|
كيف تقضي
ساعتين في أحضان كوندوليزا رايس
ولا تستطيع أن تسألها عن محكمة الجرائم الدولية؟
محمد تامالت – بلاك بيرن – انجلترا
mohamed_tamalt@yahoo.co.uk
حضن كوندوليزا رايس حضن دافئ لكنه مليئ بالدبابير والمآخذ والممنوعات, حضن يخيل
لك حين تحاول أن تضع رأسك فيه لتنعم بدقائق من أحلام الحضارة وخرافات العولمة
والتعايش بأنه يرحب بك؛ لكن هذا الحضن خادع كوجه الإستعمار البغيض الذي يبتسم
لك أول الأمر مئات المرات في عشر الثانية ثم تكتشف أنك لم تحصل من كل تلك
الإبتسامات إلا على السراب أو الخيبة أو العمالة. إنه حضن الإدارة الأمريكية
يعطيك لا شيئا فتحسب أنه أعطاك كل شيئ, ويأخذ منك كل شيئ فتعتقد أنك لم تفقد
شيئا؛ حضن بغيض وقعت فيه المسكينة كوندي نفسها فاحتواها ومسخها وجعل منها
مخلوقا يرتدي بشرة سوداء ترتسم عليها مظالم العبودية ويتقنع روح الجلاد الذي
يستخدمه تاجر العبيد سوطا على اخوانه وما أحطها من منزلة.
كانت مناسبة استثنائية بالنسبة لي أن أقترب من عالم هذه المرأة المسكينة التي
قالوا إنها صانعة قرار في بلد كان أسوَده منذ عقود قليلة يقف تاركا مكانه في
الباص لأبيضه, كانت رايس ترتدي درعا من الحرس الشخصي يثير سؤال معقدا: ما هي
وظيفة هؤلاء؟ هل هي حمايتها من الناس أم هي حمايتها من ضميرها الذي يُخشى أن
يستيقظ قبل أن تنتهي مهمتها كما انتهت مهمة كولن باول قبلها. لم يكن ذلك جدارا
واقيا بل جدارا عازلا يشبه تلك الجدران البشرية التي اقتربتُ منها كثيرا
واخترقتُ بعضها أحيانا كما حدث منذ عشر سنوات في العراق حين تسنى لي الوصول إلى
رئيس الحكومة العراقية الفعلي آنذاك طارق عزيز والحديث معه وطرح الأسئلة عليه.
ولقد كان عزيز سياسيا ومفكرا بلغ به الذكاء إلى درجة العبقرية ولكن الجدار
البشري الذي أحاط نفسه به عن طواعية انتهى به إلى عزلة قاتلة أطاحت به هو
والرئيس صدام حسين
هذه الجدران البشرية يقودها حرصها على عزل من تخوَل بحراسته إلى مواقف مضحكة,
أذكر أنني في زيارة لليبيا وعند افتتاح العقيد القذافي لمركز طبي شاهدت كيف دفع
الحرس الليبي الحارس الشخصي للرئيس النيجري السابق الجنرال ابراهيم مايناصارا
وأبعدوه عن الموكب وهو يحاول أن يفهمهم بالفرنسية أنه حارس الرئيس الضيف؛
مايناصارا اغتيل بعد ذلك بسنوات قليلة على يد أحد حراسه ليؤكد أن هذه الأطواق
البشرية تمارس العزل باسم الحماية فإن لزم الأمر فإنها تقتل من تحميه إذا لم
يقتل كرامته أصحاب القرار الحقيقيون بالعزل والتهميش بعد استنزافه
في كل مدينة تسافر إليها رايس تجد فيها متظاهرين حتى داخل أمريكا ضد الإدارة
التي ترعى مصالحها كما اعترفت هي نفسها في اللقاء الذي عقدته في مدينة بلاكبيرن
مع مئتي مهتم بالعلاقات الدولية كنت أحدهم, حاولت رايس أن تقنعنا بصعوبة بأنها
تتقبل هذه الإنتقادات دون أن توفق في جعل كثير منا يعتقد بصحة ذلك. يبدو لي أن
ما يدفع ادارة بوش ووكيلة التسويق لديه رايس للسكوت على هذه الانتقادات ليس
القبول بالرأي الآخر وانما هو تجاهله تجاهلا باردا غير عقلاني, تجاهلا ينطبق
حاله على حكومة بلير الذي لم تهتز له شعرة رغم أن ثلاثة ملايين شخص خرجوا في
لندن وخرج غيرهم في بريطانيا احتجاجا على حرب لم تستأذن الأرستقراطية فيها أحدا
قبل أن ترسل أبناء الأحياء الفقيرة إلى حتفهم, شأنهم شأن فقراء أمريكا الذين
يقاتلون حماية لمصالح عصبة من المهووسين بالتملك: تملك البشر وتملك ثرواتهم
وتملك عقائدهم وأرواحهم أيضا
لقد شعرت وشعر غيري بأن كوندوليزا رايس, أو "كوندوليزا إكس" تأسيا باسم مالكوم
إكس الذي أبى أن يتسمى باسم من استرقه كما قد تكون رايس فعلت, تهيؤ نفسها
وغيرها لموعد ابعادها عن الدائرة الوهمية لصناعة القرار التي دخلتها. لكن وعلى
فرض أن الآنسة رايس أو إكس تستعد للانسحاب بهدوء فإنها لا زالت كذلك تحقن نفسها
بمهدئات تجعلها تتحول في دقائق من عازفة بيانو رقيقة إلى مايسترو في فرقة القتل
التي تولت فيها منصب الناطق الرسمي, وهي المهدئات نفسها التي يستخدمها
السياسيون وهم في السلطة لينقلبوا إلى عقلاء أصحاب حكمة ودعاة عقل إذا أرغموا
على ترك دائرة صنع القرار الوهمية إلى بئر التقاعد المظلم
لو كانت رايس وشريكها جاك سترو يهتمان فعلا بآراء الناخبين في برمنغهام –
ألاباما الأمريكية أو في بلاكبيرن البريطانية لأصبح العالم بخير, وقد اعترف
بذلك بوش نفسه في زلة لسان في خطاب له بثت وقائعه قنوات تلفزيونية حين قال:
إنهم يريدوننا أن ننسحب من العراق وإننا لو انسحبنا لكان ذلك أفضل للعالم, وهي
زلة محمودة تشبه زلة كوندي حين قالت في اللقاء الذي حضرتُه: إننا ارتكبتنا
آلافا من أخطاء التخطيط المرحلي. ولكن كيف يهتم هؤلاء بأمر شعوبهم واللقاء نفسه
انعقد في نفس وقت صلاة الجمعة وبحضور أعضاء المجلس البلدي المسلمين الملتحين
الذين لم يكن يمنعهم من الصلاة مانع سفر أو مرض أو "حيض" في مدينة خمس سكانها
من المسلمين؛ ماذا بقي بعد ذلك لأبي حمزة أو أبي قتادة أو أبي بصير أو المسعري
ليقولوه, وهل يجرؤ سترو أو غيره أن يدعو أقطاب الجالية اليهودية إلى اجتماع في
ساعات السبت العبري كما دُعي المبتلون بالحيض الفكري من المسلمين
كيف تغفر كوندي عازفة البيانو الرقيقة لنفسها مشاركتها المباشرة في قتل الآلاف
من أطفال أفغانستان والعراق الذين قالت في الندوة إنها تسعى لضمان مستقبل لهم,
هل ذنب هؤلاء الأطفال أن الآنسة "إكس" مصابة بعقدة التناقض بين لون الجلد ولون
الروح التي حسمها مايكل جاكسون حسما مؤقتا بأن غير لون جلده, وهل يجب على كل
هؤلاء أن ينخرطوا في قافلة الإندماج الإنحلالي في قيم الحضارة المادية كي تتوقف
أمريكا عن قتلهم وتعاملهم كالبشر. كيف أُقنع أسامة بن لادن والزرقاوي وأجيالا
قد تقتنع بصحة وجهات نظرهم وسداد مواقفهم بأن عليهم أن يقبلوا بالنموذج
الديمقراطي وهم أول ما اختبروا الديمقراطية فوجدوها تصلح للغني والقوي ولا تصلح
للفقير والضعيف وألفوها لا تساوي بين الدول في الأمم المتحدة فتعطي بعضها حق
الوصاية على قطيع الدول الأخرى
هل كانت تلك صدفة حين اشتعلت نار الحقد على النبي محمد في منطقة اسكندينيفيا
بعد فترة من خطاب ابن لادن الذي قال فيه إنه لو كان عدوا للحرية لكان ضرب
السويد مثلا, أولا يريد اليمين المتطرف الذي يبدو أنه يحكم أمريكا أن ينقل
الحرب (ضد الإسلام لا ضد بن لادن) إلى أكثر مناطق العالم هدوءا وحبا للحرية
ليحتج بعد ذلك بأن الإسلام هو العائق الحقيقي أمام العولمة بدليل أنه يثير
المشاكل حتى في الدنمارك والسويد؛ هاته العولمة التي تهدي لكل طفل في العالم
كتابا عن العلاقات الجنسية في سن المراهقة وتأبى أن تمنحه كسرة خبز تسد رمقه
يحصل عليها بكرامة. إنه يمين أعمى لم يتعلم من الشرق إلا هز البطن والأرداف
الذي تتقنه لويز فريفرت الراقصة الشرقية السابقة وزعيمة حزب الشعب الدنماركي
اليوم, إنه ذات اليمين الذي أطاح بوزيرة الخارجية السويدية ليلى فريفالدز عندما
حاولت منع هذه العصابة من نقل حربها القذرة إلى السويد
لقد كانت ندوة كوندوليزا تجربة لا أراها نجحت في استخلاص العبر من حروب تثبث
فشلها يوما بعد يوم, وقد كان أسلوب ادارة النقاش نمطيا لم تكن تُمنح فيه الكلمة
إلا إلى أناس بعينهم لا تصل بهم الجرأة إلى البحث في القضايا العميقة للمشكل
الذي وقع فيه العالم بقدر بما يكتفون ببناء طروحاتهم وأسئلتهم على الاعتراف
بالأمر الواقع وتركيب أولوياتهم عليه. إن من المصيبة أن يبني أصحاب القرار
الذين اعترفوا منذ قليل بأن حجة امتلاك العراق لأسلحة كيماوية ونووية وهي
العماد المبرر لغزو العراق كانت حجة باطلة ثم يبنون خطتهم لاستهداف ايران ودول
أخرى بعدها على نفس الحجة
كنت أريد أن أسأل رايس فمٌنعت واحتججت على المنع كما ظهر في آخر الندوة وكما
بثته القناة الرابعة بالبي بي سي: اذا كانت الإدارة الأمريكية على قناعة مطلقة
بأنها لا ترتكب أية جرائم في العام فلماذا تعارض مبدأ محكمة الجرائم الدولية
ولماذا تطلب حصانة استثنائية لجيشها وسياسييها. أية ديمقراطية تحاول رايس أن
تقنعنا بها وهي تسعى اليوم مع حليفتها بريطانيا إلى تغيير ميثاق جنيف الذي جعلت
منه إلها يعبد ثم هاهي اليوم تهدمه لأنه أصبح يهدد سياساتها التوسعية التي لا
بد سيسائلها عنها العالم ولو بعد حين
أوليس من السليم القول إنه إذا كانت كوندوليزا رايس تحمل في نفسها حقا بقايا
المرأة الرقيقة المرهفة الأحاسيس فإن عليها أن تستدرك جرائم الإدارة التي كانت
وكيلة تسويق لها قبل أن تترك السلطة وقبل أن يلعنها أطفال العالم الذين قتلت
اخوانهم وأرسلت آباءهم إلى غوانتانامو وأبي غريب
|