اين الخلل ؟ الحكومة ام الاحزاب ام سياسات الاحتلال
يشار آصلان كركوكلي
26 مارس 2006
iaa2000@hotmail.com


 لا نشك أن صور الحياة في العراق متوقفة وفي تراجع مستمر. كيف يفكر العراقي من صباحه الى مسائه وكيف يقضي ليله وماذا يرى في منامه وأحلامه ؟ وكيف تفكر الحكومة والأحزاب؟ الفارق كبير بين من يعيش الأزمة ومن يصنعها ومن هو؟ فالعراقي الذي يعيش البؤس والخوف والحيرة يتحمل جزءا من المسؤولية لأنه جزء من الشعب الذي يمكنه أن يشكل قوة ضغط كبيرة لوقف التراجعات والأزمات ودفع حركة الحياة الى الأمام ولكنه يبقى مواطنا عاديا فمن يتحمل المسؤولية الكبيرة إذا؟

هل الحكومة والأحزاب؟

سياسات الإحتلال؟أم من؟

أين الخلل ؟

سؤال مختصر يستوجب معرفة التفاصيل عن طبيعة حركة الأحداث وتطورها على ضوء مراجعة نقدية لملفات القضية العراقية المطلوبة للخروج بفهم مشترك يساعد الجميع في المساهمة لوضع الحلول المناسبة قطعا لدابر الفتنة وحلا للمشكلة العراقية من جذورها، فالبحث عن الخلل والمساهمة في وضع المعالجات من مسؤوليات الجميع . فمن دون متابعة دقيقة للأوليات والعوامل والأسباب التي بلورت الصور الحالية لمجمل العلاقات العامة لا يمكن تصور معالجة لأزماتها الخطيرة بل قد يكون التعامل البعيد عن الواقعية الشاملة أوالرؤية التجزيئية للقضية عاملا آخر من عوامل تضخم المشكلة وإستعصاء حلها.

فأين الخلل إذا؟

سؤال يحاول الإجابة عمّا يمكن القيام به من عمل أولا كوضع العربات على السكة قبل تشغيل القاطرة كي لا تكون المحطة الأولى هي المحطة الأخيرة ونهاية الحركة .

ملفات بحجم المشكلة ليست من السهولة إستعراضها في مقال وبضع إثارات سيما أننا لا نملك بعض تفاصيلها السرية المهمة لأنها كتبت في دهاليز بعيدة عن الأنظار ولم تدرج في إطار ملفات معلومة في أرشيف الذاكرة المتعبة، ولكن ما نود إستيضاحها من الشواهد المعروضة المعروفة مما هي دلالات منطقية للمقدمات والنتائج التي يعيشها الشعب العراقي بحرا من الدماء والبؤس والخراب قد لا تحتاج الى تفاصيل كثيرة لإدراك مواضع الخلل في الواقع والموضوع.

وحيث ينطلق البحث عن الخلل يحدونا المنهج التشريحي والرؤية الواقعية الشاملة للقضية، لأن الرؤية التجزيئية للصورة قد تعكس جمالا في جزء من اللوحة لكنها تتجاهل البشاعة في مساحات أخرى منها، كما في النظرة التي تصف وجه الحسناء الجميلة دون النظر الى تلك الشراييين المفتلة المقطوعة التي تفور منها رشقات الدم العبيط الى بحيرة دم يسبح فيها الجسد الذبيح . فلا بد من ربط كل أجزاء القضية العراقية ببعضها كي تبدو الصورة كما هي فالأمن وقوت الشعب والحرية ومفردات من هذا القبيل لا تتجزأ فالكل في سفينة واحدة وما يغرقها يغرق الجميع.

وإذا كانت الأوضاع من الدرجة حيث لم يعد مكان في العراق يعيش وضعا طبيعيا آمنا حتى شماله ورغم ما له من الدعاية والأموال والحكومات المحلية ووسائل القمع فإنه يفتقد الضمان للدوام، وأن ما فيه بعض الشعور بالأمن وربما مؤقتا هو مخاض عوامل معروفة من الوحدة القومية والمذهبية مضافة الى رؤية سياسية حزبية في إستثمار الأوضاع والبقاء خارج لعبة الموت التي تخطط لها قوى داخلية وخارجية مختصة كي لا يتعرضوا الى إستنزاف يذهب شوكتهم وقد يثير الشارع الكردي عليهم فالسليمانية ودهوك واربيل من الأكراد السنة(مع الإعتذار عن هذه التسميات الواقعية في عالم اليوم) وأن التركمان رغم نسبتهم الكبيرة في أربيل لكنهم في العادة مجتمع غير حزبي وغير مسيّس ومسالمين وكذلك الآشوريين وينطبق هذا على الجنوب .

فليس من الصحيح وصف الصورة في الشمال والجنوب بالوردية كونها تحتفظ بعض تناسقها وتركيب الوانها المنسجم بينما تتزاحم على مساحات الوسط الوان من العبث توحي إنعكاساتها كل صور الرعب والإرهاب. لقد أسمعنا الكثيرون ممن يودون تسويقا رخيصا عن تجربة الشمال والبرلمان والديموقراطية الكردية التي لا تتورع من قتل أبنائها في مَعلم هو من أكثر الممارسات روتينا في النظم الديموقراطية وقد تكرر المشهد لمرات في أربيل والسليمانية ودهوك وآخره ما حدث في حلبجة قبل أيام حين فتحت قوات الأمن النار على المتظاهرين اللذين انتقدوا الحكومات المحلية الكردية.

الملف الكردي

وبعيدا عن كل التاريخ المعارض للأحزاب الكردية وميولاتهم وعلاقاتهم مما قد نتجاهلها في بحثنا عن الخلل لكونهم قد أعلنوا أنهم وراء مطالب قاتلوا من أجلها وقد سقط أخر نظام واجههم بشراسة بالغة وسيطروا بشكل كبير على مقدرات العراق حتى باتوا البوصلة في قيادة مسير العراق. نثير بعض التساؤلات لتوجيه التحليل الى بؤر بعينها قد لا تكون ضمن موضوعات الأسئلة.

_هل الأحزاب الكردية تتعامل مع الوضع الراهن كالمتفرج على النزيف الذي لا يمد يد المساعدة لإيقافه؟

_وهل أن ما حصلت عليها من المكاسب لا تعبّر عن طموحاتهم وأنهم يريدون شيئا آخر؟

_وهل تتناسب المكاسب مع حجمهم السكاني أم جاءت بفعل الظروف غير الطبيعية والتزوير والإحتلال؟

_هل صحيح أن الحزبين الكرديين يرفضان تسليم الأسلحة وآليات الجيش العراقي التي تمت السيطرة عليها من مخازن الفيالق الثلاث في كركوك والموصل الى وزارة الدفاع العراقية التي هي أحوج ما تكون اليها اليوم لمواجهة الإرهاب ووقف نزيف الدم العراقي وإذا صحت الرواية فهل يعتبر ذلك دعما لحركة الإرهاب وإستنزافا لثروات الشعب المحتاج الى قوت يومه وأمنه؟

_ما مدى صحة ما نسب الى السيد البرزاني من أقوال كان قد صرّح بها لو أن حربا أهلية نشبت بين الشيعة والسنة فإننا سنعلن الإستقلال من العراق على أن تكون كركوك من ضمن جغرافية دولتهم ؟ و؟و؟و؟؟

فهل الخلل في الملف الكردي أم أن يدها بيضاءة للناظرين كيد برزان أو النبي موسى (ع).

الدستور

__ما مدى صحة تنسيب الدستور العراقي الى بريمر ونوح فيلدمان القانوني الأمريكي اليهودي وبالإرهاب لكونه أسس جدولا زمنيا ومراحل لتفجير الأزمات دستوريا ومن ثم تقسيم العراق ؟

_إن تخصيص الثروات الطبيعية كالنفط والغاز حقا للأقاليم المنتجة خصخصة للملكيات العامة لغير العامة وهو مبدأ باطل يتعارض مع إتجاهات المذهب الإقتصادي الإسلامي وأبعاده الأخلاقية، لأنه يتبنى التوزيع لمصادر الإنتاج وهي من الملكيات العامة على أسس سياسية أو قومية فعلا وفق خارطة الثروات الطبيعية المتمركزة في مواقع محددة من العراق. وإن مشكلة كركوك وسياسات التغيير الديموغرافي الجارية بحماس من قبل الأحزاب الكردية اليوم والعربية سابقا هي نتيجة حتمية لهذه المادة الدستورية التي اسست للخصومات والنزاعات الداخلية الخطيرة.

_هل ميّز الدستور بين مكونات الشعب فمنح إمتيازات لهذه وجرّدها عن غيرها كإعتبار الكردية لغة رسمية في العراق مع كون الناطقين بها قد لا يتجاوزون الثلاثة ملايين وفي جغرافية محددة في الشمال يتقاسمون السورانية والبادنانية لهجات يصعب التفاهم بينهما بينما جردها من اللغة التركمانية المتماسكة التي تتوسط اللغتين الكردية والعربية بحسن الأدب والجوار وتحتفظ لها نصوصا قانونية ووثائق تثبت وجودها الرسمي منذ الثلاثينات .

ملف الطائفية

لا شك أن ما تجري من أحداث مروعة تنال من حياة الشعب العراقي وأمنه ومستقبله مخطط خطير وصناعة غريبة تستمد موادها من خلفيات سياسية وأمراض فكرية متزاوجة .

لا أستطيع التنكر لبعض الحقائق بإعتباري أحد المواطنين الذي عاش الحقبة الماضية وإكتوى بنارها وشاهد صورها بأن الشيعة والأكراد كانوا ضحية سياسات القمع التي لم تعرف الحدود ولا أوافق على الذي يقول بأن نظام صدام كان قد عدل في شيء واحد بين كل الشعب العراقي وهو في توزيعه الظلم على الجميع .فلو صدق ذلك صحت عدالته، ولكنه ووفق الأرقام التي بين يدي أنه لم يعدل في ظلمه وقد ميّز فيه على أساس طائفي مقصود ، أعطني قرية، نعم قرية قدمت أكثر من مئة ضحية شنقا في سجن ابو غريب خلال سنة واحدة لأسباب سياسية من غير الشيعة لقد إستلمت قائمة موثقة من صديق فيها أسماء لأكثر من 190 شهيدا معدوما من محلته في مدينة كركوك وكلهم من الشيعة وهكذا الأكراد ولا أعني بأن السنة لم ينالوا من الظلم والإعدامات بل شملهم أيضا فالتركمان سنة وشيعة عانوا الأمرين لإنتمائاتهم القومية البريئة تارة والمذهبية أخرى. ولأني أدين الطائفية بكلها وأحترم التنوع المذهبي والإنسان مهما كان دينه وإنتماءه وأعتقد أن السنة لا علاقة لهم مما كان النظام يتبناها من الحسابات السياسية والطائفية المقصودة ، فالطائفية تلبيس للمذاهب لأغراض سياسية .

أعتقد أن ما تجري اليوم في العراق من صور القتل والجريمة لا تحتاج الى تحريات جنائية عميقة لمعرفة أسبابها فالعلمية تدعونا أن نسمي الأشياء بمسمياتها وننصف الحقيقة بأن القاعدة ليتميّز الخبيث من الطيب، فالتيار التكفيري الطارىء على المجتمع العراقي والخارج من كل القيم والمبادىء الإسلامية السامية قد أسس لنفسه وجودا عملياتيا من المشوهيين من ذوي العاهات الفكرية من أجندتهم الأساسية قتل الشيعة. عشرات من القتلى من زوار الحسين الشهيد حفيد رسول الله (ص) قتلوا في طريق عودتهم من كربلاء كما نقلته الأخبار اليوم ماذا تعني هذه المشاهد المروعة ومن هم هؤلاء القتلة المجرمون وأين يحتمون ؟ وإذا ما قدّر أن يكون ما تناقلته وسائل الإعلام عن خبر إعتقال سفاح تكفيري واحد كان قد ذبح 400 من الشيعة على الهوية صحيحا وهو غير بعيد في ظل البيانات الزرقاوية والأجساد المقطوعات الرؤوس فإن الكثير من الإنتقادات للشيعة تكون من غير حق لأنهم المعتدى عليهم وربما محاولة تغطية لهذه الجرائم، وهذا لا يعني تركهم من دون متابعة منعا للتجاوزات وردود الأفعال غير الصحيحة . فهل الخلل في الطائفية أم الطائفية بريئة كبراءة الذئب من دم يوسف(ع).

ملف التركمان

ينبهر توينبي لقدرة بولس( شاؤول) وكيف أنه تمكن من خلق مجتمع مسيحي كبير يؤمن بمعتقدات اليهود، ونحن التركمان لا زلنا منبهرين لقدرة القادر الذي تمكن من إختصار التركمان في جيبه وفي بضع أشخاص لهذا وذاك . وربما وصفهم أقلية قليلة من بقايا الحروب العثمانية ويمكنهم العودة الى البلد الأم

هل السياسة الأمريكية لا تسمح خلق طرف رابع في للقضية العراقية ؟

ملف القيادة

لا شك أن القيادة لها اليد الطولى في مسك وإدارة البلاد، ولا تستطيع إلا إذا ما هيّأت وسائلها وإمتلكت إرادة إستعمالها . أعتقد أن كل مجتمع إذا ما إنفلت من ضوابط معينة تمكنت حثالة منه أن تعبث بالنظام والأمن والإستقرارهناك ، فماذا يجب أن تمتاز القيادة حتى تتجاوز المرحلة بأمان من دون تفريط بالقيم ومصالح الشعب والوطن:

1- الفكر السياسي ونعني به مجموعة القواعد المترابطة التي تمنح القناعة للشعب في تأييد القيادة .

2- الإرادة ونعني به تفعيل الفكر السياسي.

3-الشجاعة مع النزاهة ، قد تكون القيادة شجاعة ولكنها غير نزيهة فتحول المكاسب الى إستثمارات شخصية أو العكس فلا يكسب شيئا لأنه جبان لا يقدم.

فهل القيادة المنتخبة في العراق بالطريقة التي جرت تعبر عن النقاط الثلاثة وهل الإستقلال والحرية والسيادة ووحدة الشعب والأرض والوطن من مفردات الفكر السياسي الجديد وهل هناك من يملك الشجاعة للتعبير عنها بأمانة. قد نعذ ّر القيادة عن عجزها في توفير الخدمات ولا نقتنع بالإنتقادات اللأذعة للوعودات الإنتخابية الفاشلة في الأداء وخيبة الكهرباء وو لأن المشكلة أكبر من حلها وفق الأساليب المرعية المطلوبة أمريكيا و...، وأن أية حكومة عبقرية قد لا تستطيع التفنن في حل المشاكل بطريقة سحرية فالذي يفجر أنابيب الغاز سوف يقطع التيار الكهربائي المعتمد عليه كائنا من كان على رأس الحكومة ، سيما إذا ما علمنا بأن النظام البعثي قد حمل معه الى أوكار حزبه ومخابراته العاملة كل الإمكانيات العملياتية من الخرائط الأمنية والمعلوماتية والنفطية والتشكيلاتية العاملة في كل مناطق العراق داخل أقراص كمبيوترية وأموال لها مصادرها تساعدهم في إدارة المعارضة حسب طريقتهم الموروثة، فهل الخلل في القيادة التي تفتقد الى مقوماتها الطبيعية . أم الخلل في ما يذهب اليه بعض نتائج التحقيق في :

_ وجود إزدواجية في المواقف والرؤى قد لا يسلم منها طرف وأن التصريحات السياسية للأطراف لا تعبّر عن الصورة الحقيقية للرغبات فلا الفدرالية في الشمال هي حقيقة الرغبة الكردية ولا مخاض إرادة شعبية في الوسط والجنوب وان قبولها للشمال دون الجنوب نفاق سياسي وأكثر من إزدواجية .

_عدم مصارحة الشعب بالحقائق وماهيات الأحداث والنتائج .

_تغليب المصالح الحزبية والشخصية على المنطق الوطني وتضاد البرامج والمناهج .

_عدم الإعتراف الصريح وغير الصحيح بسببية الإحتلال وسياساته في خلق الأزمات. لأن أسباب الغزو هي لبناء سياج أمني لحماية إسرائيل من أبعد نقطة جغرافية عربية يضمن تدفق البترول الى الأسواق الغربية عبر تمزيق المنطقة الى دويلات متصارعة تأكل بعضها بعضا على قاعدة (فرق تسد).

_غياب القضاء إلا لأغراض دعائية كمحاكمة صدام مع أن الأوضاع تستدعي تشكيل جهاز خاص للقضاء أسميه ب(قضاء الطوارىء) يكون من واجبه النظر حصرا بقضايا القتل والإغتصاب والإختطاف والإرهاب وما شابه على الفور من دون تمرير للوقت على حساب العدالة وردع المجرمين وأن يكون عاملا على مدار الساعات والأيام وفي حالة إنذار قصوى.

_فقدان الساحة للقيادات الشجاعة الواعية للمخاطر ممن يعتقدون بإرادة الشعب ويعتمدون عليها .

في القائمة عشرات التساؤل والإثارات نكتفي منها بهذا القدر راجيين التفضل والإطلاع على أهم المواطن إستيعابا للخلل ، فمن يضع القطار على السكة ؟