|
From :
sami3x2000@yahoo.com
Sent : Friday, September 22, 2006 9:17 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : للبيتِ ربٌّ يحميه
للبيتِ ربٌّ يحميه
نضال نعيسة
تفجير المكبوتات العدائية تجاه الآخر المختلف، في كل مرة تثار فيها أزمة
ما، تتعلق بجانب ديني، هي أهم ما يميز ردّات الفعل التي اعتدنا أن نراها
في هكذا مناسبات، وتحميله وِزْر كل ما يحصل من خبائث، وفجور، وموبقات،
وهنا المكر، والخديعة، واللعب على الحبال، وبالثلاث ورقات، وباتت تشكل
ظاهرة لافتة من آن لآن. ولعل تلك المخزونات الهائلة من الشعور بالنقص،
والهزيمة، والقهر، والإحباط، باتت تشكل حملاً ثقيلاً في معظم هذه
المجتمعات، والتي لا يمكن التعبير عنها عبر قنوات شرعية تحتضنها، وتحاول
التخفيف من آثارها، ولذا نراها تشتعل كالنار في الهشيم عند أول مناسبة من
هذا القبيل، وتجد طريقها بسهولة ويسر أكثر أمام الآخر المختلف، أكثر مما
تجده في مراجعة نقدية جادة لمجمل النشاط والسلوك، والتفكير الذي اعتادت،
هذه المنطقة، أن تسير عليه خلال تاريخها الطويل.
ولئن كانت النظرة العامة، لدى الآخر، عن الإسلام، بهذه الطريقة الفجة،
والمبتذلة، وهذا الكم من الاستنتاجات السريعة، فهذا لا يعني، بالمآل،
أنها صحيحة، بالمطلق، كما لا يمكن، في ذات الوقت، تجاوز بعض مما جاء
فيها، وقد يكون هناك ضرورة ملحة للتوقف عند بعضها وصعوبة ما، نسبياً، في
تفنيد قسم منه. والأهم من هذا وذاك، أنه لا يجب أن نؤكدها من خلال تلك
الطرائق البدائية من ردات الفعل. كما أنه يجب البحث بجدية عن الطريقة،
والكيفية، والسبب التي تبلورت فيها تلك المفاهيم، والصيغ، والآراء في
أذهان الآخرين قبل إدانتهم، والتي هي تحصيل حاصل وليست لب المشكلة،
والتفتيش، في الآن ذاته، عن السبل العملية، والكفيلة بتصحيح تلك الرؤى
وتجميلها. نعم، لقد أخطأ البابا بنيديكتوس السادس عشر، أيما خطأ، حين وجه
انتقاداته اللاذعة، والجارحة للدين الإسلامي، كما يخطئ أي شخص آخر، حين
ينتقص من قدر أية جماعة، أو فكر، أو عقيدة، وأخطأت تلك الجماعات، والقوى
الدينية، أيضاً، التي تعتقد نفسها، أنها وحدها، التي تحتكر الدين، وتمتلك
حق التعبير، والاحتجاج، كما هو حال الأمر في كل مرة.
ربما لم يكن البابا الألماني موفقاً في التعبير عن نفسه، كما أشار في
اعتذاره اللاحق، كذلك لم تكن فئة من المحتجين قادرة على إيصال احتجاجها
بالشكل الأنسب، والأسلم، والأكثر لياقة. والطامة الكبرى، تكمن، دائماً،
في سيطرة قوى بعينها على قرار الشارع لتجييشه، وتحشيده، وتعبئته بما
يتوافق مع أجندتها السياسية، غالباً، وقد تبتعد قليلاً عن الجانب الديني
والروحي لتمزجه بنكهة، وخلطة سياسية، ذلك الجانب الذي من المفترض، عادة،
ألا يخضع لأية اعتبارات سياسية. وتأتي في الحقيقة مثل هذه التصريحات
كهدية، في كل مرة، من السماء، لهذه الجماعات، لترتفع عقيرتها، ويدوي
صوتها، الخافت عموماً، أمام ولاة الأمر، ولتعرض عضلاتها السياسية، أكثر
مما تظهر من قيمها الروحية السمحاء، فيما تراها تطبق الصمت على عشرات
المخالفات، والموبقات، والتجاوزات، والانتهاكات التي تجري هنا وهنا،
وتسيء لكل ما هو نبيل، وإنساني، وعظيم، وأصيل. لا بل قد تجدها فرصة
مؤاتية، لتنفيس كثير من الاحتقانات، تؤتي أكلاً سياسية للبعض، وتظهرهم
على أنهم حماة الدين الحنيف.
ولئن كانت إدانة هذه التصريحات شيئاً واجباً، فإن الانجرار التلقائي،
والعفوي وراء جماعات التدين السياسي أمر غير لازم البتة. وفي كل مرة
تستلم فيها قوى التطرف زمام المبادرة، نراها تنجرف بعيداً في غوغائيتها
بعيداً عن العلاج العقلاني، والمنطقي، للب المشكلة، الذي كان لها الدور
الأكبر في تصنيعه، وتضخيمه، وتكبيره. ومن الجدير ذكره، أن تلك الجماعات،
ليست هي وحدها المسؤولة البتة عن الدين، أو المخولة فقط بالنطق باسمه،
ولا يحق لها أن تحتكره، وتدّعي حصرية امتلاكه، وتمثيله، إزاء أغلبية
صامتة، لا حول لها، ولا قوة. فمن يتابع وسائل الإعلام، التي تعكس،
غالباً، وجهة نظر المتطرفين، والمتعصبين، يدرك مدى التشويه الذي يلحقه
هؤلاء بصورة الدين عبر فتاويهم، وأطروحاتهم، وأقاويلهم.
وبالعودة إلى تلك الصورة، غير المرضية، التي أوصلها دعاة التطرف، ومحللو
الدماء، إلى العالم أجمع، لا بد من الاعتراف بأن هناك إشكالية جدية،
وخطيرة تعتري نظرة الآخرين للإسلام، جرّاء سيطرة الجهلة، والمتطرفين،
والأدعياء، وتسلطهم على عقول الناس، وقدرتهم على التحكم بالشارع العام،
واستلامهم لزمام المبادرة، واستغلال الكثير من التعاليم الدينية وتجييرها
خدمة لأهداف سياسية خالصة.
إننا، في الحقيقة، بحاجة للكثير من المراجعات، والتصحيحات، والوقفات مع
الذات، ونشر روح التسامح، والمحبة، وقيم التعايش، والإيثار، وكبح جماح
المتطرفين، والمتزمتين الغلاة، ولا يهم بعد ذاك ما يقوله الآخرون، وقبل
أن نلوم أياً كان، ولئلا يقف، مثلاً، بنيديكتوس "السادس والستون"، في
المستقبل، ويردد نفس ما قاله الحبر الأعظم بنديكتوس السادس عشر، قيصر
الفاتيكان.
|