From :dasu@online.no
Sent : Friday, August 19, 2005 12:43 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

سجون العروبة السعيدة .. !!من الناصريين وحتى البعثيين؟
داود البصري



في ظل عالم متغير ، وديمقراطيات تزحف حثيثا لتجتاح معاقل الطغيان والتخلف والموت ، يظل العالم العربي في حالة إعياء كاملة ، و استجابة بطيئة لما يدور في العالم!! ، فلم يزل هذا العالم الممتد من البحر إلى البحر نائما في العسل وفي أكذوبة الأمجاد التاريخية وبحالة غيبوبة حضارية شبه كاملة ومرعبة في وضعيتها لدرجة أن الأجيال العربية الشابة تفكر بعقليات القرون الوسطى ؟ وتجتاح الأصولية السلفية الدينية المتوحشة والغبية والمفرطة في البدائية معاقل ومراكز الخلايا العصبية لتلكم الأجيال وبما يهدد بتحويل العالم العربي لأكبر بؤرة استيطانية للتخلف الفكري والسياسي المزمن في عالمنا المعاصر!.

وما يدور من أحداث وتطورات لم يكن وليد الصدفة ولا نتيجة لأحداث عابرة ، بل أنه تعبير عن فشل قيمي ، وعن فشل الأنظمة السياسية مجتمعيا وتربويا والتي جعلت من قطاعات واسعة من الشباب العربي لا تفكر إلا بعقلية العصور الأموية والعباسية الغابرة ! حتى أصبحنا مرضى للتراث ومعوقين بأثر رجعي متخلف ونرفض أن نتجاوب بإيجابية مع روح العصر أو تطويع أفكارنا المرتبطة بظلال الماضي لتتناسب والمرحلة التي نعيشها ! ، وتظل السجون والمعتقلات العربية إحدى أهم إنجازات العصور الوسطى التي مازالت تراثا ( مقدسا ) نحافظ عليه ونرعاه ونتعهده بالعناية اللازمة باعتباره من ( ثوابت الأمة )! لأنه لا حياة ولا مستقبل للأمة بدون تراث كما تقول تعاليم أحزابنا القومية ! ، والحديث عن السجون العربية ذو شجون وهو طويل ومتشعب يدخلنا في متاهات الماضي القريب وإرهاصات المستقبل المنظور ، فبعض الأنظمة العربية مثلا قد تخلت تخليا كاملا عن فظائع الماضي و إعترفت بها في وقفات شجاعة ملفتة للنظر وقد تنصلت من تلك الفظائع دون أن تنكر مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية والقانونية عما حصل ، وحاولت سد ثغرات الماضي الموحشة بتعويض من تضرر ، وهو جهد مشكور ولعل أبرز مثال لما نقول هو ( المغرب ) فهذا البلد العربي القصي الواقع في أقصى الغرب من العالمين العربي والإسلامي له من تراث السلاطين والسلالات الحاكمة ماله، وفي العصر الحديث تعرض لظروف وهزات سياسية عنيفة وحركات إنقلاب عسكرية دموية وعدم إستقرار سياسي أفقدت البلد التوازن المطلوب وكانت حماية النظام السياسي تقتضي اللجوء لإجراءات حازمة وقاسية ، ومن كان مكلفا بأداء المهمة مارس الشطط والإنحراف والظلم مستغلا الظروف السلبية والمحتقنة السائدة والتي شكلت الفترة المعروفة ( بسنوات الرصاص ) وهي مرحلة الستينيات والسبعينيات وحتى بداية التسعينيات وخلال السنوات القليلة التي سبقت رحيل الملك ( الحسن الثاني ) عام 1999 ، ولعل في حكايات السجون المغربية التي أميط اللثام عن أسرارها وخفاياها ومآسيها تكمن كل زوايا الماضي وأحداثه الشرسة ووحشية ( المخزن ) أي الإدارة المغربية، بدءا من معتقل ( دار المقري ) وفيلا ( أكدال) ومقرات ( الكاب 1 ) – إدارة حماية التراب الوطني - ، مرورا بمفوضية معتقل ( درب مولاي الشريف) في الدار البيضاء ، وليس إنتهاءا بمعتقلات ( أكدز) و( قلعة مكونة )، وسيد المعتقلات الوحشية وأكثرها شهرة وبشاعة وهو ( معتقل تازمامرت ) الذي طبقت شهرته الآفاق ، وكان مثالا وحشيا لنظام سجون ( العصور الوسطى ) في قلب القرن العشرين !، ولكن رغم الآلام والذكريات المرة فإن المغاربة لا يخجلون من تناول أحداث وفظائع تلك الفترة بكل شفافية وحرية و تجرد ، وهي ظاهرة صحية للغاية وتؤشر على درجة عالية من الوعي السياسي وعلى تفهم النظام السياسي المغربي للمتغيرات والتجارب والمستجدات والتعلم شيئا من دروس التاريخ ، وقد أضحت روايات تلك المعتقلات البشعة مادة تاريخية وسطورا للأجيال الجديدة التي تطلع على أحداث تلك الفترة وهي ترنو لبناء وطن جديد ونظام عصري لا يسمح بعودة تلك المعتقلات والأساليب القمعية مرة أخرى !! وهو تحدي صعب و غير مضمون في عالمنا العربي! .

في مصر المحروسة ومع قدوم إنقلاب ( البكباشية ) عام 1952 ، تجسدت أول سطور القمع السلطوي المنظم وفق آليات جديدة مختلفة بالكامل عن مرحلة ( البوليس السياسي ) في العهد الملكي الذي كان ( لعب عيال ) مقارنة مع مخططات و تفكير الضباط الشباب أصحاب شعار:

{ إرفع رأسك يا أخي..}! ، بينما يدوسون بأحذيتهم الثقيلة على رؤوس الجماهير!، ودارت عجلة الذبح الثوري مع مذبحة ( كفر الدوار) ضد جماهير العمال والكادحين الذين ثاروا على مستغليهم من الباشوات والأعيان ، ثم تحول ( البكباشية) الأشاوس لسلخ جلود من كانوا ينتمون لهم سياسيا وفكريا و تنظيميا وأعني جماعة ( الإخوان المسلمين) في ( السجن الحربي ) قبل أن يبدع نظام عبد الناصر في تشكيل جهاز المخابرات و أسناد رئاسته لمدير مكتبه الأسبق وهو واحد من أكثر الضباط فسادا و فاشية وسادية وهو المرحوم الرائد ( اليوزباشي ) صلاح نصر والذي كان يشكل مع مجموعة المشير عبد الحكيم عامر محورا هاما من محاور ذبح و إذلال المصريين وسلخ جلودهم و تطبيق ( الإشتراكية العربية ) ! وتطويع الشعب في السجن الحربي وسجن الواحات و بذريعة محاربة الإمبريالية!، و كان الإنجاز الناصري في إشاعة العمل الإستخباري بمثابة ( القدوة ) التي إتخذتها أنظمة الإنقلابات العربية مثالا يحتذى به ! ، ففي سوريه أيام الوحدة مع مصر و ما بعدها أبدع ( السلطان الأحمر ) عبد الحميد السراج وزمرته مثل طلعت صدقي و خلفائه من البعثيين في خنق الشعب السوري بإنجازاتهم التاريخية في بناء و تشييد السجون و المعتقلات السرية و إختراع الفروع المخابراتية المرقمة و المشفرة حتى تحولت سوريه لسجن كبير بعد إبداعات حكام البعث بمختلف أطوارهم و عهودهم في تعميم القمع و تطبيق شعارهم الخالد : ( زنزانة لكل مواطن )! ، فهناك سجن في دمشق يقع تحت مقبرة!! فتصور عزيزي القاريء كيف أن سعداء الحظ من ضيوف ذلك السجن ( الرائع ) ينامون تحت أجداث الموتى..؟ وهي سابقة لم تحدث في نظام عصري ، بل أنها فضيحة إنسانية كبرى سكت عنها العالم دهرا طويلا!، أما مذبحة ( سجن تدمر ) الصحراوي الشنيعة صيف 1982 ومقتل مئات المعتقلين في غرفهم فتلك جريمة مروعة تجاوزها العالم أيضا كما تجاوز عن مأساة مدينة ( حماة) وغيرها من مجازر البعث السوري ؟ أما زميله اللدود النظام البعثي العراقي البائد فبإعتباره منظمة سرية مافيوزية حتى وهو في السلطة ، فسجونه و مجازره و مقابره الجماعية كانت مع إطلالته الأولى عام 1963 ، و حيث أستعملت الأقبية والسراديب والبيوت السرية كأماكن للإعتقال والتحقيق والتعذيب في لجان التحقيق البعثية الشهيرة وفي مقرات قوات العاصفة النازية البعثية المعروفة

بــ ( الحرس القومي ) وحيث كانت فنون التعذيب بعثية من نمط نضالي خاص كالقناني والخوازيق وحملات الإغتصاب الجنسي ، أما نظام البعث الثاني و الأخير والذي جاء لسلم السلطة بـــ ( البيك آب) الأميركي عام 1968 ولم ينته إلا تحت الأحذية الأميركية ذاتها ربيع 2003 ، فقد جعل من السجون السرية و المرعبة فريضة واجبة و سنة متبعة بدءا من قصر النهاية الرهيب وهو قصر الرحاب الملكي السابق الذي أبيدت فيه العائلة الهاشمية التي كانت حاكمة في العراق في إنقلاب تموز/ يوليو 1958 ، وحيث كانت المسالخ البشرية والإهانات ضد الإنسانية في أقصى طاقاتها القمعية ، فقد أبيد في ذلك المعتقل الرهيب الشيوعيون و القوميون والإسلاميون وأنتهكت أعراض المئات ، و تعرض العديد للجنون ، ولعل خير الشهداء الأحياء الذين يستطيعون وصف ذلك المعتقل هو أستاذنا الكبير و زميلنا العزيز د. عزيز الحاج الذي كان شاهدا على عصر الإرهاب البعثي الأسود وكان من نزلاء ذلك القصر! وفي عام 1973 تم هدم ذلك القصر بعد إعدام زمرة المجرمين والجلادين المسيرين له على خلفية المحاولة الإنقلابية الشهيرة لمدير الأمن العراقي العام وقتذاك المدعو ( ناظم كزار )!! ، لتبنى و تتوسع بعد ذلك مؤسسة البعث القمعية و سجونه الرهيبة كسجن ( أبو غريب ) ،و ( الرضوانية ) و (الحاكمية ) و (المخابرات العسكرية )

والمئات من سجون المخابرات السرية ذات المداخل و المخارج المموهة والتي تهاوت تحت أقدام الشعب العراقي في يوم التاسع من نيسان الخالد 2003 وهو يوم الحرية العراقي الذي سيقول التاريخ وحده كلمته فيه ، فدولة البعث المجرمة و الخسيسة كانت تدار من تحت الأرض ! و حتى قائد البعث أخرج كالجرذ من حفرته ! فالبعث بدأ من الجحور السرية وإنتهى في المجاري..

ولن نختم مسيرة سجون العروبة السعيدة بطبيعة الحال عبر مقال عابر فذلك شأن يحتاج لمجلدات من البحث والتمحيص ولفريق من الباحثين والخبراء ، و طبعا فاتنا أن نعرج على سجون ( الجماهيرية العظمى) و سجون العقيد الأخضر التي طارت شهرتها عالميا مثل سجن ( أبو سليم ) و مجزرته الرهيبة المشابهة لمجزرة تدمر ، و هنالك سراديب الإختطاف التي يحتفظ بها أهل اللجان في كل مكان بجثث و بقايا المخطوفين كالإمام موسى الصدر ورفيقيه و السيد منصور الكيخيا... و الله وحده يعلم بحجم حقول الموت و المقابر الجماعية الجماهيرية العظمى..!.

إنها إطلالة سريعة و موجزة على عالم السجون العربية ، فقد آن للقيد أن ينكسر....