From : hichamokal@hotmail.com
Sent : Sunday, January 1, 2006 8:20 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

رؤية بين الثابت والمتغير
 لمشروع الشرق الأوسط الكبير عبر تتطور ته للعام 2005
هشام عوكل
 أستاذ جامعي مقيم في بلجيكا


"عندما تبلغ أمة ما هذا المستوى من القوة فإنه من غير المستبعد أن تفقد حكمتها وعدالتها وإتزانها لتصبح خطرا" على البشرية فتفقد قوتها. لكنها قد تستعيدها لو هي عادت إلى هذه الفضائل" جون آدامز 1778

مقدمـــة

من عادة التاريخ أن يقوم المنتصر بإعادة ترتيب الجغرافيا. من هذه العادة تغيرت خارطة العالم عبر معاهدة فرساي عقب الحرب العالمية الأولى. وتم تقاسم أوروبا والعالم عقب الحرب العالمية الثانية. وعليه فإن الطموح الأميركي لتغيير الجغرافيا ،وتحديداً في منطقتنا، هو طموح ينسجم مع المنطق التاريخي. وهو كان قد بدأ مع سقوط جدار برلين وتعامل معه العالم ( اوروبا وتنازلاتها السياسية والإقتصادية في حرب كوسوفو وغيرها) ودول المنطقة بصورة براغماتية واقعية. وإستمر هذا التعامل لغاية إصرار جورج ووكر بوش على تحويل أميركا إلى دولة تحصل على ما تريده بالقوة وليس بالطلب. مما يعني تحويل الحلفاء الأميركيين الى مجرد زوائد إستراتيجية. وهو امر ينطبق على كافة الحلفاء بدءاً بأوروبا وصولاً الى أصدقاء أميركا من العرب. ووصلت فلسفة القوة البوشية الى قمتها عبر الحرب على العراق ..

تمتاز المشاريع الأميركية بطابعها البراغماتي الذي يبعدها عن الإيديولوجيا. والذي يضعها في حالة من التبدل المستمر تجعل من دلالات المصطلح السياسي الأميركي دلالات متغيرة بحسب الظروف. من هنا فإن الخطأ الأول في التعاطي مع المشاريع الأميركية هو خطأ إعطاءها دلالات ثابتة ومحددة (إيديولوجية). فقد طرح الأميركيون فرضيات النهاية ( التاريخ والقوميات والإيديولوجيا والأنثروبولوجيا وغيرها) ثم طرحوا العولمة ووضعوا لها المؤسسات الدولية ليعودوا فيطرحوا صدام الحضارات ويعيدوا سياسة الأحلاف بما يشكل تراجعاً تاماً عن الطروحات السابقة. ومن هنا دعوتنا الى تجنب قراءة مشروع الشرق الأوسط الكبير قراءة إيديولوجية. وتقوم حجتنا على ضرورة طرح التساؤل التالي حول أي مشروع أو مصطلح أميركي: هل تتمسك الولايات المتحدة بهذا المشروع لو هو تعارض مع مصالحها؟. والجواب هو دائماً النفي. وعليه فإن أي مشروع أميركي قابل للتعديل حتى الإنقلاب لو هو تعارض مع المصلحة الأميركية. وفي رؤيتي الشخصية أن مشروع الشرق الأوسط الكبير يحقق وجوهاً عديدة للمصالح الأميركية لكنه يتطلب تضحيات لا تشجع البراغماتية على تقديمها. ومن هنا نرى أن الولايات المتحدة بدأت بالتراجع عن هذا المشروع. وهذه الورقة تعرض للعلائم الأولية على التراجع الأميركي عن هذا المشروع بعد نقده على ضوء نظرية الإستقراء المستقبلي والتحليل النفسي- السياسي

الشرق الأوسط الكبير وفقدان الخصوصية

أدرجت مسؤولة برامج التنمية في الأمم المتحدة على رواية الحكاية التالية لموظفيها الجدد: (( كان هنالك قرد شجاع وذي حمية. ورأى هذا القرد سمكة تسبح بعكس التيار فأثارت شفقته ودبت فيه الحمية فخاطر بالتعلق في غصن شجرة وإحتال كي يطال الماء ويخرج السمكة من الماء وهو يظن أنه ينقذها)).

أما عن عبر هذه الحكاية فتشرحها المسؤولة كما يلي: (( إن الحماس والنية الحسنة والرغبة الصادقة كلها لا تكفي إذا كنا لا نأخذ في الحسبان البيئة الملائمة والمناسبة للتنمية. وهذا يعني أنه ليس بمقدورنا تصميم الحلول فهذه قد تنجح في مجتمع وتفشل في آخر. فالحل الذي يلائم القرد لا يلائم السمكة. وما إعتبره القرد بطولة كان جريمة بحق السمكة.)).

المؤسف أن نفوذ هذه المسؤولة محدود بحيث يعجز عن وقاية الشعوب النامية عموماً وشعوب الشرق الأوسط خصوصاً من جرائم القرد الأميركي. والمؤسف أيضاً أن عقولنا الأسيرة لا تعرف هذه الحكاية ولا تستوعب بالتالي عبرها.

بالإنتقال الى تطبيق حكاية القرد على مشروع أمركة الشرق الأوسط نجد أن إحتلال العراق قد شكل حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة. فالشرق الأوسط لم يعد بإمكانه إستعادة معادلة توازنه السابقة لتلك الحرب. فهذه المعادلة كانت تستند الى ملحقات معاهدة فرساي التي أعقبت الحرب العالمية الأولى. والتي أجرت قائمة من الجراحات الجغرافية الوحشية. ونقول وحشية لأن تقسيمات تلك المعاهدة تسببت في سلسلة طويلة من الحروب بدأت بالحرب العالمية الثانية ( جاءت محاولة إنتقام ألمانية على ظلم فرساي) ولم تنتهي حتى الآن. بل أن هذه التقسيمات تعد بجملة حروب أوروبية وشرق أوسطية جديدة. وهكذا فإن فهم الحقائق الجيوسياسية وتحدياتها في الشرق الاوسط ، ياتي من خلال

مراجعتنا لنص المشروع نجد أنه يقوم على مخالفات متشابكة للمنطق. وهي مخالفات تستدعي تعديلات لاحقة على المشروع. بل أن هذه التعديلات بدأت بالتبدي واضحة لدى متابعي السياسة الخارجية الأميركية. ولنستعرض أولاً المخالفات المنطقية التي تضمنها المشروع:

1- إستناده الى تقارير التنمية العربية: وهي نتاج عقول عربية أسيرة بتوجيهات أميركية خالصة. وهي تذكر بحكاية القرد والسمكة. حيث تتحول سعادة الإنسان الى أرقام. وحيث توضع الأرقام إستناداً الى عوامل غير متجانسة. مثال ذلك أن تتساوى علامات إستعمال الإنترنت مع متوسط الأعمار ومع تأمين مياه الشرب. وحيث يتم تجاهل عوامل مثل نسبة الإنتحار ونسبة إدمان الكحول والمخدرات وكأنها خارج إطار مؤشرات السعادة البشرية.

2- دخوله في إطار دمقرطة الشرق الأوسط: وهو مشروع يستند بدوره الى تقارير التنمية العربية ( راجع نقدنا المفصل للمشروع ملحق مع هذه الورقة). حيث نشر الديمقراطية الأميركية يمر بشن حروب تصل ضحاياها الى مئات الآلاف لتبقى الديمقراطية الموعودة من نصيب الناجين من هذه الحروب. ولو عدنا الى النموذج العراقي لوجدنا أن أوج هذه الديمقراطية يتجلى في إصرار بوش على إجراء إنتخابات لا يمكن له مجرد الإدعاء بديمقراطيتها. وإنما هي تحدد لها هدفاً مسبقاً هو إنتاج وتصنيع قرضاي عراقي.

3- تجاهل الخصوصيات الحضارية: ولنا هنا عودة أخرى الى القرد والسمكة. حيث توجد مسافة خفية بين الحرية وبين الكرامة. وحيث شعوب المنطقة تفضل الكرامة على الحرية لوكانت خياراً. وذلك بدليل المقاومة العراقية الشرسة في وجه الإحتلال. فالنظام الشمولي يقمع حريات معاديه السياسيين لكنه يحتفظ للشعوب بكرامتها. وهو عكس ما يفعله المحتل إذ ينتهك كرامة الشعوب ويحاول تعويضها بقناع من الحرية الزائفة. فهل دفع الشعب العراقي مئة ألف قتيل وثلاثة أضعاف هذا العدد من المعوقين والجرحى كي يحصل على نعمة الإنتخابات؟. وهل تم تهديم البنى التحتية العراقية في البلد من أجل دعم الشركات الأميركية المفلسة؟. وهل تم نشر الفوضى في العراق لغاية خطر إندلاع صراع أهلي فيه من أجل العودة الى حكم العشائر (الياور) وحكم البعث السابق (علاوي) وهو كان حاكماً؟.

4- تفجير التناقضات الداخلية: يبدو الطموح الأميركي في نشر الديمقراطية والتأسيس للشرق الأوسط الكبير مرتبطاً بصورة عضوية في تفجير التناقضات الداخلية في البلدان المستهدفة. وذلك دون خجل من توظيف المخابرات الأميركية في عمليات قذرة تستهدف هذه التفجيرات.

5- تهديد التوازنات الإقليمية: وهو ما أشرنا له أعلاه من إصرار أميركي على إلغاء المؤسسات الإقليمية وإصابة القوى الأساسية بالشلل وتشجيع الصغار على تجاوز حدود فعاليتهم الإقليمية. وذلك وصولاً الى نشر الفوضى الإستراتيجية بغية إعادة تركيب المنطقة وفق تصورات القرد الأميركي. وهنا يطرح السؤال حول مستقبل المنطقة وشعوبها في حال إنعدام صلاحية التصورات الأميركية وعدم قابليتها للحباة في هذه المنطقة من العالم؟.

6- تجاهل التناقضانت الإقليمية: يحاول الأميركيون تطبيق مشروعهم في منطقة عابقة بالتراث وبالتالي بتاريخ من الأحقاد البينية. بحيث يصبح من الحماقة التفكير في جمع هذه الأحقاد التاريخية في تصور موحد. فالتاريخ لم ينتهي وهو لم يأتي بالمصادفة. إذ تتوزع دول وشعوب المنطقة وفق نسيج حضاري يضم ملامح التاريخ المشترك لكنه يحتوي أيضاً على تاريخ الخلافات بين المكونات الحضارية للمنطقة.

7- أن أميركا إنتصرت في حرب باردة طالت الجوانب الثقافية والإيديولوجية والإقتصادية دون أن تكون عسكرية بحال من الأحوال. ولو قبل الإتحاد السوفياتي التحول الى فاشية شبيهة لكانت لديه قوة عسكرية كافية للإستمرار وإن كانت غير كافية للنصر. وعليه فإنه من الخطورة بمكان أن تبدأ الحروب العسكرية الأميركية بعد الإنتصار الفكري النظري الخالص.

8- تناقض المنطلقات السياسية الأميركية الراهنة مع جملة ثوابت إستراتيجية أميركية سابقة. حتى يمكن القول بوجود إنقلاب على هذه الثوابت يقوم به صقور إدارة بوش. ولعل في مقدمة هذه الثوابت الرفض الأميركي لخوض الحروب مفتوحة النهايات. فلا حرب أفغانستان إنتهت ولا الحرب العراقية تنبيء بنهاية قريبة.

9- تحول الفكر السياسي الأميركي من الليبرالية والواقعية المطلقة الى مبدأ الكرامة الصوفية. ومحور الصوفية البوشية الإعتقاد بحتمية النصر الأميركي مهما كانت الظروف. ومن مظاهر هذه الصوفية طروحات النهايات: التاريخ والإيديولوجيا والأنثروبولوجيا وغيرها من النهايات. وهذه الصوفية السياسية هي محرك الحرب على العراق. وهي حرب إحتاجت الى التفاؤل الصوفي المتطرف لخوضها.

10- إن سوابق القوة الأميركية لا تدعم بحال هذا التفاؤل الصوفي. فقد فشلت هذه القوة في كوريا وفيتنام وغيرهما. وهي حملت وزر قنبلتين نوويتين في اليابان بثمن تحريك المارد الصيني.

11- إن المراجعة التاريخية لمحاولات تغيير الجغرافيا غير مشجعة. فالعديد من حروب القرن العشرين إنطلقت من ظلم معاهدة فرساي. بما في ذلك الحرب العالمية الثانية والحروب العربية الإسرائيلية...الخ.

12- أن معارضة الأمركة المتحولة الى الفاشية هي معارضة عالمية. بدليل إضطرار بوش لخوض حرب العراق بدون موافقة مجلس الأمن الدولي وحتى حلف الأطلسي.

13- الإعلان الأميركي الصريح عن رفض هيكلية الأمم المتحدة. وذلك عبر تجاوزها والدعوة لإعادة هيكليتها. مع تحويلها الى وظيفة كاتب العقود على غرار إستصدار القرار 1559 كتكريس لعقد أميركي فرنسي بعودة فرنسا الى الساحة اللبنانية.

14- الخطأ القاتل بتحويل دلالة الشرق الأوسط الى الشرق المسلم عبر إعلان الصدام مع الإسلام (هنتنغتون وغيره) وإستخدام مصطلح الحرب الصليبية. والأهم بطرح الشرق الوسط الكبير بشعوب إسلامية وشراكة يهودية.

15- أن العسكريتاريا والفاشية تحتاج الى مساندة شعوب مستعدة للتضحية بأبنائها ورخائها. وهي تضحيات يستحيل طلبها من الشعب الاميركي مهما بلغت درجة تخويفه

مهندس السياسة الخارجية الأميركية كيسنغر قال في العديد من كُتُبِه ومقالاته ومحاضرته العامة أنّه بالنسبة للدبلوماسية الأميركية.. يقول مهمة الدبلوماسي الأميركي ليس حل الأزمة بقدر ما هي الإمساك بخيوطها وإدارتها وكلّما طالت الأزمة كلّما كان أمام الولايات المتحدة فرصة كبيرة لتطويع الأزمة أياً كانت، أينما كانت،

طُبّقت هذة النظرية في الشرق الأوسط، في فلسطين، الآن فلسطين.. مشكلة فلسطين منذ الـ1948 حتى الآن تتّبع الولايات المتحدة هذا الأسلوب، أسلوب تغذية النزاع الخفيف المحدود والمحكوم استراتيجياً على أن يستمر هذا النزاع بدون حل ولكن دون أن ينفجر إلى حرب كارثية، يعني عملية النزاعات الخفيفة المحدودة، الاستراتيجية

.. بالرغم من المحاذير المعروضة أعلاه فإن الولايات المتحدة أمام التهديد الاقتصادي مستعدة لاحتلال الشرق الأوسط على الطريقة الكولونيالية القديمة كبديل لصيغة الانتداب التي تمارسها راهناً.

لكن حكمة لابد من ذكرها في سياقنا وهي القائلة أن القوة ليست واقية من الموت. وأن الجبابرة الأسطوريون يموتون دائما" بصورة مفاجئة وغير متوقعة وهم في أوج قوتهم وجبروتهم. هكذا مات شمشوم وأخيل والاتحاد السوفياتي. واذا كان لكل من هؤلاء الجبابرة نقطة ضعفهم المميتة فلا بأس من مجرد تعداد نقاط ضعف الجبار الأميركي وهي التالية:
1. الثغرات الأمنية واختراقات ما بعد التراخي الأميركي في التسعينيات.

2. ثغرات النظام الرأسمالي ( انظر كتاب شوروش: أزمة الرأسمالية العالمية).

3. انفجار الايديولوجيات الذي صاحب انفجارات الثلاثاء وبعدها الحرب على العراق.

4. التفرقة العنصرية داخل اميركا ( من ليتل روك الى سينسيناتي).

5. ثغرات جهاز المناعة في الجسد الاميركي ( الجمرة الخبيثة كنموذج اختباري).

6.عشوائية السوق والبورصات ( لم تتوصل اميركا حتى اليوم الى استقرار مؤشرات بورصتها. وبينت جميع الدراسات أن للسوق مزاجها الخاص ومن مظاهره ضعف الدولار).

7.الميليشيات الأميركية البيضاء ( المسؤولة عن انفجار اوكلاهوما).

8.حرب المعلوماتية وفيروساتها القادمة ( فيروس ريد كود هو مقدمتها).

علاوة ما تقدم تبقى

، بؤرة الصراع في العراق، الامتحان الكبير للأمة في العراق،وللأمة العربية إذا استطاعت الولايات المتحدة أن تغادر بدون ما يكون على وجهها دم وجروح وتغادر بسلام معناها إحنا فشلنا في تمريغ هذا الوجه في الوحل العراقي وتأديبه في العراق، لأنّه إذا لم يؤدب في العراق سيكون الدور علينا في الجزيرة العربية ودول أخرى.