From : sami3x2000@yahoo.com
Sent : Wednesday, August 10, 2005 2:49 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : الاستبــداد الجميل
 

الاستبــداد الجميل
نضال نعيسة
 

هل توقع أحد ما, يوما, أن يُهلل للأحكام العرفية ,والقوانين التعسفية ؟وهل تنبأ عراف متفرس أن تصل بركات وفضائل زعماء الإرهاب إلى لندن وباريس وتغلفها بلون السواد؟وهل من المعقول أن تتخلى دول عريقة عن تقاليدها الديمقراطية العريقة وتلجأ يوما إلى الطوارئ والاستبداد؟فقد علّ الجميع قلوبهم ,أو" تعور" رأسهم باللهجة الخليجية, من الكتابة والحديث والاستماع عن الاستبداد وتشريح الدكتاتورية ومساوئها على الناس والبلاد,ووصمها ,بالشؤم والنكبة والعار.ولكن ماذا لو بدا الاستبداد والديكتاتورية جميلين,وبدت الأحكام العرفية ,ولو ولمرة واحدة في العمر,نافذة للخلاص, وكسرا للقاعدة والنهج التي سار عليها شيوخ الطريقة الليبراليون والعلمانيون ودعاة التحرر ؟وسنخالف الجميع هذه المرة ونقول لهم بالفم الملآن ,نعم لقوانين الطوارئ والأحكام العرفية البريطانية , إذا كانت ستستأصل شأفة الإرهابيين,وتعيد الحياة إلى سابق عهدها من الأمن والأمان ,وإذا كانت ستطاول رؤوس الإرهاب الذين حولوا الحياة البشرية اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا إلى قحط شامل,وفي كل أرض نزلوا وحلوا بها من طنجة إلى جاكرتا ,وهو الشعار "الحلم" المعلن العريض لحزب التحرير الإسلامي بدولة الخلافة العتيدة الواعدة, بعد أن أحكموا طوق الحصار الفكري والعقلي والحضاري عليها ,وأصبحت مناطق منكوبة بالمعني الحرفي للكلمة يسود فيها التخلف والفقر والجهل ,وتعشعش فيها الأوهام والأباطيل والخرافات,ويحكمها الاستبداد والقهر والبسطار.فها هي تباشير ,وثمار القوانين الطارئة على الغرب, في العصر الحديث, تجعل واحدا من نجوم الإرهاب وعشاقه المعلنين يفر من دار الكفر,إلى دار الإيمان ,متحسرا ونادما على الديمقراطية الضائعة ,و"الفردوس المفقود" ,وطالبا للملاذ النهائي مرة أخرى, في إحدى الإمارات الإسلامية, وذلك حسب بلاغته الأدبية العالية,التي تعني في أحد أوجه فهمها ,أن هذه الإمارات وحدها هي التي تحتضن هذه "الأشكال" النادرة ,وهي موئلهم وحصنهم الأخير ,وهو ذم لها في نهاية الأمر.

وأن تأتي متأخرا ,خير من ألا تأتي أبدا,فقد أسف البعض لأن القوانين الطارئة ستؤثر على الحياة الديمقراطية البريطانية ,وبكوا وتباكوا على الديمقراطية الموؤودة,وحقوق الإنسان, وكأن أمهاتهم ,وأنظمتهم المتخلفة المشوهة التي ولّدتهم, قد فطمتهم على حليب الديمقراطية كامل الدسم , وحرية التعبير ,والانتخابات ,والصحافة الحرة.ولكن الواقع يقول لا ,لأنها لن تطاول الأسوياء والأصحاء من الناس ,بل الخارجين على القانون ,ومجملي الإرهاب ,والمتغزلين فيه والمتورطين فيه,وهي,في النهاية جزء من استراتيجية عالمية باتت واضحة المعالم لاستئصال هذا الداء الذي أصبح كالوباء يهدد أرقى المجتمعات البشرية التي دفعت غاليا حتى تنعم بالاستقرار والرفاه,وكانت قوانينها العلمانية المتسامحة هي التي جعلت من هذه البلدان قبلة لكل راغب بالحرية –بما فيه المتشددون الأصوليون أنفسهم- وكل فار وناج من نار الشموليات ,وهي التي أتاحت لنجوم الإرهاب من إطلاق التصريحات النارية والعنتريات ,وتجميل الإرهاب ,وتبرير الجرائم وسفك الدماء علنا وفي رابعة النهار ,ومختلف وسائل الإعلام.

لقد كان من المأمول والمنتظر,وفي غمرة هذه المعمعة السوداء والفلتان الفكري, أن تخرج هذه القوانين والإجراءات التي تتصدى لهذ الظاهرة من بؤر الظلام العالمية المعروفة للجميع,ومزارع "تسمين" الإنتحاريين ,ومداجن الإرهاب التي فرخت كبار الديوك الذين نفشوا ريشهم في مختلف أصقاع العالم ,ولا زالت – حتى الآن - تمد يد العون ,وتحتضن الكثير منهم ,وتزودهم بالمال ,والدعم اللوجستي وتفتح لهم المنابر ,والمدارس ,والجامعات,والفضائيات ,لا أن يحزن البعض ,ويلوم الآخرين لأنهم أحسوا بالألم والوجع من هذا المرض ,وشخصّوا الداء ,ووصفوا العلاج الناجع والدواء,ويتهمهم بالديكتاتورية ,والاستبداد فيما يغص هو في وحول من الأوبئة والأمراض التي قضت على أي أمل في الحياة.

أول الغيث مطر ,والعقبى الكبرى حين تخرج آخر دشداشة,وعباءة,ولحية,وعمامة ,ومهما كان لونها وحجمها ,من مدن الأحلام التي جعلها هؤلاء,وأمثالهم, كوابيسا, وجحيما قاتلا لا يطاق.