From : alhtaha2004@yahoo.com
Sent : Tuesday, February 28, 2006 1:43 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : مقال للنشر
 



بسم الله الرحمن الرحيم
"حكومة حماس والخيارات الدولية المتاحة"
علاء فوزي ابو طه


بعد تشكيل الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس هناك الكثير ما يمكن قوله، كما هناك الكثير ما يمكن وما يجب فعله، حيث تدخل السياسة الفلسطينية لمرحلة مختلفة تمام عن ما سبقها من تجارب سياسية للشعب الفلسطيني، لاسيما في المجال الدولي ، هذا المجال الخصب الذي يزخر بالكثير من التعقيدات والتسويغات المختلفة.
فلسطين جزء من هذا العالم، بل هي من أهم أجزائه، حيث اعتبرت فلسطين ومنذ القدم بأنها ساحة لتناطح الإمبراطوريات والقوى الدولية، واعتبرت القضية الفلسطينية منذ نشأتها بمثابة الترمومتر لمقياس درجة توتر أو استقرار العلاقات الدولية في المنطقة والعالم، ومجالا خصبا للتنافس في كثير من المراحل والمنعطفات الهامة التي مر بها العالم في التاريخ المعاصر، حيث تكتسي المنطقة أهمية جيوستراتيجية هامة على مستوى الاستراتيجيات الدولية للقوى الفاعلة في النظام الدولي، وتعتبر القضية الفلسطينية المحرك الأساسي لتفاعلات هذا النظام والتفاعلات السياسية للمنطقة، ويأتي فوز حماس وتشكيلها للحكومة الفلسطينية القادمة ليعيد الحسابات الدولية تجاه المنطقة والقضية، بما له من دلالات سياسية وإستراتيجية تلقي بظلالها على مختلف المركبات السياسية للمنطقة، فللقوى الدولية والفاعلة ثوابت إستراتيجية تجاه المنطقة كمنطقة والقضية الفلسطينية وما تكتسيه من أهمية، فما هو الثابت في تلك السياسات؟ وماذا طرأ عليها من تغيرات إن كان هناك تغيرات بعد نجاح حماس؟ وماذا يمكن أن يطرأ عليها من تغيرات في المستقبل القريب؟

فأوروبا والتي تعتبر من أهم القوى الفاعلة في النظام الدولي: هناك عدم اتفاق ولربما خلاف لكثير من الأحيان حول الدور الذي يجب أو من الممكن أن يلعبه الاتحاد الأوروبي في المنطقة بين الدول الأعضاء، ولما كانت الدول الأعضاء باختلاف الطيف أو التاريخ السياسي تتفق على ضرورة أن يقوم الاتحاد بممارسة دورا فاعلا في الشرق الأوسط أو ضفاف المتوسط، فان هذه الدول تفتقر للرؤية الدقيقة حول هذا الدور وماهيته ومداه وكيفيته، علينا أن نلاحظ أن الكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تنظر لدور عالمي وحيز واسع للتواجد الأوروبي السياسي في الساحة العالمية، فيما يقتصر رؤى دول كثيرة على الدور الإقليمي للاتحاد، وترى بوجوب أن لا يضخم الاتحاد من نفوذه ومسؤولياته العالمية.
كما أن السياسات المنفردة للكثير من الدول الأعضاء أثرت في الكثير من الأحيان في خلخلة الموقف الجماعي الذي يأخذه الاتحاد الأوروبي ويحاول صياغته تجاه أي قضية أو طارئ في المنطقة.
من جهة أخرى يثور للتساؤل حول ما إذا كانت أوروبا تتوفر على الإمكانيات القمينة بأن تظهرها كقوة قادرة على المبادرة في عالم محكوم بمنطق الإمبراطورية الأمريكية، فالخلاصة الأساسية من هذا أن الموقف الأوروبي يحاول دائما أن يندرج بشكل أو بآخر في التلاؤم مع الموقف السائد لباقي دول العالم، دون المخاطرة والإقدام على مبادرة مستقلة أو متعارضة مع القوى الدولية الأخرى لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد بقيت أوروبا مخلصة لواقعها كقوة ثانوية، مدركة تماما أنها لا تتوفر على الإرادة المستقلة، ولا على الوسائل المطلوبة، التي تمكنها من فرض مقرراتها، مفضلة نهج سياسة تعتبرها "توازنية" تسمح لها بقبض العصا من الوسط، وحماية مصالحها والإبقاء على علاقات طيبة مع كافة الأطراف، مستفيدة من تنوعها ، وكذلك التناقضات التي تختزنها.
ومهما يكن فانه ليس بوسع الباحث في السياسة الخارجية الأوروبية الخارجية أن يتجاهل هذا البون الشاسع في المواقف بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تجاه القضية الفلسطينية، وهذا بدوره يرتكز على المحددات المختلفة التي تؤثر بدورها في المواقف المختلفة للدول الأعضاء تجاه القضية الفلسطينية، فمثلا من الصعب تجاهل مواقف بريطانيا القاسية التاريخية بحق الشعب الفلسطيني وتطلعاته، سيبدو من العبث عدم وضع الموقف البريطاني في سياقاته ليست التاريخية فحسب ونعني كون بريطانيا كانت الدولة المنتدبة لفلسطين، بل في سياقاته المعاصرة، فالموقف البريطاني في معظم الأحيان وحتى نهاية عقد التسعينات كان يتجه إلى حد الالتصاق باتجاه المبادرة الأمريكية وتوجهات الإدارة الأمريكية، وربما كانت هذه خاصية ميزت السياسة البريطانية عموما تجاه معظم القضايا الدولية مثل حرب الخليج الثانية، وما تلاها من موقف الإدارة الأمريكية من العراق في عملية ثعلب الصحراء 1998، ومشاركة القوات البريطانية للقوات الأمريكية في حرب أفغانستان 2001/2002، واحتلال العراق، والحرب ضد الإرهاب، واعتبار الولايات المتحدة بريطانيا الحليف الأول والأساسي لها في تحركاتها الدولية. كما انه ليس من المنصف فصل الموقف الفرنسي المساند للفلسطينيين، عن كون فرنسا تمثل لحاضرة الحريات، بجانب بالطبع المصالح الفرنسية بالمنطقة والعلاقات الفرنسية العربية، بالقدر ذاته علينا إدراك العلاقات التاريخية لليونان وايطاليا واسبانيا بالمنطقة العربية، بما يشمله هذا من تأويل عرقي وحضاري وديني، وعند النظر للمواقف الألمانية فلن يغيب عن بالنا ما تلقته سطوة "المحرقة" من أعباء وتأنيب للضمير على كاهل السياسة الرسمية، وستبقى مواقف دول مثل بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ والنمسا وفنلندا وغيرها خاضعة لاعتبارات مختلفة تطورت شيئا فشيئا لصالح الموقف الفلسطيني منذ السبعينات.
وستبدو صورة السياسة الخارجية الأوروبية تجاه القضية الفلسطينية أكثر قتامه في ظل موجة التوسع التي شهدها الاتحاد الأوروبي بضم بلدان وسط وشرق أوروبا لعضوية الاتحاد، لنسجل هنا أن ميكنزمات اتخاذ القرار في الاتحاد الأوروبي تجعل من صياغة مواقف أوروبية موحدة صعوبة أكثر في ظل هيكلة المفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي وحصص التصويت وغيرها.
غير أن هذا بدوره يقتضي من النخب السياسية الفلسطينية والقوى العاملة فيه وتحديدا منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة حماس، العمل على ضمان مواقف هذه الدول لصالح القضية الفلسطينية، وعدم وضع دول الاتحاد في سلة واحدة والتعامل معها بسطحية، بل لابد التعامل مع كل دولة على حدى باللغة التي تفهمها، ولا يمنع من ذلك أن الاتحاد الأوروبي صنف حماس ضمن الحركات الإرهابية، فلهذا التصنيف أغراضه السياسية التي جاءت في سياقات مختلفة لا تتماشى مع وضع "حماس" الحالي، ومن المؤكد أن يكون هناك حديث جدي عن خروج حماس من القائمة السوداء هذه، حيث لا يمكن لأوروبا أن تتعامل سياسيا مع منظمة إرهابية، وهذا يقف على مقدار ما تتعامل حماس مع هذه القوى، ولا تتغير السياسة الخارجية ، كما هو معروف فإنها تتسم بالديمومة والثبات، وتجاه القضية الفلسطينية سوف لن يتغير الكثير من الموقف الأوروبي ومن الممكن أن تمثل أوروبا حلقة الوصل بين حماس والولايات المتحدة، لدأب الصدع الذي قد ينشأ عن هذه العلاقة.
أما الموقف الروسي الذي أظهر تعاطفا يمكن تصنيفه ووضعه ضمن الأوراق التي تلعب بها روسيا لتحفر لها مكانا مميزا في المجتمع الدولي بعد التحسينات الاقتصادية التي شهدتها روسيا، فدعم روسيا لحماس رسالة موجهة من موسكو إلى واشنطن بأننا نحن هنا، فالتحاد الروسي الوريث الأكبر للاتحاد السوفيتي لديه ما يكفيه من المشاكل المتبقية ، ومع أن ترسانته النووية المتهالكة مازالت قادرة على الردع، فان السياسة الأمريكية تستطيع تركيب صمام أمان على الموقف الروسي بضبط فاعليته وتحديده، وكانت مجموعة الإمبراطورية الأمريكية تعرف من تجارب سابقة أن لحظة المنى في موسكو هي تلك اللحظة التي تبدي فيها واشنطن بادرة تدل على أنها مازالت تعتبر الاتحاد الروسي قوة عظمى، جاءت الخطوة الروسية لحسابات روسية خالصة لعلها تذيب الجليد عن موقفها المتجمد منذ انهيار الاتحاد السوفيتي تجاه القضية والمنطقة، لاسيما وان الاتحاد السوفيتي كان من أقوى حلفاء العرب، وعلى حماس أن تتعامل مع روسيا كما تريد أن تلبي عندها حاجة الظهور الماسة، وان تتقبل منها هذه الخطوة الشجاعة.
أما القوى الأسيوية، وتحديدا اليابان، فإنها تمثل صندوق نقد دائم وجاهز لدعم سياسات الولايات المتحدة، فهي عملاق اقتصادي ولكنها قزم سياسي وعسكري، لا تمتلك من المواقف السياسية ما يمكن أن يخرج عن السياق الدولي العام، وعلى سلطة حماس أن تولي اهتمام متزايد لتمتين العلاقة مع هذه القوى الأسيوية، عسى أن تنفعها في المستقبل القريب.
أما بالنسبة إلى الموقف الأمريكي، فان التلويح بقطع المساعدات عن السلطة أو دعم إسرائيل لهذه الخطوة أثبتت بعد دراسة متأنية أنها لا تجدي نفعها، فليس من مصلحة الولايات المتحدة أن تبحث حماس عن دعم بديل للولايات المتحدة وخصوصا إذا كان هذا البديل إيران وكتلة الدول الإسلامية، فالولايات المتحدة تعرف جيدا أن المال مفتاح لا ترى في خيار فقدانه مصلحة هامة، لاسيما وان نجاح حماس لا يعني لها شيئا ملموسا يمكن أن يطرأ على المنطقة يتوجب تغيرات وتحركات هامة وعاجلة، سوى بعض الدلالات السياسية والإستراتيجية التي تخضع بدورها لدراسات مكثفة سوف تظهر نتائجها عن قريب، فنجاح حماس لا يؤثر على التحالفات الإستراتيجية في المنطقة، ولا على المعادلة الجديدة التي تريد صياغتها، وان إسرائيل ليست في خطر كبير يهددها مع نجاح حماس، بالعكس بل انه يمكن أن يخدم الجميع بوجود حماس في إطار سياسي معروف وواضح ويمكن التعامل معه والضغط عليه، ولا يهم هنا الخطابات والشعارات ، فحماس لا تمتلك الكثير لتفعله، وان امتلكت لن يكون لها التأثير الواضح على سياسات أمريكا في المنطقة ، فالولايات المتحدة مطمئنة مادام مشروعها الإمبراطوري يسير بخطى ثابتة نحو التحقق، رغم الصعوبات العراقية والمهمة السورية القادمة ، والمماحكة مع إيران، بدون شك لا يؤثر على الولايات المتحدة بقدر ما سوف يؤثر على حماس والفلسطينيين، فلا خوف على حماس ولا خوف منها.
فعلى حماس في هذه الحالة أن لا تضع نفسها في مواجهة سياسية مباشرة مع القوة العظمى في العالم شئنا ذلك أم أبينا، بل لابد لها أن تدخل في إطار لعبة سياسية من نوع ما تفهم معناها وتمتلك فيها من المرونة ما يكفي للاستمرار في التصدي الذكي لمطالب ومخططات الولايات المتحدة وتوجهاتها.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فعليا نجاح حماس لا يعني الكثير، لا تمتلك حماس القدرة على تدمير إسرائيل بل خفت خطورتها العسكرية، وهنا اعتراف حماس أو عدمه لا يعني الشيء العظيم واقعيا ، بقدر ما هو خطاب سياسي تريد إسرائيل أن توجهنه، لكي تأتي الرياح بما تشتهي سفتها، وبالنسبة للعلاقة مع الفلسطينيين فإنها ترى أن نجاح حماس يعطي من المبررات ما يكفي لفرض عقوبات على الفلسطينيين، وكأنها تريد أن تعاقب الشعب الفلسطيني على خياراته الديمقراطية، ويمكن أن يزيد نجاح حماس من معسكر التطرف في إسرائيل ، كما انه يزيد من تكريس للحلول أحادية الطرف من وجهة نظر إسرائيلية، وبالنسبة لموضوع التفاوض فانه لا يوجد هناك الجديد، فللفلسطينيين تجربة تفاوضية قاسية وسيئة مع الإسرائيليين لا يغير نجاح حماس فيه شيئا ، يمكن أن يزيده صعوبة طبعا إذا وجد أصلا، ولكنها صعوبة فلسطينية أكثر منه إسرائيلية، فالإسرائيليون يحضرون لمرحلة جديدة للتعامل مع الفلسطينيين، وهذه نقاط متوقعة بعد نجاح حماس لابد للجميع أن يحضر أدواته للتعامل معها.
وأمام هذا كله حماس لا تملك من الخيارات الكثير لفعله، فعليها بعد التفرغ من تمتين الجبهة الداخلية، والنظر إلى تحسين أمور المواطن الفلسطيني وتطمينه على مستقبله ويومه، وجعله يشعر بأن اختياره كان عاديا بل مميزا وشجاعا، لأن يكافأ له لا يعاقب عليه، فعليها دوليا أن تقوم بمراوضة القوى الدولية وتقوية التوجهات الدولية المتعاطفة والمساندة، والتمييز بين المواقف الأوروبية وعدم جمع أوروبا في سلة واحدة وإطلاق الأحكام العشوائية، والتعامل مع الولايات المتحدة بحنكة اكبر وبعد تام عن المواجهات السياسية المباشرة، وحتى لو بالخطابات لأن الأمريكان ينصتون للخطابات جيدا ويستخلصون منها الرؤى ويبنون عليها مواقفهم فيما بعد، فلابد من تغيير الخطاب الخارجي لا جعله مرادفا للخطاب الداخلي ، فما يمكن أن تقوله للشعب لا يمكن أن يكون ما يمكن أن تقوله على المستوى الدولي، وتجاوز أخطاء السلطة طيلة تجربتها السابقة وتطوير ايجابياتها، وعدم السماح لإسرائيل بسد الطريق أمامها من تمرير خطابها وإقناع العالم بمحاصرة حماس دوليا، والعمل على فك العزلة التي تريد إسرائيل وضع السلطة فيها، وعلى حماس أن تثبت أنها واقع لين يمكن التعامل معه، ذلك لتسهيل إيجاد ممولين ومواليين وحلفاء، وعدم الاعتماد التام والكامل على الجبهة العربية، لأنها لا تمتلك الكثير لتقدمه.

وكخلاصة ، هناك تغيرات جديدة يحضر لها الجميع، فلابد من استخدام أدوات جديدة للتعامل مع هذه التغيرات.

الباحث: علاء فوزي أبو طه
 خبير في شؤون العلاقات الدولية.