From : abushadijamal@hotmail.com
Sent : Tuesday, August 2, 2005 8:53 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : جنازة كليب
 

جنازة كليب
عاش كملك ... ومات كمواطن
جمال ابو شادي


توفي الملك فهد عن ثروة تناهز 23 مليار دولار وهي نفس المدة التي قضاها في حكم مزرعة آل سعود، والتي قضى منها 10 سنوات حاكم بالصورة وليس بالفعل وكان شبه حي ميت، وهذه سُنة الكذب والنفاق التي سار عليها في الآونة الأخيرة معظم الحكام العرب، حيث أنك تجد الرئيس أو الملك أو الأمير أو الشيخ معلب ومجمد ومجفف في قالب حتى تفوح رائحة الكذب والنفاق والدجل على خلق الله، وحتى تقسم أمور المال والثروة وتوارث الحكم والمناصب وعلى من يقع إختياره لخلافة الرمز المجفف، بعدها يتم الإعلان عن موت هذا الملك أو ذاك الرئيس، والأمثلة على ذلك كثيرة كالملك حسين ملك الأردن والرئيس الرمز أبو عمار ويتبعه الشيخ زايد والآن الملك فهد وبعد أشهر سوف يعلن عن موت أمير الكويت والحبل على الجرار في كل الوطن العربي.

هذه الثقافة العربية الجديدة في تحنيط الموتى وعملية إبقائهم على قيد الحياة والنفخ في صورهم وبكل الوسائل ولآجال غير محددة لغايات معروفة ومحددة، هي ثقافة إن دلت على شيء، فإنما تدل على ثقافة التجمد والتوقف والتراجع والتخلف عن ديناميكية الحياة وعن مواكبة العصر وتطوره، تدل على ثقافة العبودية للرمز والتوقف على عتبات الماضي والبكاء على الأطلال والتجمد والسير على منهاج السلف وترك الحاضر وما له وما عليه والعيش في الماضي وأمجاده.

أما الثقافة الجديدة القديمة في مثل هذه الجنازات وما يحدث بها وما يراد منها، فهي ثقافة الردح واللطم وسكب الدموع المبالغ بها والتعيش والتسابق على كتابة وتأليف القصص والروايات والأخبار عن هذا المصاب الجلل وهذا الرمز، وتجنّد من أجل ذلك كل الأقلام المنافقة لهذا والحاقدة على ذاك، وكلما زاد الكذب والنفاق وذكر الأعمال الجليلة لهذا الملك أو ذاك الرئيس كلما كانت إمكانية وإحتمال الحصول على حظوة أو هبشة مالية أو وظيفية من هنا أو هناك كبيرة إلى حد ما، وعندها تبدأ مقالات كليب من كل حدب و صوب، وتجد هؤلاء يتكالبون – من الكلاب- على موائد العزاء للكسب والبكاء والهبش والدعاء ووصف كل ما لهذا الفقيد الكبير من مناقب والإبتعاد بقدر الإمكان عن المثالب، وطالما أن الملك مات فلا بأس من التأليف والتلفيق كل ذلك بدون حساب ولا تدقيق.

نقل مراسم التشييع والدفن على الفضائيات وما يتبع ذلك من مسرحيات اللطم الجماعي للمذيعين والمذيعات وما يتطلب ذلك من ملابس سوداء فاضحة نوعاً ما من هول المناسبة وحتى لا يمل الجمهور المتعطش لمناظر الموت – وخاصة أن مناظر الموت والقتل والإرهاب أصبحت من ضمن السهرة اليومية في حياتنا العربية، ولذلك وبعد أن خفت مسلسلات الموت والقتل في فلسطين والعراق كان لابد من تزويد الفضائيات بمادة إرهابية مشوقة بعملية الإعلان عن وفاة الملك فهد- والدفن والردح والتعزية والتبويس من متابعة فيديو كليب التشييع والدفن، تقوم المذيعات في قنوات دبي وأبو ظبي والعربية وغيرها من قنوات التطبيل والتزمير بلبس ما يناسب من موديلات السواد المغرى وإفتعال الحزن وتمثيل اللوعة والفاجعة ومحاولة وضع ميك أب حزايني حبتين، خفيف الظل وفيه بعض ألوان الحداد والحزن المهضوم والنفاق المكلوم في فضائيات آل مكتوم، ويتم الإتصال بكل كاتب منافق وكذاب من دول الجوار لتجميل الموقف والردح والنصب على عينك يا تاجر.

بساطة الجنازة والتشييع والدفن والقبر المتواضع الذي حل به ملك من وزن فهد، وبثه على الفضائيات، كل ذلك مؤشرات على التواضع والبساطة والعدالة والمساوآه بين الحاكم والمحكوم وبين الراعي والرعية وعلى عمق العلاقة الأزلية بين العبد والسيد وبين تحقيق العدل والمساواة في الحياة وفي الممات. فما أجمل تلك الصورة المتواضعه غير المزيفه المنقولة لنا على الهواء مباشرة لملك بحجم فهد، يُحمل جثمانه على لوح خشب بسيط حتى أنك لا تميز بين اللوح ومن عليه من شدة التواضع والبساطة، ملفوف بقطعة قماش بسيطة أيضاً وعليها عبائته المتواضعة و يدفن في قبر بسيط بدون بهرجة ولا زينة وتجميل ولا إسراف ولا نفقات على مظاهر كذابة لا تفيد أمة لا الله إلا الله – خاصة أن ملوك وأمراء وأميرات السعودية الأكثر من عشر ألآف لم يعرف عنهم البطر وحب الإسراف والإنفاق بدون وجه حق وبما يرضي الله والرسول وخاصة الملك الراحل المتواضع في مماته وقبره، كان لا يتعدى إنفاقه على موائد القمار في منتي كارلو سوى بضع ملايين متواضعة من الدولارات، والتي لو تم إنفاق ربعها في توسعة مشاعر الحج في منى وبالذات في موقع رمي الجمرات وما يتم عنه من تدافع بين الحجيج وموت المئات منهم كل عام، لما حدث ما حدث ولكان له في تلك الأرواح التي زهقت حسنة ورحمة وشفاعة له عند ربه الآن وهو تحت التراب-، يا سبحان الله ما هذا التواضع وهذه البساطه وهذه الروح وتلك الثقافة التي يراد توصيلها إلى العالم ببث تلك المشاهد المؤثرة لمراسم التشييع والدفن التي تبث ولأول مرة لآيف على شاشات الفضائيات، وما أعظم تلك الرسالة التي يريد الآن حكام الدولة الوهابية أن يبثوها للعالم، حتى يقولوا للعالم وإلى خصومهم وإلى المواطن السعودي - البسيط العاطل عن العمل والذي يعيش في أحياء فقيرة حقيرة تفتقر إلى أبسط الخدمات الإنسانية التي تتوفر في هذا العصر لمواطني دول فقيرة معدمة تدعمها دولتهم السعودية بمنح نفطية ورشاوى مالية بدل المنح النفطية مثل الأردن حتى تبتز تلك الدول وتشتري مواقفها وحتى تدعم حكم تلك العائلة وسياستها وتشرع لسطوها على مقدرات ذلك البلد الحرام المحكوم من أولاد ...- أننا مسالمون فقراء الى الله لسنا بإرهابيين ولا مستبدين، و أكبر دليل على ذلك هذه الجنازة البسيطة الحقيرة التي تقام لكل مواطن سعودي عادي، فلا فرق في الموت أو القبر بين ملك أو عبد ولكن الفرق كل الفرق بين الأحياء من العائلة المالكة وبين العبيد في مزرعة آل سعود.

رسالة جنازة الفيديو كليب الفضائية تلك لم يكن لها ما يبررها سوى متابعة سياسة الإستبداد والإستعباد للأرض والعباد والتمكين لدور النفاق والكذب والتزلف والإبتزاز من قبل تلك العائلة ومن يدور في فلكها ومن يحظى بهباتها - المسروقة من شعب الجزيرة – من رؤساء دول مرتزقه ومن رجال دين وكتاب وصحفيين وكل من تربى وعاش وتسلق وتزلف وتمسح بأذيال تلك العائلة الحاكمة في السعودية ومن كان يتوقع التعاطف مع تلك العائلة وما فعله ملوكها وأمرائها في السعودية نفسها وفي المنطقة العربية وباقي الدول الإسلامية، فهو مخطئ والتاريخ والمؤرخ النظيف لن يذكر سوى ما أصاب هذه الأمة من مصائب و ويلات على أيدي حكام السعودية ومن دعموهم ودعمهم من حكام العرب والمسلمين، رحم الله الملك فقد كان صديق وفي لكل من بريطانيا وأمريكا وإسرائيل ولكل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.