|
دوافع الجري وراء المرجعية ..هل يتحقق ما
تريده قوى تفتيت العراق ؟؟
د. عبد الله يوسف الجبوري
من الغريب أن العراق بات يمر بمرحلة التفتيت الجيوبولتيكي والإجتماعي
جنبا إلى جنب مع الإرتباط بالمحتل وما تحقق من قرارات تربط العراق وتربط
الأجيال القادمة بقيود ربما لم يتمكن كاتبو الدستور من إلغائها أو تخفيف
التبعات الناتجة عنها وأهمها إرتباط سياسي وثقافي وفكري وإقتصادي تحت ما
يسمى بقانون إدارة الدولة والتي تحفظت عليه قوى سياسية ودينية كثيرة
ومنها المرجعيات الدينية ولا سيما الشيعية على وجه الخصوص بسبب غياب
مفهوم المرجعية الدينية لدى السنة وربما لدى بقية الطوائف الدينية
المكونة للشعب العراقي .
وربما كان البعض من السنة يرون في إقصاءهم عن السلطة مبررا لرفض كل ما
يمكن ان يمنح أصحاب المظلوميتين القومية من الأكراد تحديدا والطائفية من
الشيعة مواقع جديدة في السلطة التي أصبحت تواجه خللا حقيقيا في بنائها
وفي علاقاتها مع قوى الشعب المؤيدة والرافضة لمباديء قانون إدارة الدولة
سيء الصيت ، وربما كان البعض من السنة ولا سيما الحزب الإسلامي العراقي ،
وهو المكون الذي لم يتوفق في العلاقة مع المحتل بسبب تنامي التعددية
السياسية والتنظيمات العلمانية والعشائرية التي كان الحزب الإسلامي يراهن
عليها بالتحديد ، وكذلك ضعف قدرته على تقديم نفسه كمرجعية حقيقية في ظل
التقارب مع الأمريكي المحتل والتسارع الذي شهدته الساحة السياسية لا سيما
ظهور المقاومة العراقية المبكر في الأشهر الثلاثة الأولى للإحتلال ،
والتحالف بين السنة والشيعة من خلال تيار مقتدى الصدر والشيخ الخالصي
والمؤتمر التأسيسي ،، الذي لولا تداخلات المرجعية الشيعية لبات من الصعب
بقاء المحتل إلى وقتنا الحاضر ولتغيرت موازين القوى من خلال ظهور العديد
من المتغيرات وأهمها مقاومة شيعية مسلحة سياسية ناضجة .
ولا نريد الدخول في تفاصيل حركة جيش المهدي ومحاصرته من قبل قوات
الإحتلال بالتعاون مع المرجعيات الشيعية والمرجعيات الإجتماعية ،، ومن
هنا كان الجدل الدائر في الساحة السياسية العراقية هو من يمثل المرجعية
الشيعية حصرا ؟؟ في حين كانت هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي
العراقي يتصارعان في الخفاء من اجل تمثيل السنة ، وهذا ما ساعد على تنامي
فعل المرجعيات الدينية الشيعية وبدعم أمريكي وإيراني واضح ، وحرصا على
إبعاد مقتدى الصدر من لعب دور أكبر في المشروع السياسي ومشروع ترحيل
المحتلين ، وربما بدعم من بعض الدول المجاورة ولا سيما الكويت على أن
المرجعية الدينية في العراق هي مرجعية آية الله السيستاني والكل يعلم أن
هناك أكثر من مرجعية شيعية غير مرجعية السيد السيستاني ولكن لا يمكن لقوى
الإحتلال أن تشتت مواقفها وعلاقاتها وتسمح بتعددية مرجعية لا يمكن أن
تخدمها في صهر مصالح فئات عديدة ضمن منظور أمريكي تدعمه قوى عراقية شيعية
ذات طابع ديني معلوم .
كما إن إيران التي تلوذ بالصمت إزاء مرجعية آية الله السيستاني تخطط من
بعيد لجعل مرجعية العالم الإسلامي الشيعي تستقر في قم المقدسة ، وهذا لا
يمنعها من التخطيط في الخفاء لتلبية هذا الطموح ، ولكن بما أن القوى
السياسية العراقية الفاعلة والتي تسيطر على الواقع السياسي بدعم أمريكي ،
يمكن أن تحتل مكان الصدارة في المشروع الإيراني إتجاه العراق ، فإنها قد
أجلت الصراع على المرجعية ويمكن لها الوصول إليه تباعا من خلال مد نفوذها
المذهبي والإقتصادي بالدرجة الأساس ، وهذا ما يجري الآن ، والإستفادة من
متغيرات الوضع العراقي ، وأهم ما يمكن ملاحظته أنها أستفادت من عدم
إتهامها بالتسلل إلى العراق ، كما هو الحال مع سوريا ، أو أنها تقوم بدعم
جهات المقاومة ، وهذا ما جعل أمريكا تنظر لها فقط من زاوية مشروعها
النووي وترك الجانب الطائفي لقوى عراقية تنسق له وفق منظور أمريكي واضح .
هذا الأمر جعل هذه القوى تمد جسور علاقتها السياسية مع إيران من خلال
تبادل وجهات نظر ربما تتصل بمستقبل جنوب العراق ولا سيما الشريط الحدودي
لها والغني بالنفط مقابل ضمانات مخفية أهمها أن يكون البرنامج النووي
الإيراني مجرد برنامج تكنولوجي لا يحقق أهدافه التهديدية بعيدة المدى
لإسرائيل ، وهذا كل ما تريده أمريكا وتريده إيران كذلك ، علما بأن إيران
ومن باب السياسة الإعلامية أعلنت أنها تراقب عن كثب التحرك الإسرائيلي في
شمال العراق وجنوبه لكنها لم تتخذ ما يمكن أن تقوم به لولا التوافق
الأمريكي الإيراني بأتجاه تقسيم العراق وجعله دويلات ضعيفة من الناحية
العسكرية وجميعها تخضع للحماية والوصاية الأمريكية وقليلا من الوصاية
الإيرانية فيما يتعلق بقضايا الطائفة الشيعية .
ومن خلال تشابك هذه المسائل وتعقيدات المشهد العراقي بسبب تنامي المقاومة
المسلحة التي أربكت إلى حد ما المخطط الأمريكي ، كان على السياسيين
المرتبطين بأمريكا ولا يمكن لهم التنازل عن حمايتها لهم ولمشاريعهم
السياسية أن يتخذوا من المرجعية الدينية ،، وهنا لا أقصد فقط المرجعية
الشيعية ،، بل المرجعية السنية التي ربما نجددها حقيقة تتخبط في عملية
مغازلة أطراف حكومية معينة ومنها الأطراف الكردية ، بعد أن وجدت نفسها
خارج لعبة تداول السلطة ومعظما يغرد خارج السرب ، لأنها لا تمتلك مقومات
القيادة الفعلية والمناورة السياسية وهذا ما أوقعها في أكثر من متناقض ،
وهنا نجد أن بعض قادة حكومة الجعفري وبعض الشخصيات والتيارات السياسية
وجريا على عادة زيارة المرجعيات الدينية قاموا بزيارة هيئة علماء
المسلمين وتداولوا التصريحات السياسية التي ربما كان لها بعض الأثر في
توجه السنة مؤخرا ممثلين بخليط سياسي وإجتماعي وديني هش إلى الدعوة
للمشاركة بالعملية السياسية والترشيح للإنتخابات المقبلة ، ما يمكن أن
تتصوره بعض القوى انه المنفذ الوحيد للقوات الأمريكية في مواجهة زخم
المقاومة المسلحة ، ولكن ربما سيكون هناك عامل مهم هو أن القوى الشيعية
المعتمدة على مرجعيتها الدينية يمكن لها أن توفر غطاء بشريا كبيرا بدعم
من المرجعية الشيعية في الإنتخابات وهذا ينطبق كذلك على الأكراد بتوفير
غطاء بشريا ضخما من خلال المرجعية السياسية العرقية ، في حين أن السنة
ربما لا يحالفهم الحظ في ذلك والسبب يعود إلى ضعف عمقهم البشري في دول
الجوار وهذا بخلاف ما يمكن للبقية توفيره مثل العراقيين المهجرين في
إيران أو الأكراد المتواجدين في إيران وتركيا وإمكانية تحويلهم إلى قوة
بشرية هائلة لصالح نجاح هاتين الكتلتين من خلال مرجعيات دينية وعرقية .
إذن ما يجري في العراق هو سباق للوصول إلى السلطة تحت غطاء ديني وطائفي
وعرقي وكلها تباركها أمريكا لأنها تجد في الوحدة الوطنية ولا سيما بين
الطوائف ما يهدد مصالحها لذلك لا يخفى أن ما جرى في أزمة النجف مع السيد
مقتدى الصدر ودخول آية الله السيستاني على الخط وعودته المفاجئة من لندن
بعد تلقيه العلاج هناك ، ما يشير إلى أن المحرك الطائفي الذي تريده
أمريكا الآن قد ينجح إلى حد ما وذلك من خلال تنامي الصراع الشيعي –
الشيعي ، والصراع العربي الكردي وهو ما يجري الآن في كتابة الدستور ،
والصراع الطائفي الشيعي السني الذي أثبتت الوقائع أن هناك أطرافا ومن كلا
الطرفين تنمي روح الإنتقام وتتمسك بالمحاصصة التي تسهم في تأجيج روح
العداء والإنتقام .
ومما يلاحظ على مسألة الدور السياسي للسلطة في العراق الآن هو أنها ربما
وبتشجيعها للتصفية العرقية في مؤسساتها أو التصفية الطائفية قد تحترق
بنارها قبل أن يحترق العراق ، وذلك لوجود صمام أمان عربي خالص وهو ما
يتكلل بالنجاح من خلال دور العشائر والقوى العربية الأصيلة في لجم أي
تنامي للنزاع الطائفي والحرب الواسعة الآن . إذن الحكومة تريد أن تتكيء
على المرجعية وبشقيها الشيعي والسني ولكنها ربما لا تجد مخرجا عندما تفرض
المرجعية رؤيتها على المشروع السياسي الذي يتعارض مع المشروع الأمريكي
إلى حد ما ، وهذا ما تجسد في زيارة رامسفيلد لبغداد بعد إجراء الأنتخابات
في كانون الثاني / يناير ، وتدخل كونداليزا رايس في فرض رؤية أمريكية على
تشكيلة الحكومة وتحويلها من رؤية تعتمد الإستحقاق الإنتخابي إلى رؤية
تعتمد التوافق ، وهذا سيكون المأزق الحقيقي للقوات المحتلة عندما ستواجه
أزمة دينية في البنية السياسية العراقية .
إننا ندعوا ومن خلال رؤيتنا الحقيقية لمستقبل العراق المجزأ والطائفي
والعرقي ، إلى ضرورة أن يعاد النظر في العلاقة مع القوات المحتلة
وأستخدام رؤية وطنية تمكن العراقيين في المستقبل من منع تحويل العراق إلى
دويلات ربما سيكون بعدها من السهل أن يتم تقسيم المنطقة وفق النظرة
الأمريكية التي طبقتها السياسة العراقية المتحالفة مع الأمريكان .
|