From : s_sammour@hotmail.com
Sent : Sunday, September 10, 2006 8:41 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : الشارع العربي سرعة توهج قصير الأجل-سري سمور
 

الشارع العربي..سرعة التوهج قصير الأجل!
بقلم:سري سمور/جنين/فلسطين


(1)
رمضان على الأبواب ،المساجد ممتلئة بالمصلين والكل يسرع لإنجاز أكبر عدد ممكن من "ختمات" القرآن الكريم ،والكثير يسعون لإعطاء ما تيسر من الصدقات للفقراء والمحتاجين،والقلوب معلقة ببارئها والتنافس في العبادات والطاعات على أشده...تنقضي العشر الأوائل من رمضان فنرى تراجعا في عدد المصلين في صلاة التراويح...تأتي العشر الأواخر من رمضان فإذا بعدد المصلين يتناقص بشكل ملحوظ،وإذا بالحماس لقراءة كتاب الله وتدبر آياته قد تراجع إلى ما يقارب الخمود،يستثنى ربما ليلة السابع والعشرين من الشهر الفضيل من حيث التحمس والإقبال على العبادات والنوافل...
مهلا! العنوان يتحدث عن الشارع العربي ،فما شأن هذا بسلوك الناس في شهر رمضان؟حلمكم يا أعزائي ،فأنا لم أخطئ في العنوان وليس حديثي عن عادات الخلق في رمضان من ضروب النسيان،كلا،فالعرب كما يبدو يسرعون في التفاعل مع أي مناسبة تتعلق بشأن الدين أو الدنيا بحيث يشعرونك بالأمل وبأنهم تغيروا...ثم تعود ريما لعادتها القديمة!
(2)
مع كل اعتداء أمريكي أو صهيوني على بلد من بلدان الأمة أو شعب من شعوبها المغلوبة على أمرها ترى الشارع العربي في حالة نشاط وحراك وتفاعل وقد طغت المشاعر القومية والدينية الأوسع على المصالح والعصبيات القطرية الأضيق؛الأمثلة متعددة،فعندما عرضت صورة قتل الطفل محمد الدرة بتلك الطريقة الوحشية البشعة وما رافقها من أحداث في بداية انتفاضة الأقصى ،هب الشارع العربي إلى التظاهر وجمع التبرعات العينية والنقدية وعلت أصوات الجماهير الغاضبة المطالبة بقطع العلاقات ووقف التطبيع مع الكيان الغاصب وضرورة نصرة الشعب الفلسطيني ودعم انتفاضته ومقاومته وصموده إضافة للدعوة القديمة الجديدة:فتح الحدود! ولكن هذا الشارع الذي هاج وماج عاد بعد أسابيع إلى سيرته الأولى المتمثلة في اللامبالاة وتجسيد العجز والإحباط ،ثم عاد إلى نشاطه وشعاراته عند بداية غزو العراق ،ثم سكن سكونا طويلا،وثم رأيناه يتحرك من جديد أثناء العدوان الأخير على لبنان ،وقد يستعيد نشاطه وحراكه عند العدوان المرتقب على السودان أو سوريا أو إيران لا سمح الله!
لماذا يكون الشارع العربي سريع التوهج في بدايات أي عدوان ثم ما يلبث أن ينطفئ بسرعة وكأنه لم يكن؟والذي يبعث على التساؤل عن هذه المسألة وبقوة هو أن الأحداث تأخذ منحنى تصاعديا يتناسب عكسيا مع حالة الغضب في الشارع العربي،فما حدث في فلسطين من أحداث بعد استشهاد محمد الدرة كان أكثر قسوة وشراسة،فلم نر الشارع العربي يبدي أي تحرك أثناء عملية "السور الواقي" ولم تكن ردة فعله على جرائم الاغتيالات بمستوى الحدث،والشعب الفلسطيني يتعرض اليوم لحصار غير مسبوق وقطاع غزة تحت هجمة عدوانية مبرمجة ،والشارع العربي نائم أو غير موجود،أما عن العراق فلم تكن هناك ردات فعل شعبية على جرائم المحتل ضد المعتقلين،والوضع في العراق اليوم أسوأ بأضعاف أضعاف ما كانت عليه الأمور في بواكير الغزو والاحتلال،ولا نرى تحركا شعبيا ضد الفتنة المذهبية ولا مخاطر التقسيم التي باتت واضحة هناك،ونحن نسأل الله أن يحمي بقية بلاد العرب والمسلمين من غزوات العم سام ،ولكنها حين تحدث ستتكرر صورة الشارع العربي في ردات فعله؛مظاهرات وغضب عارم ما يلبث أن يهدأ ،مع أن هدوء الشارع العربي يتزامن مع اتساع رقعة العدوان والجرائم الصهيو-أمريكية!
(3)
قيل أن هناك خيارات شعوب وضرورات أنظمة؛لكن ما نراه أن ضرورات الأنظمة أصبحت خيارات الشعوب! ،الأسباب كثيرة ومتعددة ويمكن أن نجملها في نقاط،ولكن ليس بين هذه النقاط ما يقوله البعض من أننا كفلسطينيين – كوننا الأكثر استهدافا- لم نشرح قضيتنا بشكل مناسب للشعوب العربية،فهذا أمر لا طائل منه لأن وسائل الإعلام الحديثة تغنينا عن ذلك،ولأن تعرض صورة واحدة خير من أن يذهب أكثرنا بلاغة فيخطب في العرب عن معاناتنا!،على كل أسباب ضياع البوصلة و"قصر عمر" تألق وتوهج الشارع العربي في التصدي للمخططات والاعتداءات الأجنبية تكمن في الأمور التالية:-
1) نقصد بالشارع العربي ذلك المواطن (ذكرا وأنثى) الطالب والعامل والفلاح والطبيب والمهندس والتاجر والموظف وحتى رجل الأمن العادي ،الذي يعيش في بلد عربي ولكنه ليس له رأي مسموع في صناعة القرارات السياسية والأمنية والاقتصادية فيه،وهنا فإن كل مواطن من هذه الشرائح له همه اليومي الذي يغلب على اهتمامه ببقية أمور أمته إلا في حدود ضيقة تتمثل في متابعة الأحداث والتصفيق للبطولات والتحسر على النكبات،ومن ثم ينهمك كل فرد في تحصيل لقمة العيش أو غير ذلك من الهموم ومشاغل الحياة اليومية.
2) علاقة الشعوب العربية بحكامها ليست على ما يرام ،ولهذا أسباب لا مجال لسردها ولكن من ضمنها عدم رضى مجموع الشعوب عن تصرفات قادتها تجاه قضايا الأمة وانفتاح بعضهم على إسرائيل، ومسألة الديموقراطية والحريات والمشاركة السياسية والفساد المالي والإداري،فترى أن جهود من يرغب بالاجتهاد تجاه قضايا عامة تستنفذ في الحلقة المحيطة بهم ،وهذا طبيعي ومنطقي،وينتج عنه قلة اهتمام بقضايا الأمة المركزية ومن البديهي أن لا تسعى الحكومات لاستثمار غضب شعوبها على أمريكا وإسرائيل بالشكل المناسب.
3) الشعوب العربية تخضع بشكل عام لأنظمة أمنية بوليسية تخيف الفرد والمجتمع من أي تصرف يتناقض مع المواقف الرسمية بما في ذلك التظاهر وحملات المساندة الشعبية وقد يتعرض المنظمون والمشاركون للقمع المباشر وللاعتقالات التعسفية والفصل من الوظائف والمنع من السفر.
4) التركيبة الثقافية هشة وسطحية وبها قدر كبير من الهلامية ،فالشباب وهم الركن الأساسي في أي نهضة من أي نوع لن يعيروا باحثا أو مفكرا يظهر في محاضرة أو برنامج تلفزيوني اهتماما يذكر رغم أنه سيلخص لهم ما مكث سنوات وهو يدرسه وقرأ عن موضوع حديثه عشرات الآلاف من الصفحات،بينما تجد الشباب يبتهجون ويهتمون ويتابعون الأغاني واللقاءات مع الفنانين،وينتظرون رأي مطربة تافهة أو راقصة ساقطة في قضايا الأمة،ويعرف الواحد منهم تفاصيل حياة الفنانين ويجهل معلومات بسيطة عن قادة عظام وأبطال كرام!
5) عدم وجود تنسيق كاف وتوظيف مناسب للتحركات والهبّات الشعبية،فالذين يقومون بها لا يتناسون خلافاتهم الأيديولوجية ولا السياسية ولو أظهروا عكس ذلك، وليس لديهم خطط حقيقية لاستثمار التحرك الشعبي وضمان استمراريته وزخمه،بل ربما يكون بعض النشطاء ممن يركبون الموجة بدل أن يكونوا من الذين يقودون ويوجهون.
6) وجود بعض المظاهر السلبية من قبل الطرف المعتدى عليه،سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي؛فمثلا لماذا نلوم شباب العرب على انشغالهم ببرنامج سوبر ستار وستار أكاديمي بينما نحن أصحاب القضية دخلنا في نفس النفق؟ألم تقم شركة الاتصالات الفلسطينية بتنظيم حملة لدعم عمار حسن بدل حملات لدعم صمود الأسرى وأسر الشهداء؟ألم تروج بعض وسائل إعلامنا لعمار حسن بحيث تريد ان تجعله أعلى مرتبة من الشهداء والمناضلين والأسرى الأبطال وأرادت من الشعب استقباله استقبال المحررين الفاتحين؟فلماذا نلوم أبناء الدول العربية الأخرى على قلة اهتمامهم بنا ما دمنا لا نهتم بأنفسنا؟!
(4)
لا أريد أن أزرع اليأس والإحباط فهناك تحسن في حالة الشارع العربي وحركة نشطة تستخدم فيها وسائل الإعلام الحديثة مثل المدونات(البلوغرز) والتفاعل عبر الفضائيات وحملات التضامن المنظمة والمؤتمرات الشعبية والندوات الثقافية المتواصلة المخصصة لبحث قضايا الأمة مثل فلسطين والعراق ولبنان ،كما أن الاهتمام بقضايا الأمة تزايد بشكل كبير،حتى أن موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" التي ألفها الدكتور عبد الوهاب المسيري قد نفذت من المكتبات وهي من أكثر الكتب الإلكترونية تحميلا من شبكة الإنترنت؛وبالتوازي مع ذلك هناك حملة أو حملات قائمة على القطرية الضيقة أو المذهبية الذميمة أو العرقية الخبيثة،وكل آفة من هذه الآفات (القطرية والمذهبية والعرقية) قائمة على التخلي عن المسئولية تجاه قضايا الأمة المركزية،والحرب بين المهتمين بقضايا الأمة من جهة وبين دعاة القطرية والمذهبية والعرقية من جهة أخرى ستزداد ضراوة في المرحلة المقبلة،أما حالة الشارع العربي ودرجة تفاعله مع قضايا الأمة فهي المحدد للطرف المنتصر!