From : t8sharif@hotmail.com
Sent : Friday, August 12, 2005 9:47 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وحقوق الطفل!!!
د. طلال الشريف




لقراءة أثار الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة علي حقوق الطفل الفلسطيني لابد من تقسيم ذلك إلي ثلاث مراحل:

أولاً: واقع حقوق الطفل الفلسطيني إبان الاحتلال
حيث أكدت الدراسات المتواصلة ومن أطراف متعددة طوال فترة الاحتلال أن هناك استهدافاً لشريحة الأطفال في المجتمع الفلسطيني في كل المجالات الصحية والنفسية, التعليمية والاقتصادية والاجتماعية.
الأوضاع الصحية:
فقد تدنت الخدمات الصحية كماً ونوعاً, فيما يخالف حقوق الطفل المنصوص عليها في المواثيق الدولية و مسؤولية الدولة المحتلة عن صحة الشعب الذي يقع تحت احتلالها. ولم تكن قوات الاحتلال الإسرائيلي معنية بالحفاظ على المستوي والمعايير الدولية للخدمات الصحية المقدمة للمدنيين الفلسطينيين. بل وقامت في كثير الأحيان بممارسة إجراءات تحول دون وصول الخدمة الصحية للجرحى والمصابين أثناء الانتفاضة بما فيهم الأطفال والحوامل, مما أدي إلي فقدانهم للحياة التي نصت علي صيانتها المادة السادسة من اتفاقية حقوق الطفل بأن لكل طفل حقاً أصيلاً في الحياة والتكفل من الدول الموقعة لأقصي حد ممكن لبقاء الطفل ونموه. واستناداً إلي الإعلان بشأن حماية النساء والأطفال أثناء الطوارئ والمنازعات المسلحة. وفي انتفاضة الأقصى وصلت الانتهاكات الإسرائيلية لصحة الشعب الفلسطيني بما فيه الأطفال للذروة حين قصفت المؤسسات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية.
الأوضاع النفسية:
وقد تعرض الكثيرين من الأطفال الفلسطينيين الذين عاصروا الانتفاضتين إلى خبرات صادمة متتابعة وبجرعات فاقت كل الحدود مثل, المداهمات المتكررة للبيوت من قبل قوات الاحتلال , ومشاهدة آباءهم يضربون من قبل جنود الاحتلال, وكذلك اعتقال المئات من الأطفال في الانتفاضة الأولي. ومشاهد القصف الجوي والبري ومشاهد الأجسام الممزقة إلي أشلاء, وعدد الشهداء الكبير في الانتفاضة الحالية واعتقال الأطفال أيضاً. ويقول الباحث صلاح عبد العاطي "الإنسان الفلسطيني عامة والطفل الفلسطيني خاصة تعرضوا لخبرات صادمة ما زالت تؤثر بشكل سلبي عليهم, فهذه الخبرات هي عبارة عن تيار الألم المتتابع عبر الأجيال، الذي بدوره يؤكد الاعتلال النفسي لدى الأطفال الذين تعرضوا لهذه الخبرات الصادمة التي تظهر في الشعور بالخوف، عدم الأمان، التوتر، الميل إلى العدوانية، عدم الشعور بالحماية إلى جانب تأثيرات ذلك على احتياجات الأطفال وحقوقهم التي انتهكتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مدار تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

الأوضاع التعليمية:

أما فيما يتعلق بالحق في التعليم فان المادة 28 من اتفاقية حقوق الطفل تشير إلى أن "الدول الأطراف تعترف بحق الطفل في التعليم". وتتمثل أبرز الانتهاكات الإسرائيلية للحق في التعليم خلال انتفاضة الأقصى في انتهاك حق الحياة للطلاب, ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال الشهداء هم دون سن الالتحاق بالمدرسة. وكذلك تعطيل المدارس نتيجة لمنع التجوال والإغلاقات المتكررة في مختلف المناطق الفلسطينية الذي انتهجته سلطات الاحتلال كإجراء عقابي وعدم تمكن المدرسين والطلاب في بعض الأحيان من الوصول إلى مدارسهم , وقصف المدارس كان من أبرز الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني حيث تعرضت الكثير من المدارس للقصف بمختلف أنواع الأسلحة بشكل عشوائي، في الوقت الذي يفترض فيه القانون الدولي الإنساني أن تتمتع المدارس بنوع من الحماية والحصانة الخاصة, هذا بالإضافة إلى تحويل قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي للكثير من المدارس إلى ثكنات عسكرية، وكذلك تحويلها إلى معتقلات مؤقتة. وقد كانت لسياسة إغلاق المدارس ومنع الطلبة من الوصول إلي مدارسهم خلال سنوات الاحتلال للضفة الغربية وقطاع غزة أثر كبير في حرمان الطلبة من التعليم, وازدياد نسبة تسربهم من المدارس وجنوح الكثيرين منهم نحو سوق العمل لسد احتياجاتهم الأسرية.
ولا شك في أن هذه الانتهاكات المباشرة لحق الأطفال الفلسطينيين كانت فادحة التأثير، فالتعليم من خلال سلسلة الإجراءات القمعية بحق الطلبة الفلسطينيين ومدارسهم ومعلميهم خلف آثاراً غير مباشرة، تمثلت بتردي الأوضاع الاقتصادية والنفسية التي تركت آثاراً واضحة على ممارسة الأطفال الفلسطينيين لحقهم في التعليم.

الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية:

فقد تبدلت السلوكيات الاجتماعية للمواطنين بما فيهم الأطفال, وتحولت عاداتهم وسلوكياتهم نحو الانعزال والتقوقع, وتقلصت الزيارات المتبادلة بين الأسر بحكم الاجرآت التعسفية الإسرائيلية, وبهتت الصداقات وارتفعت معدلات الجريمة والنصب والاحتيال, والجنوح نحو الإمراض الاجتماعية مثل المخدرات والشجارات العائلية, ومشاكل تتعلق بالملكية والاستقواء, والهيمنة نتيجة للضغوطات النفسية والتي ظهرت بوضوح بعد الانفلات الأمني وغياب سلطة مركزية قوية وأظهر ذلك مكنونات الخبرات الصادمة والتماهي مع العنف الذي مارسه الاحتلال منذ الانتفاضة الأولي علي من كانوا أطفالاً في ذاك الوقت ليظهروا الآن في صورة مجموعات الاستقواء والسلوك المنفلت الذي ساهمت الأوضاع الاقتصادية السيئة وحالة البطالة المتضخمة وفساد السلطة وغياب القانون في انفلاتها.
وتجدر الإشارة إلي أنّ ارتفاع نسبة الفقر في المجتمع الفلسطيني، التي تجاوزت 70% يؤثر على العملية التعليمية والصحية والاجتماعية والصراعات السياسية التي أوصلت المجتمع الفلسطيني بما فيه الأطفال إلي حالة من الاحتقان, والترقب, والانفجار المجتمعي في أحيان كثيرة, واستمرار حالة الفوضى وعدم اليقين من الإصلاح, وانتزاع الحقوق الوطنية وإقامة العدالة الاجتماعية والبناء الديمقراطي.
ومن خلال قراءة واقع المجتمع الفلسطيني متضمناً الطفل الفلسطيني من حيث حقوقه وحرياته الأساسية، وبين ما هو منصوص ومؤكد عليه في العديد من الوثائق والإعلانات الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية وبالتحديد وعلى وجه الخصوص في اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، السارية المفعول لسنة 1990، يتبين لنا البون الواسع بين ما هو مضمون ومكفول من حقوق وحريات أساسية للإنسان وبين الانتهاك الفاضح والمعلن المنظم تجاه الطفولة الفلسطينية حياةً وأمناً وصحةً وتعليماً. إن إسرائيل أولا, لا تقيم بذلك وزناً ولا قيمة لكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان ومنها اتفاقية حقوق الطفل التي لم تلتزم فيها بتعهداتها تجاه حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وثانياً السلطة الفلسطينية المستوجب عليها صيانة حقوق الطفل بطريقة أفضل بطريقة مباشرة بتهيئة الظروف لممارسة حقوقه, أو بطريقة غير مباشرة عبر الأسرة وأفرادها في عدم تعزيز سيادة القانون والعدالة في التوظيف والتعليم المجاني للعاطلين عن العمل وتأمين السلم الاجتماعي وأمن المواطنين .


ثانياً: حالة حقوق الطفل أثناء الانسحاب

وفي هذه المرحلة المؤقتة لابد من صيانة الحقوق المتوفرة أصلاً , بالإضافة للسعي لاستكمال الحقوق المنتهكة أو التي كان من غير الممكن تحقيقها إبان الاحتلال, أو الحالة المترهلة الراهنة للسلطة الفلسطينية. كذلك العناية الخاصة بالأطفال الفلسطينيين الذين تأثروا من ملاصقتهم أو قربهم من التواجد العسكري والاستيطاني الإسرائيلي في قطاع غزة وشمال الضفة الغربية. وتسهيل إعادتهم ودمجهم في سلة الخدمات الفلسطينية بشكل ميسر وتهيئة أجواء أكثر استقراراً مما سبق, وعمل حملات التوعية والتثقيف النفسي والصحي والاجتماعي, وتوجيه برامج الإرشاد للسكان القريبين من خطوط التماس وكافة الأطفال الفلسطينيين وتوعيتهم بمخاطر مخلفات الاحتلال العسكرية من ألغام وسموم, وأهمية السلوك الحضاري عند الانسحاب الإسرائيلي, وحمايتهم من الأخطار. وكذلك تحسين الوضع الصحي وخدمات الماء والكهرباء, وتسهيل حركتهم إلي مدارسهم بعد ترميمها ومساعدة أسرهم في ترميم ما هدمه الاحتلال من منازلهم لتهيئة الظروف المناسبة للمعيشة الحرة والكريمة للأسرة والطفل.


ثالثاً :حالة حقوق الطفل ما بعد الانسحاب

وهنا تأتي مرحلة النهوض بكل حقوق الطفل الفلسطيني بشكل شمولي علي مستوي الوطن, والتي تتضمن إعطاء الأطفال والشباب الاعتبار للتعبير عن ذاتهم, والاعتراف بهم كعنصر أساسي مشكل للجماعة والمجتمع ونتيجة ذلك تبرز مواطنته عبر فعله تجاه المجتمع وتأثيره في قضاياه. وهذا لن يتم إلا من خلال:
منح الأطفال حقوقهم، فالمجتمع الفلسطيني ومؤسساته مدعو لأن يضع قضية الأطفال وحقوقهم على رأس أولوياته من أجل علاج الآثار السلبية الناجمة عن انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، من خلال:
برامج موجهة للأطفال بشكل عام, والفئات التي تعرضت حقوقهم بشكل خاص للمساس المباشر، كالأطفال المصابين والمعاقين منهم, والأطفال الأسرى, والأطفال الذين هدمت منازلهم أو أبناء الشهداء والأسرى... وغيرهم من الفئات المهمشة.
كما أن السلطة التشريعية مطالبة بأجراء تعديلات وتحديثات للقوانين من خلال قوانين عصرية تتلاءم مع اتفاقية حقوق الطفل من جهة, ومن جهة أخري تحويل هذه المواد لتصاغ بشكل التزامات وتعهدات على السلطة فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومن أجل ترجمة هذه القوانين إلى واقع، هناك ضرورة لوضع مجموعة من السياسات التي تساهم في إشباع حاجات أطفالنا وتلبية حقوقهم، وتخصيص موازنات لتنمية القطاعات التي تعنى بالطفولة كالخدمات الاجتماعية والصحية والتعليم.

كما أن المنظمات الأهلية المعنية بالأطفال عليها أن تضاعف جهودها في مجال التوعية بحقوق الأطفال, وتوفير أوسع الفرصة التنموية لتلبية احتياجات الأطفال, كما أنها مطالبة بحسن إدارة برامجها وضمان مشاركة الأطفال فيها وتفعيل التشبيك فيما بينها من اجل الضغط لاحترام حقوق الأطفال.
أن الجميع مطالب بان يعمل علي إيجاد بيئة وظروف أفضل لأطفالنا تعمل على تلبية احتياجاتهم واحترام حقوقهم، بيئة تتيح لهم المجال بالتطور والنمو والارتقاء فهم جيل الغد وحماة المستقبل.
إن خروج بعض الدول عمّا هو منصوص عليه في الاتفاقيات والمواثيق والإعلانات الدولية لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، يعدّ انتهاكاً وخرقاً واضحاً وفاضحاً للقانون الدولي العام. مخالفاً لما أجمعت عليه الأمم المتحدة في ميثاقها لسنة 1945 من ضرورة حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

المراجع :
اتفاقية حقوق الطفل.
الكاتبة دنيا الأمل إسماعيل, انتفاضة الأقصى وحقوق الطفل الفلسطيني.
الباحث صلاح عبد العاطي, واقع الطفل الفلسطيني في ظل اتفاقيات حقوق الطفل.
الباحث عماد صلاح الدين , واقع حقوق الطفل وانتهاكات الإسرائيلية.