتدين يوقع في أخطاء منهجية وخطايا دينية اذ تحمل الدين السماوى ـ وهو في الأصل وصايا ومبادىء عالية سامية ـ خطايا البشروأخطاءهم. بيد أن المسئول عن هذا الخلط بين الدين والتدين والمسئول أيضا عن الاساءة للاسلام وتحميله أوزار المسلمين هم أولئك الأئمة المسلمون فى القرون الوسطى الذين نسبوا آراءهم ورؤاهم البشرية الى الله تعالى ـ مدعين أنها أحاديث قدسية ـ أو نسبوها الى النبى محمد عليه السلام ـ زاعمين أنها أحاديث نبوية , وزعموا أن ذلك التدين البشرى ـ المكتوب بعد موت النبى محمد بعدة قرون ـ جزء من الدين الآلهى متهمين بذلك النبى محمدا بأنه ترك جزءا من الدين لم يبلغه ولم يدونه, بل نهى عن كتابته كما يروى أئمة ذلك التدين أنفسهم. الواقع العلمى المنهجى يؤكد أن ما يعرف بالسنة وبقية التراث الذى يعتبره الشيعة والصوفية مقدسا ليس الا كلاما بشريا منسوبا كذبا للوحى الآلهى ، وليس لله تعالى أى علاقة به الا علاقة المخالفة والتناقض. وقد كان اولى تنزيه الله تعالى ورسوله الكريم عن هذا التراث البشرى الذى يعبر عن أصحابه وعقلياتهم ومستواهم الفكرى والحضارى ولا يخلو من جهل وخبل وخرافات يضحك منها الحزين.هذا التدين السنى هو الأصل الذى نبتت فيه شجرة الحركة السلفية التى تحمل اسم الاسلام زورا وبهتانا فى عصرنا الراهن , وبسببها أصبح الاسلام متهما بالارهاب والتطرف .
ان ما اصطلح على تسميته إعلامياً بالتطرف الدينى وتجلياته من التعصب والإرهاب كان هو النوعية السائدة فى تدين العصور الوسطى لدى العالم الإسلامى والعالم الغربى المسيحى ماعدا مصر.
منطق التدين فى العصور الوسطى كان الحروب الدينية بين العالم الإسلامى والعالم المسيحى الغربى على المستوى الخارجى، والاضطهاد الدينى والمذهبى ومحاكم التفتيش على المستوى الداخلى، وتبادل الاتهام بالكفر على المستويين الداخلى والخارجى، بالإضافة للثورات والمظالم والاستبداد، ولكنها ترتدى زى الدين وتلتمس منه –بالتأويل والتزييف- شتى الأدلة والبراهين على مشروعية ما تذهب إليه من ثورة أو حرب أو قمع أو اضطهاد دينى أو مذهبى.
"مصر" وحدها التى كانت استثناء فى ذلك التدين فى العصور الوسطى، إذ قامت نوعية التدين المصرى على أساسين هما: الصبر والتسامح، الصبر على جور الحاكم والتسامح مع الآخر، صحيح أنه كانت هناك بعض حركات تعصب ضد أهل الكتاب، ولكنها كانت جملة اعتراضية فى التاريخ المصرى الإسلامى، علاوة على أنها كانت فى الأغلب- بفعل عامل خارجى-، مثل حاكم متعصب أو فقيه متعصب زائر، وسرعان ما تمر الأزمة ويعود الوئام، ويعود المصرى لما تعود عليه خلال تاريخه الطويل، إلى الصبر والتسامح والتندر على الظالمين وصراعاتهم وتقلب الزمن بهم صعوداً وهبوطاً.
وهذا التسامح المصرى فى العصور الوسطى كان مبعث الدهشة للرحالة والفقهاء الزائرين، خصوصاً من أتى منهم من مناطق تموج بالتعصب، وكل منهم كان يعبر عن دهشته من انصراف العابد إلى عبادته، والماجن إلى مجونه، وكيف تمتلئ المساجد بروادها والحانات بمرتاديها، ولا ينكر هذا على ذلك، وكل منهم مشغول بما هو فيه، نقرأ هذا الكلام فيما كتبه المقريزى فى الخطط عن شيخه العلامة ابن خلدون، وفيما كتبه الفقيه المغربى ابن الحاج فى "المدخل" عن شيخه العراقى، وفيم كتبه الرحالة المغربى ابن ظهيرة فى كتابه "الفضائل الباهرة فى محاسن مصر والقاهرة".(1)
ولذلك فإن المصريين فى العصر المملوكى لم يستجيبوا لدعوة ابن تيمية الذى لاقى رواجاً فى الشام حيث تسود الطائفية والتعصب، بل إن المذهب الحنبلى المتشدد الذى كان عالى الصوت فى الشام والعراق اختلف وضعه فى مصر، حيث تأثر بالتسامح المصرى فترك تشدده . ومن العجيب أنه فى الوقت الذى احتدم فيه الصراع المذهبى الفقهى فى الحجاز والشام والعراق فإنه كان من السهل فى مصر أن ينتقل فقيه من مذهب إلى آخر حسب أطماعه الوظيفية(2) وتلك الحالة عجيبة لم نر مثيلاً لها خارج مصر فى العصور الوسطى.
ولذلك فإن التصوف كان الأقرب إلى طبيعة التدين المصرى، لذا انتشر فيها وساد منذ القرن الخامس الهجرى . فقد احتوى التصوف كل العقائد المصرية القديمة وصاغها فى أشكال تحمل رموزاً إسلامية. واشترك المصريون جميعاً من أقباط ومسلمين فى تأدية نفس الطقوس وفى نفس المناسبات، كالموالد والقبور المقدسة والاعتقاد فى الأولياء والقديسين، وقد فصلنا الحديث فى ذلك فى كتابنا "شخصية مصر بعد الفتح الإسلامى"(3) وفى هذا الإطار كان التسامح مع الآخر، و"التسليم بحالته وطريقته" هو دستور التعامل فى مصر ، بينما كان "تغيير المنكر"بالقوة هو الدستور الآخر خارج مصر، حيث كان تغيير المنكر يتحول إلى ثورات عارمة فيما بين إيران والشام.
والخلاصة: أن مصر كانت متفردة فى العصور الوسطى بتدينها السمح وصبرها على جور الحكام، والغريب أن يدخل العالم إلى العصر الحديث ويخفت التعصب الدينى وتنتهى الحروب الدينية وتنحسر مفاهيم العصور الوسطى ولكنها تعود إلى مصر فى القرن العشرين الميلادى وهى تحمل معها نفس الملامح التى كانت رائجة خارج مصر فى القرون الوسطى، ومن الطبيعى أن نسأل عن السبب، والسبب هناك، فى منطقة "نجد" والدولة السعودية.
ثانياً: التدين فى نجد بين الماضى والحاضر:
منطقة "نجد" فى الجزيرة العربية هى نقيض مصر الثرية بمواردها، المنفتحة على العالم بموقعها، المعتدلة بمناخها، المتسامحة بشعبها . منطقة "نجد" متطرفة فى مناخها شحيحة فى مواردها منعزلة فى صحرائها لا يرى أهلها إلا أنفسهم، ولا يرون فى الأغراب إلا مجرد ضحايا للسلب والنهب حين يمرون على صحراء نجد من العراق إلى الحجاز. فى صحراء نجد القاحلة والواسعة عاش الأعراب على قطع الطريق، وكانت تأتيهم الفرصة الكبرى حين تنشأ فيهم أو تنتشر بينهم دعوة دينية تبرر وتبيح لهم القتل والسلب للآخرين على أنه جهاد. ولذلك كان استحلال الأعراب النجديين لدماء المسلمين المسالمين وأموالهم وأعراضهم فى التاريخ الاسلامى مرتبطا بثوراة نجد الدينية، تلك الثورات التى تخصصت فى التدمير وسفك الدماء. وما عدا الثورات ومشروعات الدول الدموية فإن تاريخ نجد العادى مجرد غارات داخلية فيما بينهم أو غارات سنوية عادية على قوافل الحجاج , أى مجرد غارات "علمانية" بدون شعارات دينية. ولكن تلك الغارات المعتادة استلزمت أن تسير قوافل الحجاج فى حماية جيش كامل، ويمكن التأكد من ذلك خلال الحوليات التاريخية العراقية للعصور الوسطى خصوصاً تاريخ المنتظم لابن الجوزى ت 597 هـ(4). ولقد تأثر ابن خلدون بتاريخهم الدموى فقرر فى مقدمته الشهيرة أن الأعراب هم أسرع الناس للخراب، وأنهم يحتاجون إلى دعوة دينية يستطيعون من خلالها استحلال الدماء والأموال والأعراض وإسباغ الشرعية على ثوراتهم واعتدائهم.(5)
وكما كانت لمصر خصوصيتها فى العصور الوسطى بتسامحها وصبرها وتأثيرها الإيجابى فى التاريخ الإسلامى، كذلك كانت لمنطقة نجد خصوصيتها فى العصور الوسطى بتطرفها ودمويتها وثوريتها وتأثيرها السلبى فى التاريخ الإسلامى.
وهنا نعطى محطات سريعة نقرأ فيها التاريخ الإسلامى بايجاز "قراءة جغرافية" أو "قراءة نجدية ":
1- فى "نجد" بدأ التطرف مبكراً حين كانت المركز الأساسى لحركة الردة، ففى سهل حنيفة ظهر مسيلمة الكذاب وتحالفت معه سجاح التميمية، ولنتذكر أنه فى نفس سهل حنيفة ولد وعاش محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية فيما بعد. ولقد وصف القرآن الكريم معظم الأعراب بأنهم أشد كفراً ونفاقاً (التوبة: 97) وقد خضع الأعراب لقوة المسلمين وسالموها، مع أن الإسلام لم يدخل قلوبهم بعد (الحجرات: 14) فلما توفى النبى عليه السلام وتولى أبو بكر تمردوا على الدولة فى حركة حربية هادرة مركزها "نجد" وهاجموا المدينة، فليس صحيحاً أن أبا بكر حارب المرتدين، وإنما الصحيح أن المرتدين هم الذين حاربوا أبا بكر والمسلمين. وبعد إخماد حركة الردة بصعوبة بالغة رأى أبو بكر أن يتخلص من بأس الأعراب النجديين بتصدير قوتهم الحربية إلى الخارج شمال نجد , فكانت حركة الفتوحات العربية إلى شمال نجد فى العراق أولاً، ثم الشام وإيران . وتكونت جيوش الفتوحات من أغلبية من الأعراب (المرتدين سابقاً) وقيادة من الأمويين القرشيين (المعاندين سابقاً) ذلك أن الأمويين رأوا أن مصلحتهم السياسية والاجتماعية تحتم عليهم الدخول فى الدين الجديد، وسارعوا بتقدم الصفوف الأولى فى الفتوحات بما لديهم من خبرة حربية ومعرفة بطرق التجارة وصلات وثيقة بالقبائل العربية فى الشام وعلى الطرق التجارية. وانتهت الفتوحات وقد أصبح الأمويون يحكمون الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا باسم الإسلام، وفى خلافة عثمان سيطروا عليه، ومن خلاله انتقموا من أعدائهم السابقين فى الإسلام، مثل عمار وابن مسعود، وكان من السهل أن يمر ذلك كله عادياً لولا أن الأمويين فى خلافة عثمان اصطدموا بأعراب نجد فكانت الفتنة الكبرى، تلك الفتنة التى لازلنا نسيرفى نفقها المظلم حتى الآن.
2- كانت قضية "السواد" هى بداية الفتنة الكبرى . والسواد هى الأرض الزراعية الواقعة بين نجد والعراق، وكان أعراب نجد يتطلعون إلى امتلاك "السواد" لأنها الأقرب إلى موطنهم وحيث كانوا يغيرون عليه قبل الإسلام ويحلمون بامتلاكه، ولكن الأمويين لم يسمحوا لهم بذلك واعتبروا "السواد" "بستان قريش"، فاشتعلت الثورة، وقتل ثوار نجد عثمان بعد أن حاصروه، ونصبوا "علياً" خليفة، واشتعلت الحروب الأهلية، وفيها كان أعراب نجد هم عماد جيش على، ثم ما لبثوا أن خرجوا عليه وقتلوه وأصبح اسمهم الخوارج، وتفرقوا يرفعون لواء الحاكمية "لا حكم إلا لله" ويقتلون المسلمين المسالمين فى العراق وإيران، وأرهقوا الدولة الأموية بثوراتهم مما ساعد فى سقوط الأمويين سريعاً أمام العباسيين، وخفت صوت الخوارج بعدهم.ولكن بعد أن أرسوا عمليا مبدأ الحاكمية. صحيح ان ثقافتهم البسيطة لم تسمح لهم بتقعيده وتنظيره ولكنهم طبقوه عمليا ودمويا على المسلمين غير المحاربين فى الأسواق والتجمعات السكنية بعد اصدار قرار نجدى باستحلال دماء كل المخالفين لهم فى المذهب والعقيدة. والاستحلال هو المبدأ النجدى الأصيل فى التعامل مع الاخر ، فهم يستحلون دمه وماله وعرضه حين يغيرون عليه فى غاراتهم العادية – العلمانية – بدون الحاجة لفتوى أو مسوغ دينى، أما حين تقوم فيهم دعوة دينية فانه يجرى تبريرنفس الاستحلال وانواعه بفتاوى وأحاديث منها " جعل رزقى تحت ظل رمحى"
3- وعاد عرب نجد للثورة مرة أخرى فى العصر العباسى بعد أن ملوا من الإغارة الروتينية على الحجاج، ووجدوا الغطاء الدينى فى دعوة المغامر على بن محمد فاتبعوه، مع أغلبية من الرقيق الزنوج فيما عرف بثورة الزنج التى خربت جنوب العراق طوال خمس عشر سنة (255-270) هـ الى أن تم اخمادها بصعوبة بالغة. ثم ما لبث أعراب نجد أن اشتعلت ثورتهم هادرة تحت اسم القرامطة، وامتدت غاراتهم إلى العراق والشام والحدود المصرية، ولم تنج الكعبة من تدميرهم، وقد سبقوا المغول فى سياسة الأرض المحروقة، أو إبادة كل الأحياء فى المدن التى يستولون عليها، وقد شهد المؤرخ الطبرى جانباً من فظائعهم وسجلها فى الجزء العاشر والأخير من تاريخه فيما بين (286-302) هـ واستمرت فظائعهم بعد الطبرى بقرنين تقريباً حتى تغلب عليهم أعراب المنتفق.
4- وبعد القرامطة عاد أعراب نجد إلى ما اعتادوه من قطع الطريق على الحجاج والاقتتال فيما بينهم، إلى أن ظهر فيهم محمد بن عبد الوهاب بدعوته الدينية وتحالف مع ابن سعود، وكان أهم بند فى التحالف بينهما (الدم الدم، الهدم الهدم)، وأعطاه ابن عبد الوهاب تشريع الاستحلال بعد أن اتهم كل المسلمين الآخرين بالكفروجعل ذلك الاتهام مبررا دينياً للغزو والتوسع، وبذلك قامت الدولة السعودية الأولى، ونشرت السلب والنهب وسفك الدماء فى الجزيرة العربية وحول الخليج وفى العراق والشام، إلى أن اضطرت الدولة العثمانية للاستعانة بواليها على مصر" محمد على باشا" فقضى على الدولة السعودية ودمر عاصمتها "الدرعية" سنة 1818 م.
أى عدنا من "نجد" إلى "مصر" لنعثر على الجذور الحديثة للتطرف الدينى أو الحركة السلفية السياسية.
ثالثاً: الصراع بين التدين المصرى والتدين النجدى:
الظروف العالمية فى الصراع الإسلامى الغربى هى التى أدت إلى تلك المواجهة بين مدرستين مختلفتين فى التدين، مدرسة مصر، ومدرسة نجد.
بدأ هذا الصراع العالمى بالفتوحات العربية التى حملت راية الجهاد الإسلامية زورا وبهتانا ، ثم أعقبه الغرب بحركة استرداد امتدت من الأندلس إلى آسيا الصغرى وحملات بيزنطية كانت تصل إلى حلب ودمشق، ثم تطورت حركة الاسترداد الغربى لتصل إلى حركة استيطان صليبى فى الحروب الصليبية، ثم تطورت أكثر إلى حركة عالمية للكشوف الجغرافية، ثم الاستعمار الحديث.
ومرحلة المواجهة بين نجد ومصر تقع ضمن توابع الزلزال الذى أحدثته الحملة الفرنسية على مصر والشام، تلك الحملة التى أفاق منها المسلمون المصريون على تقدم العدو الأوروبى {الكافر} الذى اقتحم على المسلمين ديارهم، وللرد على ذلك التحدى ظهر الاتجاه المصرى لليقظة والاصلاح بعد الحملة الفرنسية ، وقبلها ظهر الاتجاه "الاصلاحى" الآخر فى نجد فى الحركة الوهابية يريد الاصلاح بالعودة للسلف الصالح. ثم اصطدم الاتجاهان فيما بعد.
مصر حسب شخصيتها اختارت اتجاهها مع الوالى محمد على بالانفتاح على الحضارة الحديثة والاستنارة الدينية التى بدأها الطهطاوى، ثم تطورت على يد محمد عبده إلى رؤية إصلاحية إسلامية فوق المذهبية وفوق التراث الصوفى والتراث الفقهى أيضاً، رؤية تحتكم إلى القرآن الكريم فى إيجاد أيديولوجية إسلامية للدولة المدنية تلائم العصر ومنجزاته. ومصر بشخصيتها تتيح للعلماء حتى الوافدين منهم مناخ الاجتهاد والعبقرية، فعلت ذلك مع الشافعى والقرطبى والشاطبى وغيرهم من العلماء المصريين الآخرين بالمولد والنشأة، ولذلك كان طبيعياً أن تكون الاستجابة المصرية للتحدى الغربى انفتاحاً على التقدم الآتى من العدو الغربى على قاعدة التسامح، واجتهاداً فى الفكر الدينى يوثق الصلة بين الثوابت الدينية وثقافة البحر المتوسط على نفس قاعدة التسامح.
ولذلك لم يجد الوالى الطموح "محمد على" مشقة فى القضاء على أعمدة النظام القديم، من المماليك والحامية العثمانية وشيوخ الأزهر، وكان طبيعياً أن يرحب بالقضاء على الدولةالوهابية السعودية الوليدة فى نجد لأن دعوتها التراثية الماضوية الرجعية لا تختلف عن خصوم محمد على داخل مصر، ولذلك استجاب سريعاً للسلطان العثمانى وأرسل الحامية العثمانية بتقاليدها العسكرية البالية لتحارب الوهابيين السعوديين فى نجد ويتخلص من غبائها وهمجيتها وفوضويتها، وليضرب عصفورين بحجر واحد، حتى ينشئ جيشاً حديثاً يكون قوام الإصلاح والتحديث فى مصر.
ولم يهتم محمد على بأكثر من القضاء العسكرى على الدولة السعودية، ثم انشغل بمشروعه الطموح فى مصر، ولم يدرك أن دولة دينية أيديولوجية مثل الدولة السعودية لا يكفى مجرد القضاء عليها عسكرياً بل لابد من مواجهتها فكرياً وثقافياً، ولم يعرف أن تلك الدولة التى قضى عليها عسكرياً سيأتى الوقت الذى تغزو فيه مصر فكرياً ومذهبياً.
لقد عاشت الدولة السعودية الأولى حوالى قرن من الزمان (1745-1818)م، وقد بدأت فيها مبكراً الاستجابة للتحدى الغربى ، قبل حملة نابليون بنصف قرن تقريباً، لأن النفوذ الإنجليزى فى الخليج وجنوب العراق وتخاذل العثمانيين أمامه كان يجرى أمام أعين أهل نجد، وهم بطبيعتهم يكرهون الغرب والغريب ولا يخضعون للأتراك إلا مكرهين، وإذا كان أسلافهم قد ثاروا على الخلفاء العرب من قريش تحت شعارات دينية فإنهم فى مواجهة الخلفاء العثمانيين وتخاذلهم أمام الغرب الكافر مستعدون للثورة بشرط أن توجد لهم أيديولوجية دينية، وهكذا كان الجو مستعداً لقيام الدولة الوهابية السعودية، كما كانت الظروف مهيأة لقبول الدعوة خصوصاً بعد تعاظم التدخل الغربى بالحملة الفرنسية ومناهضة انجلترا لها.
ولذلك فإنه لم يكن منتظراً أن تنتهى الدعوة الوهابية بعد سقوط دولتها السعودية الأولى وتدمير عاصمتها الدرعية، وقتل حاكمها فى الأستانة. فقد استطاع زخم هذه الدعوة أن يعطى لأهل نجد تميزاً على غيرهم، إذ اعتبروا غيرهم من المسلمين كفاراً يعبدون الأضرحة والأوثان، لذا كان سهلاً أن تستطيع الدعوة الوهابية أن تقيم الدولة السعودية الثانية سريعاً (1821-1889)م، ولكن تصارع الأمراء السعوديين جعل هذه الدولة الثانية محدودة الأثر وأسقطها فى النهاية.
وأخيراً قامت الدولة السعودية الثالثة بقيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن فيما بين (1902-1932)م، وخلال سنوات التأسيس هذه كانت لعبد العزيز رؤيته الواضحة فى إرساء دعائم الدولة الثالثة حتى تستمر ولا تسقط مثل الدولتين السابقتين . وتتلخص هذه الرؤية فى التمسك بالأيديولوجية الوه