الحكيم يهدد الأمريكان ؟.. مهازل آخر الزمان
داود البصري
dasu@online.no


لعل إنقلاب المواقف التكتيكية في مواقف القوى السياسية العراقية وخصوصا تلك القوى الدينية والطائفية تشكل واحدة من أهم فصول ومآسي التراجيديا العراقية التي حولتها ممارسات وتناقضات وسلوكيات تلكم الأحزاب إلى كوميديا مغرقة في سوداويتها ، ولعل التهديد الأخير لرئيس المجلس الأعلى للثورة الإيرانية في العراق السيد ( عبد العزيز الحكيم) التي أعلن فيها عن إستعداده وجماعته لرفع السلاح ضد القوات الحليفة التي حررت العراق من حكامه الجلادين!! تمثل قمة الخفة السياسية وعدم التوازن والباب السريع الذي سيؤدي فيما لو تطورت الأوضاع لخيار الحرب الأهلية والتي يبدو أنها تقف في مقدمة أجندة عمل القوى السياسية والدينية الخائبة التي فشلت في إدارة الدولة العراقية كما فشلت في قيادة المعارضة العراقية بالأمس القريب ، وحين كانت خياراتها وتوجهاتها وسياستها وكل أمورها تخضع لرغبة الولي الإيراني الفقيه ولأجهزة الدولة الإيرانية التي نفخت من روحها وخلقت في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي ذلك التكوين الذي أسمته ( المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ) والذي تزعمه منذ بدايته عام 1981 وحتى تحرير العراق عام 2003 آية الله الراحل السيد محمد باقر الحكيم ليؤول بعده بحكم الوراثة ككل شيء في شرقنا السعيد لشقيقه السيد عبد العزيز الحكيم والذي سيخلفه بعد عمر طويل بعون الله ولده حجة الإسلام ( عمار الحكيم )!!.. وهكذا تتوالى الفصول وتورث الزعامات وتتوالد الأزمات وتتفاعل المصائب ، وهذا المجلس الأعلى الذي كان ولا يزال في تصوري مؤسسة إيرانية تخضع لتوجيهات وتعليمات لجنة أمنية في مجلس الوزراء الإيراني دخل العراق بعد تحريره أمريكيا شأنه شأن سائر القوى العراقية الأخرى ، ولم يكن له ولا لذراعه العسكري الذي أقسم يمين الولاء للولي الإيراني الفقيه ( فيلق بدر) أي دور في تحرير العراق بل على العكس فقد كان وحزب الدعوة خصوصا من المعارضين للتدخل الأمريكي!! ولكنهم لم يعارضوا حين قدم الأمريكان لهم السلطة على طبق من ذهب ، ودخلوا في مجلس الحكم ، وقبضوا الرواتب المليونية!! ، وهيمنوا على المنازل الفاخرة لقادة النظام البائد؟؟ وصادروا ما يقع تحت أيديهم وما خلفهم من غنائم السلطة!! وتناسوا حكاية ( الشيطان الأمريكي الأكبر)!! وتمتعوا بالسلطة ومغرياتها وعقاراتها فيما كانت غالبية الجماهير الشيعية العراقية تحديدا و لا تزال تعيش في معسكرات الجيش المهزوم أو في زرائب لا تصلح حتى لسكن الحيوان فكيف بشعب يمتلك البترول والماء والزراعة وكل شيء حي ؟.. لن نسهب في ذلك طويلا لأنه حديث ذو شجون ، فقد كان قادة ( المجلس الأعلى ) منذ أيام المرحلة الإيرانية في عزلة حقيقية عن الجماهير العراقية المعذبة ، كانوا وهم في منازلهم الفاخرة في شمال طهران لا يشعرون بمعاناة و مصائب سكان مخيمات اللجوء الإيرانية المرعبة ؟ ولا بتأوهات الشباب العراقي المثقف الذي كان يعاني العوز والبطالة والمرض ويضطر لبيع ( الطماطة ) والبرتقال و الفواكه والخضار وحتى ( الحلاوة ) في سوق ( كذرخان ) الشهير في مدينة قم أو في ( دولت آباد) جنوب طهران أو في مخيمات ( جهرم ) و ( أزنا ) و ( كرج ) و ( خرم آباد ).. وغيرها.. إنها أيام سوداء عشناها شخصيا ولمسنا معاناة الشباب ومدى عزلة أهل ( العمائم الثقيلة ) عنهم وعن معاناتهم ، لقد كانوا يتاجرون بدماء الشباب العراقي المغرر به الذي كان يقتل على جبهات الحرب العراقية ليدفنوا كغرباء في مقابر ( الغرباء ) الإيرانية ، فيما كانت السلطات الإيرانية لا ترد الجميل سوى بفرض المزيد من القوانين العنصرية والتمييزية ضد اللاجئين العراقيين الذين حرموهم وحرموا أبنائهم من التعليم والتطبيب والعمل.. وحتى الزواج !! تصوروا الزواج في دولة تدعي أن الإسلام منهجها والقرآن الكريم دستورها..!! فهل رأيتم نفاقا أبعد مدى من هذه الشاكلة ؟ لا والله لم ننس ولن ننسى وسنظل نتذكر تلك الأيام السوداء ونذكر بها لعلها تعيد الرشد لبعض العقول التائهة والمنتشية بالنصر المزيف.. ؟ اليوم يعود ( عبد العزيز الحكيم ) للغة النظام الإيراني البائسة والسقيمة والموغلة في إنتهازيتها، ويهدد بالويل والثبور لسفك دماء جنود التحالف والذين بدمائهم وتضحياتهم جعلوا دخوله وبقية جوقة العمائم ممكنة ومتاحة ... لقد صبوا جام غضبهم على السفير الأمريكي السيد ( زلماي خليل زاده ) لأنه نصح الأطراف العراقية بالإبتعاد عن أسلوب الميليشيات الطائفية في إدارة وزارات الدولة!! وهاجوا وماجوا مرددين إسطوانتهم السخيفة وإتهاماتهم الأكثر سخفا بكون سفير الولايات المتحدة ( وهابي ) المذهب والعقيدة ومعادي لأتباع ( أهل البيت )!! هل سمع أحكم سخفا بأكثر من ذلك ؟ هل تناسوا أن السفير في تصريحاته لا يمثل نفسه ولا مشاعره بل يمثل توجهات وسياسة الدولة التي يمثلها؟ ولا أعتقد أن الرئيس جورج بوش من أتباع ( إبن تيمية )!! أو له أدنى علاقة ب ( السلفية المقاتلة )!!، إنها مهازل ساسة العراق الجدد الذين يؤلون الأمور ويفسرونها طائفيا وبطريقة سقيمة كما كان ( البعثيون النافقون ) يتحدثون على الدوام عن ( المؤامرات التاريخية ضد الأمة العربية )!!؟.

( الحكيم ) لن يذهب بأقواله بكل تأكيد لحد التنفيذ لأنه يعلم جيدا بتوازن القوى ، ولأنه أيضا يعلم علم اليقين من أنه وفيلقه وجماعته ليسوا على إستعداد للتضحية بكل المكاسب و الإمتيازات السلطوية والمنافع الدنيوية.. فالتجرية الإيرانية قد علمتنا جيدا من أهل العمائم لا يعطون ما يأخذونه بسهولة...!!، ولكن تلك التصريحات التهديدية ستظل علامة من علامات العقل السياسي العراقي المضطرب الذي نسى أو تناسى كل الحقائق الموضوعية!! والذي هو في النهاية أسير لتوجهات تأتي من الشرق!!.. إنها الحقيقة العراقية الموجعة في زمن الفتنة السوداء

dawoodalbasri@hotmail.com