صدام / الجعفري / ليلى فريفالدس وعقدة المفاتيح
د. وديع بتي حنا
26 مارس 2006
wadeebatti@hotmail.com


قدمت وزيرة الخارجية السويدية ليلى فريفالدس استقالتها من منصبها إثر الحملة الاعلامية التي قامت ضدها بسبب موقفها من احد المواقع الالكترونية في ازمة الرسوم الكارتونية. لسنا هنا بصدد مناقشة اي من الطرفين, الوزيرة ام اصحاب الحملة ضدها كان محقا في موقفه بل ان ما نحن بصدده هو وصول الوزيرة السويدية الى قناعة مفادها بانها لاتستطيع ان تقدم جهدا جديا لعملها يمنحها الحافز للاستمرار فيه , ولذلك فقد قررت ان تتخلى بهدوء عن هذا المنصب وتنصرف للاستمتاع بحياتها الخاصة. وهكذا بدأت مباشرة دوائر الضرائب وكتاب الاعمدة الاقتصادية في الصحف السويدية في حساب الراتب التقاعدي للوزيرة المستقيلة بصورة دقيقة دون اهمال الكرونة السويدية الواحدة ,ونُشرت الارقام التي تشير الى ان ليلى فريفالدس البالغة من العمر الان 63 عاما ستتقاضى حتى عمر الثمانين رواتب تقاعدية تقارب الاحد عشر مليون كرونة سويدية اي مايعادل تقريبا المليون ونصف المليون من الدولار الامريكي, وستكون مجبرة على التصريح عن اية مبالغ اخرى تدخل حسابها وعن مصدر تلك المبالغ.

عقدة السلطة والمنصب هي احدى المشاكل الكبيرة التي يعاني منها السياسيون في العالم العربي والعراق بطبيعة الحال وقد كانت ولاتزال هذه العقدة سببا جوهريا في النتائج الكارثية التي لحقت بدول المنطقة , ففي الوقت الذي يتقدم فيه السياسي الغربي ليكون في منصب معين قد تم اختياره له فانه اي هذا السياسي الغربي لاينسى ان يحتفظ بحقه في امتلاك مفاتيح غرفة هذا المنصب في جيبه الخاص ليقرر حين يشاء مغادرتها , اما في العالم العربي فغالبا ما تحدث الحالة المرضية اذ ما ان يتمكن السياسي من الوصول الى المنصب بطريقة ما ( حتى ولو كان ذلك عن طريق الانتخابات ) فيدخل الغرفة ثم يتعمد ان يعطي مفاتيحها من احد الثقوب الى احد اتباعه ليذهب فيلقي بها في احدى الابار العميقة المهجورة التي لايستطيع الوصول الى قرارها الاخرون فيعتقد انه بذلك قد ضمن تسجيل المنصب ملكا صرفا له ثم تاتي تلك الساعة اللعينة فتصبح مهمة إخراج ذلك السياسي من الغرفة واجبا عنيفا غالبا ماينتهي بتهشيم الابواب والفتحات إن لم يكن بتهديم البناء بكامله على من فيه.

وهكذا ليس مرض إلقاء المفاتيح مرضا حصريا بالسياسيين العراقيين فهاهو الرئيس اللبناني قد سمَر نفسه في قصر بعبدا وينتظر ان يصدر امرا يُرغمه على إخلائه بالقوة كما يحاول الرئيس السوري وبجهد فعال ان يرقع هنا هناك تجنبا لصدور الامر نفسه. لسنا هنا بصدد الترويج للمخطط الامريكي حيث لايمكن لمن يملك ذرة من الغيرة الوطنية وهو يعيش المشهد العراقي إلا ان يلعن السياسة الامريكية جملة وتفصيلا, ولكن يبقى التساؤل مشروعا عن الزمن الذي يستفيق فيه الحاكم او المسؤول العربي فلايتوانى عن إنضاج مشروع وطني للتغيير ويقوم بترجمته فعلا واقعا على الارض فلايصتصعب التضحية حتى ولو اقتضى الامر بنفسه فيقطع الطريق امام الاجنبي لفرض مشروع للتغيير من الخارج تكون له عواقب كارثية على المجموع.

ترى ماذا كان سيحدث لو تصرف رئيس النظام العراقي السابق بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية او حرب الخليج الثانية بالطريقة ذاتها التي تصرفت بها الوزيرة السويدية. لقد حرص السوفيت على التخلص من ستالين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وربما كان ستالين نفسه هو من حرص على ذلك لانه قد سمع بالتاكيد ما نُقل ان لينين قد قاله فيه في انه ينبغي التمسك بستالين في زمن الحرب لكنه اي ستالين ليس رجل مرحلة السلام والبناء. هل ان تلك الحروب الكارثية التي ذهبت ضحيتها الارواح والممتلكات ليست سببا اقوى من الخلاف على موقع الكتروني ؟ أم ترى ماذا كان سيحدث لو سمع رئيس النظام السابق نصيحة رئيس الامارات الراحل الشيخ زايد الذي جاءت مبادرته في الايام والساعات الاخيرة فطلب منه ان يرشده الى البئر الذي رمى المفاتيح فيه ليتسنى انقاذ مايمكن إنقاذه قبل ان تحين ساعة الصفر. كان سهلا على الابواق الانتهازية والمأجورة يومذاك ان تنعت صاحب النصيحة باقسى الصفات وتحاول ان تُلصق به تهمة السعي الى الوصول الى اسرار الامة ( ومفاتيح بواباتها ) بهدف وضعها في يد الاعداء!

اما بعد الاحتلال حيث يبدو ان الوجوه تغيرت ولكن المعضلة بقيت ملازمة للوضع السياسي العراقي ومرة اخرى اذا كان الموقف من موقع الكتروني يمثل واحدا من ملايين المواقع على الشبكة العنكبوتية قد ادى الى استقالة ليلى فريفلادس فان مايحدث في العراق يوميا من قتل ونهب وتدمير وافتقار لابسط مقومات الحياة وحقوق الانسان غير قابل للمقارنة , بل وقياسا على هذا فان الوضع العراقي يستوجب ان تتضمن نشرات الاخباريوميا اخبار حجب الثقة عن فلان وترديد اليمين لاخر. ان تشبث الدكتور الجعفري برئاسة الوزارة رغم النتائج المتواضعة جدا التي حققها خلال الاشهر المنصرمة والحالية انما يندرج ايضا في الرغبة , ربما بطريقة متحضرة, في القاء المفاتيح في احدى الابار المظلمة. فمامعنى ان يتشبث السياسي بمنصب يرى ان اغلب الاطراف الاخرى تضع قيودا رهيبة على حركته بل قد زرعت المنطقة القريبة المحيطة بالمنصب بالالغام الجاهزة للانفجار بوجهه مع كل خطوة , وسينتهي به المطاف في حالة الموافقة عليه الى تشكيل حكومة مشلولة هي حكومة من كل قطر اغنية, حكومة يبقى الحال على ماهوعليه وعلى المتضرر ( الشعب المسكين ) اللجوء الى رحمة السماء. هل حل ماساة الوضع العراقي يتجسد في تشكيل حكومة ( لملوم ) لاتستطيع ان تحسب كم فيها من الصقور ؟ !

اذا كان بعض السياسيين يؤمن ان حال المراة في الشهادة كحال نصف رجل ( مع الاعتذار جدا للنساء ) فلماذا لايذهب هؤلاء الى ماذهبت اليه الوزيرة السويدية ويمتلكون قدرا مساويا لنصف شجاعة الوزيرة السويدية سيكون بالتاكيد كافيا لان يقرروا ان يخلعوا السلطة قبل ان تخلعهم.