|
شرح بسم الله الرحمن الرحيم
د. أحمد صبحى منصور
ناصر السعيد 1923 –1977
أعظم رجل انجبته الجزيرة العربية طيلة الف عام
الفرصة متاحة الآن أمام الملك عبدالله بن عبد العزيز لكى يصلح المملكة
سلميا ودستوريا طبق المشروع الاصلاحى الذى نادى به ناصر السعيد منذ نصف
قرن ..
مقدمة:
فى أواخر القرن الماضى قررت تأليف كتاب كامل عن المعارضة السنية
السعودية فى القرن العشرين. يبحثها اصوليا وتاريخيا : يبدأ بالمعارضة
التى قام بها الأخوان ــ أولئك الذين اسهموا مع عبد العزيز فى اقامة
الدولة السعودية الثالثة ثم ثاروا عليه فأخمد ثورتهم ، ثم حركة المعارضة
السلمية لناصر السعيد فى عهد الملك سعود ، وحركة جهيمان العتيبى فى عهد
الملك خالد . وأخيرا الحركة المعاصرة التى قامت بها اللجنة الشرعية
وانتقلت الى لندن بزعامة المسعرى والفقيه قبل انفصالهما. وهى الحركة التى
انجبت اسامة بن لادن.
أنهيت هذا الكتاب مع نهاية سنة 2000 . ولا يزال مخطوطا .
خرجت منه بنتائج شتى منها ما قد يفيد الدولة السعودية اذا أرادت انقاذ
نفسها بالاصلاح قبل فوات الأوان ، ومنها ما يفيد فى مواجهة التطرف فكريا
و سلميا.
على أن الجائزة الكبرى التى سعدت بها هى تعرفى من خلال البحث على شخصية
ناصر السعيد ابن مدينة حائل وابن اقليم شمر فى نجد ، ولهذا أبادر بنشر ما
كتبته عنه الآن بعد هذه المقدمة.
قلما تعجبنى احدى الشخصيات التاريخية التى أبحثها متوغلا فى فحص ظروفها
الانسانية والمكانية والزمانية. وعموما فالباحث التاريخى العادى لا بد له
من التوازن باظهار الجوانب السيئة والخيّرة فى الشخصيات التى يبحثها. الا
أن المؤرخ المنشغل بالاصلاح هو كالطبيب الذى يعالج المرضى فقط دون
الأصحاء . لذا تراه عادة ما ينكب على بحث " السيئات" أو المثالب لأن هذا
مجال عمله ، فالمثالب والعيوب فقط هى التى تتطلب الاصلاح وليست النواحى
الصالحة المضيئة. والعادة أن يوجد هذا الباحث المنشغل بالاصلاح فى عصر
يتحول فيه التأريخ للسابقين الى مدح وتمجيد وتركيز على المناقب فقط ، لذا
يكون وجوده ضروريا ليتخصص فى بحث الجانب المظلم والمجهول كى نتعلم
الحقائق المجهولة والمسكوت عنها ونستفيد منها فى حاضرنا، واكثر من ذلك كى
نقيم ميزان العدل فى التأريخ بحيث تتضح للناس المناقب والمساوىء معا
تأكيدا على بشرية الزعماء والأبطال.
المؤلم ان أغلب الشخصيات التاريخية المشهورة بل والمقدسة - لدى مثقفي
العوام وبعض الكتاب من أنصاف المتعلمين ـ ليسوا فى الحقيقة التاريخية الا
معتوهين أوأفاقين نصابين اومنحلين خلقيا وشاذين جنسيا أو لئاما وأنذالا
بكل المقاييس. وفى نفس الوقت تجد شخصيات نبيلة محترمة لم تأخذ حقها من
الشهرة أو من التكريم . ظلمهم المجتمع فى حياتهم ثم سكت التاريخ عن
انصافهم بعد مماتهم فلم يعطهم الا الفتات فى أفضل الحالات، وفى أغلبها
ردد عنهم الشائعات التى تستهلك جهدا ووقتا من الباحثين المنصفين ليزيلوا
ركامها وينصفوا المظلوم النبيل البرىء منها. هذا لأن التاريخ عندنا لا
يزال عاهرة ترقص فى مواكب السلطان تدعو له بالنصر . ولهذا لا يستجاب لها
الدعاء !!.
كان كتابى عن المعارضة السعودية يؤرخ ويحلل لاساطين الوهابية السعودية فى
الدولة وفى الدعوة، فى الحكم وفى المعارضة معا فى اتفاقهم واصطراعهم .
كان يجيب على سؤال طرحته على نفسى وخصصت الكتاب للاجابة عليه. السؤال
يقول: لماذا يختلف المعارضون الوهابيون مع دولتهم السعودية الوهابية وهم
معا ينتمون لنفس المذهب السنى والفرقة الحنبلية والاتجاه التيمى ـ نسبة
لابن تيمية ـ والدعوة الوهابية ؟
أجاب البحث على السؤال فى دراسة تاريخية اصولية تحليلية تقع فى 471 صفحة
بدون الملاحق. أكد فيها أن تاريخ السعودية المعاصرفى أغلبه ليس الا
تكرارا لتاريخ "نجد " الدموى والمتزمت فى العصور الوسطى الظلامية الذى
اعتدت تحليل ومناقشة أحداثه وتفاهاته وصغاره برغم هالات الزعامات المزيفة
والأسماء الكبرى المقدسة أو التى فى طريقها الى مصانع التقديس والتزييف.
ذلك ما برعنا فيه نحن العرب المسلمين وتفوقنا فيه على العالمين حتى عبدنا
ما زيفناه وصدقنا ما افتريناه ، وكررنا ما كان قوم ابراهيم يفعلونه حين
كانوا يصنعون الصنم ثم يعبدونه ويذيعون الافك ثم يصدقونه ، فقال لهم
ابراهيم عليه السلام :": أئفكا آلهة دون الله تريدون " وقال لهم :"
أتعبدون ما تنحتون ؟ " الصافات 86 ،95"وقال لهم: " انما تعبدون من دون
الله أوثانا وتخلقون افكا ".العنكبوت 17".
أراحنى واسعدنى فى بحثى للمعارضة السعودية أن وجدت بين كل أولئك البشر
رجلا رشيدا ، ذكرنى بحسرة النبى لوط عليه السلام حين قال لقومه المصابين
بالشذوذ الجنسى ": أليس منكم رجل رشيد "؟" هود 78 ". لم يجد لوط عليه
السلام رجلا رشيدا فى قومه ولكننى وجدت ـ بعد عناء ـ رجلا رشيدا وعظيما
فى نفس الوقت . انه ابن حائل وابن شمر المناضل المسالم : ناصر السعيد.
أحببت هذه الشخصية وتعاطفت معها فى نضالها السلمى أمام خصوم لا يعرفون
ولا يحترمون الا منطق القوة . القوة عندهم هى الحق. لذلك يصلون للقوة
بتزييف الحق والوعى ، وما يحصلون عليه بالقوة الغاشمة يصير حقا لهم بقوة
السيف . انه منطق الجاهلية الصحراوية الذى جاء خاتم النبيين محمد عليه
السلام ليقضى عليه فكان أن عاد نفس المنطق الصحراوى سريعا مسلحا بأكاذيب
دينية شتى ليحارب الاسلام مستخدما اسم الاسلام، ولتتحول فيه شخصية النبى
محمد الذى أرسله الله تعالى رحمة للعالمين ، ليصبح فى أكاذيبهم مبعوثا
بالسيف لقتل الآخرين ، وجاءت الوهابية فى عصرنا تعيد هذا التاريخ منتحلة
اسم الاسلام العظيم تنشر تحت لوائه التعصب والتطرف والارهاب.
فى المواجهة وقف ناصر السعيد مسلحا بفطرة اسلامية نقية وبايمان بقيمة
العدل الاسلامية التى لا تزال مغيبة ومشوهة بمتون الفقه التراثى . مع
العدل انحاز الى الاصلاح السلمى دون غيره، فوقف داعية لاصلاح الدولة
السعودية من الداخل بأن يقوم الحكام انفسهم باصلاح انفسهم بدلا من قيام
ثورة قد لا تبقى ولا تذر. وكانت النتيجة أن تسجنه وتطارده ثم تغتاله
الأسرة التى حاول اصلاحها سلميا من الداخل .
جاء ناصر السعيد ـ رحمه الله تعالى ـ بين حركتين للمعارضة السنية
الوهابية ضد الدولة السعودية الوهابية ـ الاخوان من قبله وجهيمان العتيبى
من بعده ـ كلتاهما سفكت الدماء وانتهكت الحرمات . ثم نحظى الآن والعالم
كله معنا بالمعارضة السعوديةالوهابية الراهنة تهدد العالم كله مع مطلع
هذا القرن الحادى والعشرين ، لتؤكد ان البلاء فى داخل العقيدة الوهابية
ذاتها ولا بد من نفيها الى التاريخ المظلم الذى جاءت منه واصلاح الدولة
السعودية من الداخل بالاسلام الذى هو صالح لكل زمان ومكان- هذا اذا اردنا
اصلاحا سلميا.
هذا ما كان ابن حائل العظيم ـ ناصر السعيد ـ يدعو اليه ويعانى من أجله
فلم يلتفت اليه الأغبياء الذين لا يزالون فى غيهم يعمهون ، وسيظلون هكذا
الى ان تفرض عليهم سيدتهم أمريكا الاصلاح، أو الى أن تزول دولتهم وتعود
الى متحف التاريخ مثل شقيقتيها السابقتين الدولة السعودية الأولى
والثانية .
كنت أحترق وانا أكتب هذا الفصل من الكتاب عن ناصر السعيد . كنت اكتم
اعجابى به . اذ أن المنهج العلمى التاريخى يفرض على قلمى الألتزام التام
بالحياد تاركا للقارىء أن يكون رأيه بنفسه . كان الضحية المسالم يتوجع
أمامى بين السطورفى مواجهة الطغيان المسلح، الا أن المنهج العلمى البارد
يتطلب الحياد حتى فى الصراع غيرالمتكافىء بين الطرفين .
ألان بعد الكتابة المحايدة استطيع أن اعلن رأييى الشخصى كما اشاء فى هذه
المقدمة . أقولها عن دراسة وعلم وتخصص فى تاريخ المسلمين من بدايته الى
الآن : ان ناصر السعيد أعظم شخصية انجبتها الجزيرة العربية طيلة تاريخها
منذ العصر الأموى حتى الآن .وانه – كمصلح مسالم - أعظم من أنجبته منطقة
"نجد " الدموية طيلة تاريخها ، وانه يحق لابناء حائل وشمر أن يفخروابه ،
وأن من واجبه عليهم أن يعطوه حقه من التكريم وأن يخلدوا اسمه ما استطاعوا
الى ذلك سبيلا. ان تعذر عليهم اطلاق اسمه على الشوارع والميادين والمدارس
والمتاجر ففى الفضاء الفسيح متسع لهم حيث لا سيطرة لآل سعود . يمكنكم أن
تعطوه بعض حقه على الآنترنت ، فى مواقع تنشر مؤلفاته وتسجل كل تراثه
وتاريخه الشخصى، وابحاث تناقش آراءه وتصل بها الى كل المراكز العلمية
والبحثية تعرفها به وبجهاده وباسبقيته فى الدعوة للاصلاح السلمى وامكانية
الاستفادة برؤاه الاصلاحية حتى الآن حين أصبح اصلاح الشرق الأوسط مهمة
دولية وانسانية.
ان هناك وجهتا نظر فى تحديد العظمة.
يرى البعض العظمة فى النجاح السياسى وفق معايير السياسة القائمة على
المنفعة وتأسيس السلطان أوالوصول للسلطة والانتصار على الخصوم. ينطبق هذا
على سائر منشئى الدول فى التاريخ ، والمحاربين " العظماء" من تحتمس
الثالث ورمسيس الثانى وقمبيز ويوليوس قيصروهرقل وأبى بكر وعمر ومعاوية
وعبد الملك بن مروان وعبد الرحمن الداخل "صقر قريش"وابن طولون والاخشيد
والمعز لدين الله الفاطمى وقطز وبيبرس وجنكيزخان وهولاكو وخوارزم شاه
وطغرل بك و الشاه اسماعيل الصفوى وأتيلا وتيمورلنك ومحمد الفاتح العثمانى
والسلطان سليم الأول ومحمد على باشا ونابليون وبسمارك وهتلر وموسولينى
وتشرشل ولينين وستالين وعبد الناصر..و عبد العزيز آل سعود.
لكنها عظمة قامت على دماء ملايين الضحايا الأبرياء وصرخات ملايين الأطفال
والأرامل . عظمة قامت على القتل والسلب والنهب والتدميرفى سبيل شخص واحد
أو قبيلة واحدة.. ظلم ما بعده ظلم ، وليست هناك عظمة فى الظلم ولا ينبغى
ان تكون.!!
ويرى البعض الاخر – وأنا منهم – أن العظمة الحقيقية هى العظمة الانسانية
الأخلاقية التى تقف مع الحق والخير والسلام . رواد العظمة بهذا المفهوم
هم الأنبياء صفوة البشر ، ثم أمثلة مضيئة بعطائها فى كل زمان ومكان، من
عمر بن عبد العزيز الى الحسن البصرى و سعيد بن جبير وأبى حنيفة فى العصور
الوسطى الى غاندى ومارتن لوثر كنج ومانديلا وناصر السعيد فى عصرنا الراهن
.
ما كتبه ناصر السعيد فى اصلاح الدولة السعودية هو أساس الاصلاح لهذه
الدولة، وقد ماطلت فى تنفيذه فتسببت فى مقتل مئات الألوف من البشر.
تلامذة ناصر السعيد اليوم هم: متروك الفالح والدمامينى والحامد وغيرهم .
هم زعماء الاصلاح الحقيقيون اليوم فى السعودية والذين حكم النظام السعودى
بسجنهم لمناداتهم بالملكية الدستورية ثم قام الملك عبد الله بن عبد
العزيز باطلاق سراحهم أخيرا ليعطى بارقة أمل فى توجه اصلاحى نرجو له أن
يستمر.
أمام الملك عبد الله السعودى فرصة تاريخية الآن ليكفر عن خطايا أسرته
وليمد فى عمر الدولة السعودية الثالثة الحالية. عليه فقط أن ينفذ المشروع
الاصلاحى الذى نادى به ناصر السعيد منذ نصف قرن وعانى من أجله طيلة
حياته.
معنى ذلك ان ناصر السعيد لم يمت، ولن يموت مابقى فى الناس من يقرأ ويكتب
ويعى ويفهم . الذين يموتون وهم احياء هم اولئك الذين يموت ناصر السعيد
وأمثاله من اجلهم ثم لا يتحركون ولا يهتزون .
تحركوا ايها الناس .. اجعلوا العالم المتحضر يعرف انكم أحياء ترغبون فى
الحرية مثل الشعوب الآفريقية " الشقيقة"...
وبعد ـ فهذا هو الفصل الخاص بحركة ناصر السعيد .
اقتطعته من كتابى المخطوط وأنشره كما هو تحية من مؤرخ ـ متخصص فى السيئات
ـ الى ابن شمر العظيم وفخر الجزيرة العربية المناضل المفكر المسالم "ناصر
السعيد ".
القسم الثاني
الفصل الاول
معارضة ناصر السعيد (1923 –1977)
في عصر الملك سعود (1953 –1964)
مقدمة :
اولا :البترول المؤثر الحقيقي في سياسة الملك سعود وفي المعارضة :
أ- تطور الانتاج البترولي في عصر سعود .
ب- البترول وترف الملك سعود .
جـ – البترول وتحديث المملكة السعودية .
نتائج تحديث المملكة :
1- تهميش دور علماء الدين .
2- اخضاع علماء الدين للدولة .
3- وجود تنافس مدني علماني لعلماء الدين .
4- اهمال الاصلاح الاجتماعي والتحديث التحتي .
د – اثر البترول في سياسة سعود الخارجية .
ثانيا : حركة ناصر السعيد :
حياته –نضاله –مطالب ناصر السعيد .
تحليل الخطاب الايدولوجي لناصر السعيد :
بين الاصولية السنية والمعاصرة والتقدمية .
الاصولية الدينية في خطاب ناصر السعيد :
في الافتتاح – في الاستشهاد –في الاجتهاد الديني .
موقفه من الثورة ومن الثروة .
المعاصرة في خطاب ناصر السعيد .
التقدمية في خطاب ناصر السعيد .
تأثير حركة ناصر السعيد :
1- ظهور حركات معارضة متنوعة :عسكرية –الامراء الاحرار – المعارضة
اليسارية والقومية .
2- عزل الملك سعود وتنفيذ بعض الاصلاحات التي طالب بها ناصر السعيد.
3-التمهيد للاصولية السلفية :حركة جهيمان العتيبي .
الفصل الاول :
معارضة ناصر السعيد السنية في عهد الملك سعود
(1953: 1964)
مقدمة
عبقرية المكان في مصر فرضت علي عبد العزيز جهودا مضاعفة يمهد
للدعوة الوهابية فيها ،والتي تمخضت عن تشكيل حسن البنا لجماعة الاخوان
ذات الايدولوجية الوهابية ، الا ان ذلك صادف ظروفا ملائمة في مصر اتاحت
لجماعة حسن البنا الانتشار فيما بين (1952:1928)اذ شهدت مصر في تلك
الفترة حياة ليبرالية سياسية ولكن تفتقد الي العدل الاجتماعي ،بمعني ان
الحراك الاجتماعي لم تكن فيه مرونة لترحب بانتقال المتعلمين من ابناء
الفلاحين والعمال (الطبقة الدنيا) الي الطبقة الوسطي ولم تكن فيه مرونة
لينتقل بها ابناء الطبقة الوسطي الي الطبقة العليا . ومع وجود الليبرالية
السياسية وحرية العمل السياسي والصحفي والادبي فقد اختارت الاجيال الشابة
المحرومة ان تعبر عن نفسها من خلال جماعات للرفض والتمرد التي اعتنقت
ايدولوجيات مختلفة ،من اقصي اليسار كالشيوعية بكل اطيافها والشوفينية مثل
حزب مصر الفتاة .ومن الطبيعي ان يجد حسن البنا للاخوان المسلمين متنفسا
لحزبه ليكمل الدائرة باليمين الديني المتشدد ، ووجد شباب اخرون طريقهم
للجيش من خلال الكلية الحربية ،وتكون منهم تنظيم الضباط الاحرار الذين
عكست اتجاهاتهم وانتماءاتهم جيل الرفض ،من الشيوعيين والاخوان ومصر
الفتاة ، ومن هنا كان ترحيب الاخوان والشيوعيين ومصر الفتاة بقيام الثورة
،وظهر التحالف واضحا بين الثورة والاخوان بالذات ، ثم ما لبث ان اختلفوا
سويا بحيث تآمر الاخوان علي حياة جمال عبد الناصر في حادث المنشية ،
فأوقع بهم عبد الناصر ، ومن نجا منهم هرب الي السعودية موطن ايدولوجيتهم
.ومن هنا تحتمت المواجهة بين مصر الناصرية والسعودية في عهد سعود .
وعبقرية المكان في مصر لم تفرض علي عبد الناصر جهدا يذكر في تصدير افكاره
الثورية الي السعودية وغيرها ، بل كان من السهل عليه ان يقطع دابر
الاخوان المسلمين وفكرهم الوهابي السلفي في مصر ، بل ويحاصره داخل
السعودية .خلالها تقلص ذلك الفكر نسبيا امام الافكار الناصرية التي فرضت
وجودها بفعل الثقل المصري في ذلك الوقت الي درجة التأثير في بعض الامراء
حتي تكون منهم تنظيم الامراء الاحرار علي نسق تنظيم الضباط الاحرار في
مصر .
وامتزجت عبقرية المكان مع زعامة عبد الناصر وسياسته في الخمسينات التي
اتبعها في سياسة فن الممكن في زمن المستحيل او فن المستحيل في الزمن
الممكن ،ففجر الثورة ،واجلي الاحتلال البريطاني ،وواجه العدوان الثلاثي
وحقق الوحدة مع سوريا وكل ذلك في مواجهة القوي الكبري . الا ان انجازه
الاكبر كان في تغيير المناخ المحلي والاقليمي والعالمي ،اذ نشر ايدولوجية
اليسار والقومية العربية وتحالف قوي الشعب والحياد الايجابي وعدم
الانحياز وذلك في مواجهة الاستعمار والسياسة الامريكية وتحالفها مع
اسرائيل . وكان من الطبيعي ان يتحالف عبد الناصر مع الاتحاد السوفيتي
ومعسكره الشرقي ، وان يتزعم دول العالم الثالث وشعوبه في حرب التحرير
والاستعمار القديم والامبريالية الامريكية ، وبالتالي يقف ضد الدول
التابعة للمعسكر الغربي ،وما كان يسمي بالنظم الرجعية ،وكانت السعودية مع
ايران والاردن اهم الدول الرجعية في ذلك الوقت .
وهذا المناخ الجديد الذي صنعه عبد الناصر محليا واقليميا وعالميا دفع
ثمنه الملك سعود الذي سار علي نفس طريقة والده في التمتع بالرفاهية
والاستبداد والتمسك بالسلفية الوهابية الرجعية ، وكان ممكنا ان تسير
حياته السياسية دون اعتراض كبير بمثل ما حدث في العشرين سنة الاخيرة في
حياة والده ، الا ان المناخ الذي انشأه عبد الناصر وقف له بالمرصاد ، ومن
هنا واجه سعود معارضة ناصرية ما لبثت ان قضت عليه ..اذ كان سهلا علي خصوم
آل سعود ان يعتنقوا الايدولوجية الناصرية بديلا عن الايدولوجية الوهابية
.وأبرز أولئك الخصوم كان ناصر السعيد.
ومن الطريف ان عبد الناصر كان يمارس في سياسته الداخلية نفس سياسة سعود ،
فقد اتهم سعود بالديكتاتورية وتضييع الاموال في الاسراف والملذات . وعبد
الناصر ايضا كان يحكم بالشرعية الثورية مستبدا .عطل دستور 21 وصادر
الحريات التي عاشتها مصر اثناء الفترة الليبرالية من 1952:1923 وقام
بالتنكيل بمعارضيه حتي من داخل الجيش وغيرهم من الشيوعيين ومن أسماهم
بالرجعيين . واذا كان سعود قد اضاع ملايين في الاسراف علي متعته ورفاهيته
فان عبد الناصر اضاع رصيد مصر من الذهب في مغامرة فاشلة في حرب اليمن .ثم
كانت الطامة الكبري في هزيمة 1967.. والاستبداد بكل اشكاله يؤدي الي نفس
النتيجة ،الا ان الدعاية المصرية التي انفردت بعبقرية المكان ادانت الملك
سعود بقدر ما رفعت عبد الناصر الي عنان السماء ، وبينما اخمد عبد الناصر
اصوات معارضيه فان معارضي الملك سعود ارتفعت اصواتهم حتي داخل المعسكر
السعودي نفسه وارغمت سعودا علي الرحيل .
علي ان المناخ داخل السعودية كان مواتيا لازدهار المعارضة ولاستقبال
الدعاية الناصرية ، والجيل الذي عايش عبد العزيز قد انتهي أو أحيل
للاستيداع ،وجاء بعده جيل جديد ،جزء منه تعلم تعليما مدنيا علمانيا وله
استعداد لتقبل الاراء الجديدة ،كما ان معظم هذا الجيل حتي من تعلم تعليما
محافظا اصبح يستمع للاذاعات ويستعمل المخترعات ، أي اصبح اكثر تفتحا من
الاخوان – اخوان عبد العزيز وجنده الأشداء المتزمتون - والعلماء في عصر
عبد العزيز . وبرحيل عبد العزيز اخذ معه كاريزميته وقوة شخصيته ولم يكن
بامكان ابنه سعود ان يملأ مكان والده فتعرض للانتقاد .وبهذا تفاعل الداخل
مع التأثير الناصري الخارجي في بعث حركة معارضة جديدة .
للوهلة الاولي يبدو للباحث ان معارضة ناصر السعيد لا تدخل في اطار
المعارضة السنيةالاصولية السنية ،وان هناك مؤثرات في المعارضة للملك سعود
تتمثل في دور هيئات الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجامعات الاسلامية
التي ادت الي نمو الاصولية، وان سياسة الملك سعود ادت الي تفاقم المعارضة
بحيث انتهي الامر الي عزله .
ولكن البحث المتعمق يتضح منه ان معارضة ناصر السعيد .وان كان لها توجه
اشتراكي وتأثر بالناصرية الا انها صدرت عن رؤية اصولية سنية وتغلفت بخطاب
ديني في الاساس ..كما ان المؤثر الحقيقي في المعارضة في عصر سعود هو
البترول الذي ادي الي تحديث الدولة السعودية داخليا، واثر هذا التحديث
علي وضعية علماء الدين ، كما ان ظهور البترول وتوجه الدولة الي التحديث
الفوقي شغلها عن اصلاح ضروري للبنية الاساسية واصلاح احوال الطبقات
الفقيرة ،هذا مع اشتهار الملك سعود بالترف . وواكب هذا التأثير الداخلي
تأثير خارجي تمثل في تحالف الملك سعود مع امريكا وعدائه مع عبد الناصر و
المعسكر الاشتراكي …وكل ذلك ادي الي توجه المعارضة السعودية في عصر الملك
سعود الي التأثر بالفكر الاشتراكي السائدمع اختلاف درجات هذا التأثر ،
وكان من ابرز المعارضين هو ناصر السعيد ،ليس فقط لأنه اشهرهم واكثرهم
صمودا و اعلاهم صوتا ،ولكن ايضا لأن مرجعيته كانت دينية تنحو نحو العدالة
الاسلامية وتحمل ايضا في طياتها اجتهادا دينيا يؤكد علي حقيقة ان الاسلام
صالح لكل زمان ومكان اذا وجد مفكرين اسلاميين يصيغون منه ما عدالة
الاسلام ومقاصد الشريعة مع واقعية فى فهم عصره وظروف مجتمعه ،هذا في
الوقت الذي تضاءل فيه –نوعا ما- دور علماء الدين في السعودية وغرق
المعارضون الاخرون في التوجهات الاشتراكية يناسب عصرهم . و قد كان اجتهاد
ناصر السعيد الاسلامي يربط بين والقومية .
وفي هذا المبحث نتتبع اثر ظهور البترول في سياسة الملك سعود داخليا
(تحديث الدولة وسياسة الترف ) وفي سياسته خارجيا حيث وضع البترول المملكة
علي حافة الاهتمام الدولي والتأثر والتأثير في العالم الخارجي ،واثر
تحالفها مع امريكا في عدائها للمعسكر الناصري والشيوعي والاشتراكي ،وكيف
اثمرت سياسة سعود الداخلية والخارجية في نمو المعارضة ،وفي توجيهها
وصبغها بصبغة اشتراكية ،ثم نسير مع ناصر السعيد وحركته ومطالبه التي
اثارها وتحليل خطابه في المعارضة سياسيا ودينيا وفكريا ،واثار معارضته
علي الصعيد الداخلي للملكة ..
اولا: البترول المؤثر الحقيقي في سياسة الملك سعود
وفي المعارضة :
أ- تطور الانتاج البترولي في عصر سعود :
شهد الملك عبد العزيز في حياته التضخم الهائل في ثروة البلاد من انتاج
النفط .فقد كان 200 الف دولار قبل الحرب العالمية الاولي ،ووصل الي 10
مليون دولار قبل الحرب العالمية الثانية ، ليصل الي 60 مليون دولار في
عام1948 ، ثم 160 مليون دولار في عام 1952 .ثم ارتفع سنة وفاته ليصل الي
250 مليون دولار .وكانت ايرادات الدولة 757 مليون ريال ،جاء منها 90% من
عوائد النفط [1].
وبرغم اتهام الملك سعود بالاسراف ودخول المملكة في اواخر عهده في متاعب
مالية اسفرت عن عزله ،الاان دخل المملكة في اخر سنة من عهد سعود وصل الي
500 مليون دولار [2] .ومن الطبيعي ان ينعكس ذلك علي سياسة سعود وعصره حتي
لقد كان البترول هو المؤثر الحقيقي التي تبلورت منه حركة المعارضة .
ب- البترول وترف الملك سعود :
حتي 1959 حين ظهرت اول ميزانية للدولة السعودية عمادها البترول لم تكن
هناك تفرقة واضحة بين اموال الدولة واموال الاسرة الحاكمة ،حيث كان عبد
العزيز يعتبر اموال الدولة ملكا شخصيا له ينفق منها علي احوال المملكة
حسبما يتراءي له وفق ما كان سائدا في تاريخ المسلمين في القرون الوسطي .
ثم مع بداية التحديث انشئت وزارة المالية لضبط حسابات المملكة والتفريق
بين مالية العرش ومالية الدولة ،وفي الميزانية المذكورة لسنة 58 :1959
تخصص للعرش السعودي 17% من الميزانية لانفاقها وفق رغبة الملك ،بالاضافة
الي 19% من الميزانية وضعت تحت بند (نفقات اخري )لتنفق حسب الرأي الشخصي
للملك ايضا .
وخلافا لوالده عبد العزيز فأن الملك سعود اشتهر بالترف و الاسراف خصوصا
مع الطفرة البترولية ،وشاع الحديث عن ترف القصور الملكية في عهده ،بما
يتناقض مع المحاذير الوهابية السلفية وما كانت عليه المملكة من تقشف قبل
ظهور البترول [3] وقد بلغ ما انفقه الملك سعود علي (الناصرية ) (وهي
مدينة تشمل عشرات القصور ومساحتها 8 كم ) 8 مليون ريال .وحين اصبحت من
الطراز القديم هدمها وبني اخري حديثة مكانها بمبلغ 850 مليون ريال ،منها
43 مليون دولار للخدمات الخاصة بالبلدية ،وفيها مدارس للامراء من ابناء
سعود وملاعب ودور سينما وحمامات صناعية للسباحة ،وجميع وسائل الراحة
والمطاعم الامريكية ،وكانوا يحضرون له الطعام من الخارج خصيصا مقابل 350
الف دولار شهريا ،كما يشرف الامريكان علي جميع مرافقها وشئونها ،وقد اقيم
من اجلها مشروع الخرج الزراعي لسد حاجتها من الحليب والزبدة والدجاج
واللحوم والبطيخ ،وتكلف مشروع الخرج 27 مليون دولار ،واستوردوا له ابقارا
ودجاجا من الولايات المتحدة كلفت الخزينة 20 مليون دولار [4] .هذا في
الوقت الذي سرق فيه ثلثمائة بدوي في الاحساء بعيرين واكلوهما بسبب الجوع
فأمر حاكم الاحساء سعود بن جلوي بقطع ايديهم جميعا وتغريمهم ستمائة ريال
ثمن البعيرين [5] .
صحيح ان الملك سعود سار علي طريق ابيه في اعطاء البدو رواتب ،الا انها
كانت هزيلة للافراد وجزيلة- نوعا ما- لشيوخ القبائل [6] ،ولم تتوازن مع
حجم الاسراف والترف الذي احاط بالقصور الملكية ،وفي تلك الفجوة بين الترف
والفقر لعبت المعارضة للملك سعود وتحددت اطروحاتها الفكرية والسياسية في
الدعوة للاشتراكية والعدل الاجتماعي مع تنوع المرجعيات ..مابين
ناصرالسعيد والرفاق الاشتراكيين والشيوعيين ،حيث كان العصر عصر
الاشتراكية .
جـ – البترول وتحديث المملكة السعودية :
ادي ظهور البترول ونشأة الاقتصاد النفطي في المملكة السعودية الي اقامة
هياكل ادارية معقدة اختلفت عن البساطة الادارية في عهد عبد العزيز ،فحتي
عام 1951كانت توجد ثلاثة وزارات فقط هي الخارجية وانشئت سنة 1930
والمالية سنة 1932،والدفاع سنة 1946 ،وكانت تنظيماتها وادراتها بسيطة
،ولكن اصبحت الوزارات اكثر عددا ،واصبح عملها اكثر تعقيدا ،فقد انشئت
وزرات الخارجية والتعليم والزراعة والمواصلات والتجارة والصناعة فيما بين
1951 :1954 ،ثم اضيفت ست وزارات اخري مع ثلاث وزارات دولة بدون حقائب
وزارية فيما بين 1960 :1962 .وانشئت اقسام مستقلة ومكاتب في ادارات
الدولة ،وانشأ مجلس الوزارات هيئات ووكالات حكومية عامة في الستينيات
للسكة الحديدية والبترول والتعدين والخطوط الجوية ….ألخ .[7]
واسفرهذا التحديث للمملكة عن نتائج اربعة هامة :
(1) تهميش دور علماء الدين :
كان علماء الدين في نجد اكثر تأثيرا وتشددا واقوي نفوذا عن زملائهم في
الحجاز الذي كان اكثر انفتاحا علي العالم واكثر تأثرا بالتطور السائد في
عصرهم ،ومن هنا كان التعليم السلفي مسيطرا في نجد في مقابل ما يمكن
تسميته بالتعليم العلماني الذي عرفه الحجاز من قبل دخوله في السيطرة
السعودية ..
الا ان علماء الدين في نجد والحجاز كانوا تابعين للسلطة الادارية
السعودية التي توازن بين السلطةالاصولية السنية الوهابية النجدية
والتحديث ،ومن الطبيعي ان يؤثر التحديث التي سارت فيه المملكة علي السلطة
المتوارثة لعلماء الدين الوهابيين خصوصا في نجد والرياض عاصمة الدولة
التي اخذت تتأهب في عصر سعود لتكون عاصمة عصرية .
لقد صاحب اتساع الهياكل الادارية تزايد سلطانها علي عدد هائل من المجالات
الاجتماعية بما فيها تلك التي كان يديرها علماء الدين والمؤسسات الدينية
.فالمجلس البلدي مثلا كان تمثيل العلماء فيه محدودا ،واصبحت السيطرة فيه
علي مجالات كانت تخص رجال الدين ،مثل ادارة الاوقاف والمدارس الدينية
والتعليم . بل ان مناهج التعليم لم تقتصر علي العلوم الدينية بل اضيفت
اليها العلوم الحديثة ال |