|
أنماط سيكلوجية
أحمد فاروق البشلاوي
هونج كونج
تروي لنا الدكتورة نعمات أحمد فؤاد في كتابها "الجمال و الحرية و الشخصية
الإنسانية في أدب العقاد" كيف أعطى الأستاذ العقاد درساً لا ينسى للملك فاروق
من خلال أحد رجال بلاطه فتقول : "و يروى عن الأستاذ العقاد أن أحمد حسنين أبلغه
أن (فاروق) أصدر أمره بإعادة كتابة اسم العقاد في جدول الانتخابات. و كانت
الوزارة الوفدية قد حذفته. و في كياسة رجل البلاط قال أحمد حسنين : إن الملك
يقدر العقاد و يرى أنه كاتب كبير لا ينبغي إغفاله ... و ينتظر أحمد حسنين في
تشوف جواب العقاد على هذا "التقدير الملكي" فيجيب العقاد و لكن بقوله : إن قول
فاروق إن عباس العقاد كاتب كبير شيء لا يقدم و لا يؤخر ، أما أن يقول العقاد إن
فاروق ملك كبير فشيء آخر! و هو ما لم أقله حتى الآن".
أستشهد بما ذكرته الدكتورة نعمات أحمد فؤاد عن العقاد و الملك كبداية لإلقاء
ضوء النقد على بعض نماذج الإنسان الذي أنتجته حضارتنا بأبعادها الإسلامية و
العربية و المصرية و التركية .... أي تلك الحضارة المهلبية التي أصبحت حالياً
مسخرة كبرى و مضحكة ما بعد الحداثة على كل الأصعدة ، سياسية كانت أو اجتماعية
أو ثقافية. فالملك فاروق بحكم مركزه و كرسيه الملكي تصور أنه عندما يقول
"كلمتين حلوين" في شأن العقاد فإنه بذلك يكسب الرجل إلى صفه و في ذات الوقت
يؤكد دوره و مركزه كملك واهب للعطايا و مقدر لإمكانيات الموهوبين من "الرعية" و
الأهم من ذلك هو أنه حاول أن يضع العقاد في مستوى أقل حيث يمكن "إغفاله" أو
"عدم إغفاله" وفقاً لما يراه الملك. و بالطبع كان رد العقاد كما بينت لنا
الدكتورة نعمات أحمد فؤاد موجعاً. فالكلام الذي يخرج من فم صاحب العبقريات و
"الله" و "إبليس" و "حياة المسيح" و "الإنسان في القرآن" و "المرأة في القرآن"
و "الشيوعية و الإنسانية" و "أنا" و "الديمقراطية في الإسلام" قطعاً كلام له
وزنه ذهباً و يعمل له ألف حساب ، أما ما يقوله ذلك الملك "العيل" فلا وزن له و
لا يسجله التاريخ و لا يتذكره أحد.
و ما يهمني من ذكر هذا المثل هو محاولة رسم صورة لتلك الشخصية الساقطة نفسياً
التي تميزت بها حضاراتنا الديكتاتورية و التي تريد أن تكبر ليس بالمجهود أو
الإنجازات أو الإمكانيات الشخصية أو الموهبة و لكن على حساب الغير ، و فيما يلي
أورد بعض القصص الواقعية الطريفة من النوع الذي يضحك و يبكي في آن.
القصة الأولى – الأستاذ الجامعي :-
كان أحد أصدقائي يعمل سابقاً في مجال التجارة بين الصين و مصر ، و كان من بين
من يتعاملون معه من مصر أستاذ دكتور بجامعة القاهرة يحاول زيادة دخله عن طريق
العمل في التجارة ، و هذا ليس عيباً و لكن ها هو العيب آت في السطور القادمة.
حكى لي صديقي ما دار أمام عينيه أثناء زيارته لجامعة القاهرة لمقابلة الأستاذ
الجامعي من أجل الاتفاق على صفقة بيزنس. فأثناء حديثهما استأذنت طالبة للدخول –
و كان من الجلي أنه تم استدعاؤها في هذا الوقت بالذات – لتسلم الدكتور ما
أنجزته من كتابة في بحثها الأكاديمي. ألقى الرجل نظرة على الصفحات الأولى بسرعة
خيالية لا تمكن من قراءة سطر واحد بجدية ، ثم بطريقة عنيفة و مفاجئة أذهلت
صديقي قام بإلقاء الأوراق على الأرض بوقاحة صائحاً : "إيه الزبالة دي؟ ده بحث
عايز ينكتب من أول و جديد". فما كان من الفتاة الخائفة على مستقبلها الذي ترى
أنه من الممكن أن يتأثر سلباً بسبب هذا الشخص المَوتور و التي أيقنت في ذات
الوقت أن الموقف كله مجرد مسرحية من أجل المنظرة أمام الزائر الغريب لسبب ما
تجهله بالطبع ، ما كان منها إلا أن آثرت السلامة و قامت بلملمة أوراقها بسرعة و
الخروج من مكتب هذا الديكتاتور "الأراجوز" تحت كم هائل من الإحراج كاد أن يثقل
على ساقيها و تنهار في مكانها. أما صديقي فلم يكن أقل إحراجاً منها لشعوره بأن
وجوده هو السبب الذي دفع الأستاذ الجامعي للإتيان بهذه الحركة التكتيكية
الرئاسية الإدارية المكتبية العبيطة. فكان من الجلي أن السيد الدكتور مستر
"أراجوز" أراد أن يقول لصديقي بطريقة تعبيرية غير مباشرة "خللي بالك أنا أستاذ
كبير في الجامعة و لي مركزي زي ما انت شايف آهه و مش محتاج للتجارة و لا حاجة
بس يعني زيادة الخير خيرين". و ليس مهماً ما حدث للفتاة المسكينة الذي اتخذها
مطية لإحداث نوع من الإسقاط النفسي لمن حوله ليبدو أقوى و أفضل و "ذا قوة قتل
ثلاثية" مثل المبيد الحشري الذي لا أتذكر اسمه ، و لا يدري أنه أسقط نفسه و بدا
أراجوزاً في تمثيلية مكشوفة لا تخدع حتى طفل صغير.
القصة الثانية – رئيس دار النشر :-
لي صديق آخر شاعر موهوب نشهد له جميعاً بالموهبة الحقيقية كما شهد له بذلك أحد
أساتذة اللغة العربية و بحور الشعر أيام الجامعة. ذهب هذا الصديق ذات يوم
بديوان شعره لمقابلة أحد رؤساء دور النشر بالقاهرة لمجرد الحديث و أخذ الرأي و
التطلع لإمكانية النشر. و الرجل معروف الاسم و كان وقتها قد تعدى مرحلة منتصف
العمر ، يقف أمامه صديقي الشاعر الصغير السن الحديث العهد في التعامل مع تلك
الحثالة الجالسة على كراسي قيادية في المجالات الثقافية و الاجتماعية و
السياسية في مجتمع انقطعت علاقته بالثقافة و الاجتماع و السياسة منذ أمد بعيد.
تماماً مثلما فعل الأستاذ الجامعي سمح رئيس دار النشر لهذا الشاعر الصغير
بالدخول في وقت بعينه أثناء وجود فتاتين جامعيتين عنده بالمكتب ، و بالطبع أراد
أن "يرسم نفسه" أمام الفتاتين الصغيرتين على حساب ذلك الصغير الغافل الذي ساقته
قدماه إلى عرين الأسد ، أو الفأر الذي أراد أن يحتسبه الناس أسداً. و بالطبع لم
يقرأ شيئاً من الشعر و إنما ألقى على القصيدة الأولى نظرة سريعة أتقن خلالها
تمثيل دور الخبير المحنك في الشعر العربي ثم قال للشاب بميوعة خال له أنها خفة
دم : "بقوللك إيه .. أنا رأيي إنك تخطف رجلك لحد سور الأزبكية تشتري من هناك
كتاب في العَروض و تقراه". لم يحاول مناقشة أي شيء مع الشاب و لولا وجود
الفتاتين لما قابله أصلاً و لكنه رآها فرصة مناسبة لفرد عضلاته المعرفية
المزعومة مختلطة بشيء من خفة الظل لعل إحدى الفتاتين تعجب به ... و ليس مهماً
ما يحدث للشاب بعد ذلك من إحباط نفسي.
القصة الثالثة – الدبلوماسي :-
و هذا أكثر الأمثلة وضوحاً و طرافة وسط تلك الشخصيات التي تبدو كاريكاتيرية و
لكنها للأسف واقعية ، و من أفضل ما قرأت طرافة على صفحات عرب تايمز مقال شهير
بعنوان "ميشو" للأستاذ أسامة فوزي طالما عدت إليه لأعيد قراءة فقراته التي ما
زالت إلى اليوم تضحكني و كأني أقرأها لأول مرة. و ميشو شخصية يحفل بها المجال
الدبلوماسي و سوف أورد أولاً قصة صغيرة أخرى لأحد الميشوهات في رأي كاتب هذه
السطور ، ثم أحاول إعطاء قراءة متواضعة للشخصية. منذ عدة سنوات قامت جامعة هونج
كونج بدعوة القنصل العام لجمهورية مصر العربية أو من ينوب عنه من الدبلوماسيين
للحديث عن مصر و ثقافتها و حضارتها العريقة أمام الطلاب الصينيين. و لم أجد
وقتاً لحضور هذه الندوة الثقافية و الاستماع إلى قنصلنا العزيز و هو يرسم صورة
مشرقة لمصرنا نعتز و نفخر بها جميعاً ، و لكني شعرت بشيء من السعادة و الرضا
لأن مجرد اهتمام الجامعة في بلد كهونج كونج بالتعرف على مصر يعد خطوة إيجابية و
محاولة للتواصل الثقافي مع الدول النامية في بلد لا يهتم إلا بالمال و الاقتصاد
و البورصة و لا يرى داعياً لإقامة أي جسور حقيقية إلا مع دول الغرب القوية. حضر
الندوة صديق لي كان يقوم بتحضير رسالة الدكتوراه بالجامعة في مجال الهندسة
الإلكترونية و حكى لي ما حدث بها و لسان حاله يقول "ليتها ما أقيمت أصلاً" ،
فقد كانت "بداية القصيدة كفر" كما نقول في مصر ، حيث قام أحد الطلاب الصينيين
لطرح السؤال الأول على نائب القنصل العام ، بدرجة قنصل (و كان مسيحياً ، فلا
فرق عندنا بين مسلم و مسيحي في ثقافتنا الديكتاتورية و عنجهيتنا المنتفخة
هواءً) ، و لم يكن سؤالاً صعباً على الرغم من عدم دقته و عدم تحديده لموضوع
معين ربما لحداثة سن الطالب. سأله الطالب بأدب جم : "هلا تفضلت بإعطائنا فكرة
عامة عن الثقافة المصرية حيث أننا في هونج كونج لا ندرس ما يكفي للتعرف على مصر
و حضارتها؟" .... فكان رد سعادة القنصل ، صدق أو لا تصدق ، من النوع الذي لا
يخطر على قلب بشر عاقل ، أو حتى غير عاقل ، حيث أجاب قائلاً بعصبية مصطنعة و
بإنجليزية ركيكة مضحكة "If you do not know about Egypt, this is your problem"
.... "إن كنت لا تعرف عن مصر فهذه مشكلتك" .... نقطة .... فولستوب ... هذا هو
الرد الكافي الشافي ، و الله ما هي نكتة ... و لولا أني سمعت هذا الكلام من
صديق أثق به كان معروفاً لنا جميعاً بالصدق و الالتزام و التدين لما صدقته ، و
لماذا يكذب أي شخص حتى و إن أراد الكذب في الحديث عن موقف وقع على مرأى و مسمع
من عشرات الطلاب بالجامعة و بالتأكيد بعض الأساتذة أيضاً. و دهش الطالب طارح
السؤال من هذا الرد "الدبلوماسي" و احمرت أذناه خجلاً و أصيب الحضور بالذهول من
هذه الشخصية الغريبة الجالسة أمامهم على الكرسي , و نظروا لبعضهم البعض و كأنهم
يتساءلون "هل هذا هو قنصل مصر بالفعل أم أنه شخص مهرج انتحل شخصية الرجل و جاء
ليؤدي فقرة كوميدية؟". و هناك من الحضور من تبادلوا نظرات واثقة عارفة لها
معناها الأكيد الراسخ في نظرية الاستشراق و كأنهم يرون أمامهم مثالاً حياً يؤكد
أفكار الغرب الاستشراقية. و بالطبع تناسى الجميع هذه البداية المحرجة حتى تستمر
الندوة و تصل لنهاية بصورة ما يتطلع لها الجميع قبل حدوث شيء آخر.
وأنا أسأل بدوري هل هؤلاء فعلاً هم أفضل ما تنجبه مصر ليقوموا بتمثيلها في
الخارج؟ بل إني أطلب من الجاليات المصرية في جميع دول العالم النظر لوهلة بتمعن
فيمن يمثلون مصرنا ، من حقنا جميعاً كمصريين أن نعرف و نحكم على من يمثلوننا ،
فأنا أكاد أجزم لكثرة ما رأيته و سمعته بأنها شخصية واحدة تم نسخها على ماكينة
تصوير زيروكس و توزيعها على دول العالم. إنها نفس الشخصية الضحلة الجوفاء التي
لا تملأ مركزها (سواءً كانت رجلاً أو امرأة .. حتى لا يتهمنا الغرب الشرير
بالتفرقة الجنسية) و التي لا تستطيع الخوض في أي موضوع جاد و لا تتحدث لغة
العالم بصورة لائقة ، و تشعر جيداً بضعف إمكانياتها الفكرية أولاً و اللغوية
ثانياً فتستعيض عن ذلك بالمظهر الخارجي و سرعة إلقاء الأسئلة قبل أن تضطر إلى
إعطاء إجابات عن أسئلة الغير (مثل يول برينر في فيلم الملك و أنا) و إنهاء
المواضيع بسرعة أمام من تتوسم فيه ثقافة و علماً حتى لا تبدو أقل ثقافة و أضعف
لغة ، و إذا ما اضطرها الموقف إلى الحديث عن النفس تغالب الحرج على طريقة ميشو
بتحويل مسار الحديث إلى الفكاهة و كأنها تتنازل و تهبط من برجها العاجي لتمثيل
دور "ابن البلد" الذي يعرف كيف و متى يلقي النكتة ، و كل هذه "الحركات القرعة"
التي لا تخدع أحداً بقدر ما تشير إلى أن صاحبها مصاب ببارانويا واضحة و عقدة
نقص جلية كشمس النهار.
القصة الرابعة – الإسلامي :-
و ليس المسلم بالطبع.
إن ما نراه و نسمع عنه الآن من جرائم يندى لها الجبين ، مثل قتل رئيس البعثة
الدبلوماسية المصرية في العراق مثلاً هو بالتأكيد نتاج حتمي لثقافتنا
الديكتاتورية كمسلمين انقطعت صلتهم تماماً بتاريخ الإسلام العظيم و سيرة النبي
الكريم (صلعم) ، حيث أخذنا شيوخنا و مفسرونا و ساستنا في طريق لا يعلم آخره إلا
الله. و ما أورده في السطور القادمة نموذجان بسيطان لرجلين مسلمين من الذاكرة
لم يقتلا أحداً و لم يفجرا شيئاً و لكن ما فعله أحدهما و ما نطق به الآخر له
دلالات كبرى. ففي ذات يوم أثناء صلاة الجمعة في مسجد "عمار" بهونج كونج لاحظنا
وجود الكثير من الأطفال في قاعة الصلاة ، و ربما كان المسجد وقتها ينظم حفلاً
ما للأطفال أو رحلة ، و كان الأطفال حقاً صغار السن و يلعبون طوال الوقت ،
فمنهم من يضحك أثناء الصلاة و منهم من يحاول دهس قدم صاحبه الواقف بجانبه و
منهم من يعدو بين صفوف المصلين. ختم الإمام الصلاة و قبل أن يبدأ حتى في الدعاء
قام رجل باكستاني ملتحي و شق طريقه بشيء من الصعوبة وسط صفوف المصلين الذين لم
يقم أحد منهم بعد لكي يصل إلى ابنته الصغيرة و كانت تلعب مع صديقاتها مثل بقية
الأطفال في المسجد .... لم أصدق ما رأيته ... فقد قام الرجل بلطم ابنته بوحشية
غريبة على وجهها و نهرها بشدة لأنها كانت تلعب أثناء الصلاة و حملها خارجاً. و
الغريب أن هناك من المصلين – و معظمهم من الباكستانيين – من راقب هذا الموقف و
هو يضحك أو يبتسم و كأن ما حدث شيء يسعد القلب و يشرح الصدر و يطمئننا كمسلمين
أن الإسلام ما زال بخير ما دام هناك من يدافعون عنه بهذا الحماس إلى درجة ضرب
فلذات الأكباد بهذا العنف و إهانتهم بهذه الطريقة من أجل الحفاظ على الهدوء و
قدسية الصلاة. و كأنهم لم يسمعوا أن أفضل الخلق (صلعم) كان يترك ظهره المائل
للأرض ملعباً لأحفاده أثناء السجود لرب العالمين ، بل و لا يقوم من السجود حتى
ينتهون من اللعب فوق ظهره. و إذا تصورنا أن هذه الطفلة التي ضربها أبوها بهذه
القسوة أعطاها الله عمراً لتصبح ذات يوم ممثلة دبلوماسية لبلدها في الخارج فلن
تستطيع إلا أن تكون "ميشو" آخر يحمل ذات العقد النفسية.
المثل الثاني لشخص عرفته منذ سنين عدة أثناء دراستنا بكلية الألسن بجامعة عين
شمس ، و قطعت علاقتي به فوراً بعد أيام قلائل بعد أن قال لي إنه يريد أن يدعو
إلى هدم أهرامات الجيزة .... هذه ليست نكتة ، و علل ذلك بقوله إن الأهرامات رمز
ألوهية الفرعون و هو ملعون في القرآن و يجب تدمير آثاره و محوها تماماً إرضاءً
لله ، كما أنها أيضاً رمز للسخرة و الاستعباد. حاولت أن أشرح له أن الله لا
يمكن أن يرضى عن هذه الفكرة و أن الأهرامات في الحقيقة تقف شاهداً و معبراً
فصيحاً يكاد ينطق بكلام الله في قوله "و فرعون ذي الأوتاد" ، و أن من بنوا
الأهرامات ليسوا بالضرورة هم من تتبعوا النبي موسى و قومه و أغرقوا في البحر ،
و أن فكرة السخرة و الاستعباد يروج لها علماء المصريات من اليهود بينما هناك
العديد من العلماء الآخرين كـ "جون رومر" و "ألان جاردنر" و "فليندرز بتري" و
غيرهم ممن يرون أن السخرة لا يمكن أن تقيم أهرامات بهذا الجمال و هذه القوة ، و
أن بناء أهرامات الجيزة كان شبه صلاة لفراعين أحبهم المصريون القدماء فكان
البناء مشروعاً قومياً و دينياً سرى في أرواح القدماء و في دمائهم و امتزج
بعيشهم اليومي و اخترق عقلهم الباطن و أحلامهم. حاولت أن أشرح له أن الأهرامات
جزء من شخصية مصر لا يمكن محوه حتى و إن حاول بعض المجانين هدم أهرامات الجيزة
بالفعل ، ثم لماذا أهرامات الجيزة بالذات؟ فصحراء مصر مليئة بعشرات الأهرامات
من حقب مختلفة و لكنها ليست بنفس حجم أهرامات الجيزة ، فلماذا لا نبدأ في البحث
في الصحراء عن كل هذه الأهرامات و نبدأ مشروعاً قومياً عكسياً واسع النطاق في
العصر الحديث أساسه الهدم و ليس البناء؟ حاولت أن أشرح له أن الإسلام فكرة
سامية غير مرتبطة بحجارة الأرض بأي صورة من الصور و أن الكعبة نفسها لها تاريخ
من البناء و الهدم أو التهدم و إعادة البناء و لها تاريخ وحدوي و جاهلي و
إسلامي في ذات الوقت ، و أن الإسلام لا يمكن أن يدعو لتمجيد بنايات و تحطيم
بنايات أخرى لأن هذه فكرة مضحكة و لا علاقة لها بجوهر الدين. و لم أستطع تحديد
مدى اقتناعه أو عدم اقتناعه بكلامي لأنه بدا لي كشخص قادم من كوكب آخر بالفعل
... إنسان أجد صعوبة في تصديق أنه ولد على أرض مصر، و لم أتمكن من إخفاء شعوري
بالغثيان و الوحشة في ذات الوقت في وجوده فقررت تجنبه و لكني كنت أمزح معه
عندما أصادفه و أقول "إزيك يا (.....) ؟ لسه برضه عايز تهد الهرم ؟" فيجيب
راسماً ابتسامة لا أدري مدى صدقها و لا أدري ما معناها "مسيرنا في يوم هنهده".
من هؤلاء القوم ؟؟ و أنا أقصد بسؤالي تلك الأنماط البشرية الغريبة التي يفرزها
عالمنا العربي و الإسلامي. من أعطى هذا الأراجوز شهادة دكتوراه ؟ و كيف وصل ذلك
المائع لمنصب إعلامي قيادي ؟ و من أين خرج علينا ذلك الدبلوماسي الذي لا يدري
عن الدبلوماسية شيئاً ؟ و من أين يتم تخريج المتأسلم العنيف الذي يتسبب في وقوف
الغرب بجانب حكوماتنا الديكتاتورية الخاضعة له و التي يعدها أقل ضرراً من
حكومات من الممكن أن تقام على فكر هؤلاء المعاتيه ؟ .... "مسيرنا في يوم نعرف"
. |