العجز والتخاذل العربي
د. محمد الغزي
alguzzy@maktoob.com


عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن الشعب الفلسطيني ورفع الظلم والعدوان عنه نجد أن الموقف العربي يتسم بالعجز والتخاذل، ولا تقوم الأنظمة العربية بالتحرك لمصلحة الشعب الفلسطيني إلا وهي كارهة؛ بل مجبرة على ذلك خجلا من شعوبها، لهذا يأتي تحركها، إن تحركت، ثقيلاً وهمتها ضعيفة فقط لرفع العتب والحرج عنها. والشعوب العربية والإسلامية مشكلتها كبيرة في هذا السياق فهي تبدو متبلدة غير مدركة لأبعاد الهجمة الأمريكية الصهيونية الشرسة على أمتنا وشعبنا وديننا.

لقد تحركت معظم الأنظمة العربية بهمة عالية ونشاط منقطع النظير، عندما تعلق الأمر بالمصالح الأمريكية، لتوظيف رغبة شعوبها في نصرة الشعب الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي في الثمانينيات، فسمحت تلك الأنظمة لشعوبها بجمع التبرعات والتطوع والمشاركة في المعارك العسكرية، وفتحت المجال للمواطنين للوصول إلى قواعد التدريب العسكري في أفغانستان، التي أقامها الأمريكيون لتدريب المتطوعين العرب والمسلمين على القتال وزودتهم بالأسلحة ومضادات الطائرات، كما منحت تلك الأنظمة مواطنيها حرية السفر والتنقل وممارسة الدعوة إلى الجهاد والقيام بتجنيد المتطوعين.

وبعد تحقيق المصالح الأمريكية بسقوط الاتحاد السوفييتي واجه المتطوعون من «المجاهدين الأفغان» السجن والتعذيب والتهميش والتشريد، وقد لاقى المتطوعون العرب الذين ساهموا في الدفاع عن البوسنة والهرسك المصير نفسه بعد أن سمحت لهم الأنظمة العربية بجمع التبرعات والتطوع وحشد الرأي العام العربي ضد الجرائم الصربية بحق المسلمين هناك.

وفي حرب الخليج الأولى جندت الولايات المتحدة الأمريكية الجيوش العربية وأموال العرب والمسلمين، واستخدمت أراضيهم وممراتهم المائية وبحارهم وخليجهم في خدمة جيشها، وسمحت الأنظمة العربية بإقامة قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي العربية وعلى حساب الأموال العربية، وقد تعهدت الأنظمة العربية الخليجية بتغطية القسط الأكبر من نفقات الحرب بذريعة تحرير العراق وإذا البلاد الخليجية كلها تقع فريسة للاحتلال الأمريكي. لقد شاركت جيوش عربية بأسلحتها ومعداتها في تلك الحرب، وأنفقت دول الخليج العربي أكثر من مائة مليار دولار على تلك الحرب ولا تزال تسدد نفقات الوجود الأمريكي على أراضيها.

لقد أحكمت البلاد العربية الحصار على العراق لمدة 13 عاما تلبية لأوامر واشنطن حتى انهارت القوة العسكرية والاقتصادية للعراق ومات مئات الآلاف من العراقيين جوعاً ومرضاً، ما مهد للأمريكيين والبريطانيين وحلفائهم شن حرب الخليج الثانية لإسقاط النظام العراقي واحتلال العراق. وتعمل معظم الحكومات العربية المجاورة للعراق على تشديد المراقبة على الحدود لمنع تسلل المقاومين والمجاهدين إلى العراق؛ حماية للمصالح الأمريكية بينما يصول الصهاينة ويجولون في طول العراق وعرضها إحداثاً للفتنة فيها ونهباً لثرواتها ومقدراتها.

وحتى دون أي ذريعة، من احتلال لدولة عربية أو غير ذلك، تحركت أنظمة عربية لإغاثة اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية عندما ضربها إعصار كاترينا، وفاض الكرم العربي بمئات ملايين الدولارات، نفطاً ونقداً، تبرعاً للولايات المتحدة الأمريكية وخوفا على اقتصادها المنهار !!

ولكن أين ذهبت تلك الشهامة العربية وذلك الكرم العربي تجاه ما يجري في فلسطين من ظلم وقهر للشعب الفلسطيني؟! من المؤكد أن مصالح الشعب الفلسطيني تتناقض مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك آثرت تلك الأنظمة الانحياز إلى المصالح لأمريكية غير آبهة لإرادة شعوبها المقهورة وما يمليه الواجب الديني والقومي تجاه الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يعاني من الظلم الصهيوني والغربي منذ نحو 60 عاما.

ولكن كيف تختلف الحالة الفلسطينية عن الحالة الكويتية من حيث الاحتلال؟ّ! إن الفرق الوحيد بين الحالتين هو "المصالح الأمريكية" التي أصبحت بوصلة تتجه إليها تلك الأنظمة العربية وتسير على هواها وتنصاع لأوامرها طوعاً أو كرهاً، فقد أصبحت حركات تلك الأنظمة وسكناتها تقرباً للولايات المتحدة الأمريكية المعتدية على العرب والمسلمين وعبادة لها.

وحتى في المجال السياسي البعيد عن التطوع والجهاد والدفاع عن فلسطين وشعبها، نجد أن الجهود العربية، لحل الأزمة الفلسطينية، تنصب على مجرد الضغط على الحكومة الفلسطينية الجديدة لإجبارها على الاعتراف بالكيان الصهيوني من خلال "المبادرة العربية" التي رفضتها الحكومة الصهيونية جملة وتفصيلاً وردت عليها باجتياح واسع لمدن وقرى الضفة الغربية وارتكاب مجازر شنيعة ضد الشعب الفلسطيني المُصابر. وما يثير الدهشة أن الأنظمة العربية لا تزال تضغط على حماس لإقرار المبادرة العربية وقد أعلن ايهود أولمرت بالأمس أن حكومته ستعمل على قيام «دولة يهودية».

ولو أحسنا الظن بتلك الحكومات، التي تضغط على حكومة حماس لقبول المبادرة العربية، لقلنا إنها ربما لا تدرك معنى قيام دولة يهودية على أرض فلسطين المحتلة، إن إنشاء تلك الدولة يقتضي التخلص من أصحاب الأرض الحقيقيين من فلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948م، وهذا لا يتم إلا بإبادتهم أو منع تكاثرهم أو بترحيلهم، فكيف يضغط العرب على الحكومة الفلسطينية لإقرار هذه المبادرة ورئيس حكومة الاحتلال يعلن رفضه لها صباحاً ومساء؟! إنه التواطؤ والتحالف المبطن مع الصهاينة والأمريكيين، والخوف من انتصار الإسلام السياسي، تلك الفزَّاعة التي ترعب كلاً من الأنظمة العربية والولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني.

إن نجاح حكومة حماس هو أمر غير مرغوب فيه لدى تلك الأنظمة، التي تنفق مليارات الدولارات على شراء الأسلحة لاستخدامها فقط في قمع شعوبها، فهذا النجاح سيعطي دفعة قوية للشعوب العربية لنيل حرياتها وانتخاب حكوماتها على نحو ما جرى في فلسطين المحتلة، لذلك تعمل تلك الأنظمة جاهدة على إسقاط حكومة حماس أو استسلامها للمطالب الدولية الجائرة.

أما الشعوب العربية، التي تنفق على التدخين أكثر مما تنفقه على التعليم وتنفق على السحر والشعوذة مليارات الدولارات سنويا، فلها حكاية أخرى، فهي شعوب حية ولكنها عاجزة عن الحركة، لا يوجد لها رؤية محددة ولا تكاد تدرك مغزى التحولات التي يشهدها العالم في كل المجالات.

إن ردود الفعل الشعبية العربية والإسلامية تتسم بأنها غير منظمة ولا تسير وفقاً لأي استراتيجيه، ولا يجمعها إطار واحد ولا راية واحدة، لذلك فهي ضعيفة جداً ولا ترقى إلى مستوى التهديدات الكبيرة التي تمثلها الهجمة الأمريكية على الأمة الإسلامية، ومما يثير العجب أن الشعوب تهب وتقوم بتظاهرات عارمة رداً على أحداث ومواقف معينة ثم تتبلد تجاه أحداث ومواقف أخرى ليست أقل خطورة من تلك المواقف!

من الواضح أن هناك محاولات عديدة للقيام بردود فعل شعبية على الهجمة الأمريكية وآثارها؛ كإطلاق حملة سلمية لمقاومة العدوان، وجمع التبرعات للشعب الفلسطيني، ونصرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بمقاطعة البضائع الدنمركية وتسيير التظاهرات الاحتجاجية، ولكن كل هذه الفعاليات الشعبية تفتقر إلى خطط وبرامج وآليات ولجان متابعة وحملات إعلامية دعائية، ويبدو أنها لا هدف يوحدها وهي بحاجة إلى أن تتكامل وتتعاضد في إطار مشروع إسلامي عالمي يتصدى للهجمة الأمريكية إعلامياً واقتصادياً وسياسياً وجهادياً.

إن الهجمة الأمريكية تحمل مشروعاً أمريكياً في المنطقة يستهدف كل العرب والمسلمين وله أهداف محددة ومعروفة، فالولايات المتحدة الأمريكية تسعى إلى تجريد الشعوب العربية والإسلامية من أي سلطة سياسية، وهي تسعى إلى تكوين أنظمة موالية لها تتلقى منها الأوامر والإملاءات مباشرة، وهي تسعى إلى إعطاء الحق للأمريكيين والغربيين في الهجرة إلى بلادنا للعمل والعيش فيها واستغلال الشعوب العربية والإسلامية من خلال اتفاقيات ومعاهدات اقتصادية تؤدي إلى نهب ثروات البلاد المتمثلة في النفط والمعادن والغاز الطبيعي والكفاءات العلمية والخبرات والقوى العاملة.

وللتصدي لهذا المشروع الأمريكي يجب أن نتخذ، نحن العرب والمسلمين، من قضية فلسطين نواة لمشروع إسلامي عالمي يسمح لكل طاقات الأمة بالانخراط في أعمال المقاومة للهجمة الأمريكية الظالمة، فوجود هذا المشروع الإسلامي العالمي أمر لا مفر منه وضرورة حتمية يمليها الواقع ويدعمها مكانة فلسطين بالنسبة للعرب والمسلمين دينياً واستراتيجياً ويؤكدها بروز الراية الإسلامية في فلسطين خالية من كل شائبة.

ومما يؤسف له ضعف دور علماء الدين المسلمين وعزوفهم عن القضايا الجوهرية التي تتطلب عملاً منظماً على المستوى العربي والإسلامي والعالمي، ويبدو أن معظم العلماء المسلمين يرون أن الانخراط في أعمال المقاومة للهجمة الأمريكية الظالمة هو أمر اختياري يعتمد فقط على القناعات الشخصية ورؤاها وإدراكها لواقع الأمة.

وما يزيد الأمر تعقيداً عدم قيام العلماء المسلمين بحملات توعية منظمة لتحريك الأمة واستنهاضها وتوحيدها تحت راية واحدة، وهذا الأمر أدى إلى تشتيت جهود المسلمين وانقسامهم وخروج قيادات هنا وهناك لها أجندات لا تخدم مصالح الأمة وتشوه صورة الإسلام والمسلمين. وفي هذا السياق يبدو أن الأمريكيين نجحوا جزئياً في إقناع الشعوب العربية والإسلامية بأن الهجمة الأمريكية موجهة ضد ما يسمونه «الإرهاب» وأنها تقتصر على أشخاص معينين، وتبرز الحملات الدعائية الأمريكية هؤلاء الأشخاص وتطمس كل الحقائق المتعلقة بالمقاومة للاحتلال، وتشترك المحطات الفضائية العربية (الأمريكية) في طمس الحقائق وتضليل شعوبنا.

إن بإمكان شعوبنا العربية والإسلامية عمل الكثير إزاء محنة فلسطين وقضايا الأمة، فعلى سبيل المثال، أثبتت شعوبنا أنها تستطيع أن تنفذ مقاطعة اقتصادية شاملة على الدول التي تعتدي على ديننا ومقدساتنا، ولو تمعَّنا في نوعية نفقات الشعوب العربية وحجمها لأدركنا تقصيرها الشديد تجاه الشعب الفلسطيني الذي باتت قضيته معروضة للبيع، فيكفي أن نعلم أن الشعوب العربية تنفق أكثر من 25 مليار دولار سنوياً على السياحة في البلاد الغربية، وتنفق شعوب الخليج العربي أكثر من 8 مليارات دولار على تذاكر السينما وعشرات المليارات من الدولارات على استئجار الأقراص المضغوطة المدمجة وشرائها ..

ألا تستطيع الشعوب العربية والإسلامية استخدام أموالها في نصرة قضايا العرب والمسلمين؛ وأهمها القضية الفلسطينية، والضغط على الولايات المتحدة الأمريكية التي يقوم اقتصادها على الأموال العربية .. ألا يستطيع علماء الدين المسلمون القيام بتحريض الشعوب على التصدي الفعال للهجمة الأمريكية الشريرة .. أسئلة كثيرة نعرف إجابة الشعوب والعلماء المسلمين عليها ولكن ما لا نعرفه هو سبب عجز تلك الشعوب وصمت علمائها ..

أما الأنظمة المعادية للشعوب فهي متواطئة مع المشروع الأمريكي الصهيوني إن أحسنا الظن بها.