From : zekrawy11@yahoo.com
Sent : Friday, December 30, 2005 4:21 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
 

يوميات حارة فلسطينية 1
بقلم جمعة زكراوي
 

مات عبد السلام، المختار عبد السلام الجعيوي، رحل بصمت، لا يتناسب مع الضجيج الذي كان يحدثه حضوره.
شكل الجعيوي، ما يمكن اعتباره ظاهرة، منذ أن افرغ محله في احد شوارع بيت لحم القديمة، من كل شيء وجلس فيه يعمل مختارا، ولكنه مختار من نوع معين، وأصبح محله مجمعا لسياسيين وفاعلين وأدباء.
كان حلمه أن يصبح مختارا، لأهالي بلدة بيت عوا الذين استوطنوا محافظة بيت لحم، وشكلوا فيها، ظاهرة ملفتة، ولكن كان وجود الاحتلال عائقا أمام ذلك، وهو لا يريد أن يكون مختارا معتمدا من قبل الاحتلال، وبالنسبة له شكل إنشاء السلطة الفلسطينية، فرصة له ليصبح مختارا، وهو ما حدث بعد طريق شاق ومنافسة كانت تحدث كثيرا من المفارقات الضاحكة له ولأصدقائه.
وتحول الجعيوي، إلى رجل فقير، لا يشغله إلا خدمة الناس، ورغم انه لم يكمل تعليمه، إلا أن محله أصبح المكان الأول الذي يجتمع فيه مجموعة من الكتاب والصحافيين والفنانين أطلقوا على أنفسهم جماعة (الحناتيش)، وكان الجعيوي يجالسهم ويوفر لهم القهوة والشاي دون أن يستطيع أن يستوعب كثيرا ما يقولونه.
وسرعان ما انفض الحناتيش، مثلما يحدث في أي تجمع أدبي، أما عبد السلام فبقي في مكانه، لا يبرحه إلا ليكون في الصف الأول من أي تظاهرة، أو اعتصام، أو أي نشاط جماهيري أو سياسي، حاملا عصاه، وجسمه المثقل بالأمراض، ولافتة أو شعارا.
وعندما نشأت قضية جبل أبو غنيم عام 1996، بعد أن قررت إسرائيل مصادرة أراضي هذا الجبل جنوب القدس، وإقامة مستوطنة (هار حوما) كان الجعيوي أول المعتصمين في الاعتصام الشهير الذي استمر عدة اشهر، وكان معه في البداية فيصل الحسيني، ولكن الأجندة كانت مختلفة بين الرجلين، فالحسيني اخذ يستقبل الشخصيات السياسية في الخيمة التي نصبت في جبل الديك، قبالة جبل أبو غنيم، ليفاوض ويناور، أما الجعيوي فكان على عكس ذلك تماما، ويمكن لتوضيح المسالة الإشارة إلى زيارة جدعون عيزرا، السياسي الإسرائيلي، ونائب رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) للحسيني في خيمة الاعتصام على الجبل، ليقدم نصيحة بعدم جدوى الاعتصامات، ودخل عيزرا إلى الخيمة، ومنع حراس الحسيني الجعيوي والآخرين من الدخول، وعندما خرج عيزرا الملطخة يديه بدماء فلسطينية، واجهه الجعيوي والآخرين غاضبين، طالبين منه المغادرة فورا، وقائلين له بأنه ليس له مكانا بينهم.
وبعد أسبوع غادر الحسيني، في جولة خليجية، لجمع التبرعات، وعاد إلى الجبل، حاملا معه 7 ملايين دولار، وقال للجعيوي وصحبه لولاكم لما جمعت هذا المبلغ من اجل القدس، وغادر الحسيني ولم يعد للاعتصام.
واستمر الاعتصام على الجبل، وفي حين أن جميع المعتصمين بدون استثناء، كانت لهم أسبابا أخرى شخصية للوجود في المكان، فان الجعيوي كان المعتصم الوحيد الذي لا غاية له، وكان يقترض أجرة الطريق لكي يصل إلى مكان الاعتصام، بعكس غيره من الذين كانوا يعدون الأوراق والطلبات لرفعها لياسر عرفات لإقرارها، كصرف حوافز مالية، أو طلب ترقيات.
وبسبب وجود الجعيوي الدائم في المكان، أصبح قبلة لوسائل الأعلام العربية والعالمية، وزاره عماد الدين أديب لبث حلقات لقناة أوربت، وكذلك الكاتب المصري الراجل لطفي الخولي ورفاق له من جماعة كوبنهاجن.
وكان طبيعيا أن يطلب الصحافيون تصريحات من هذا الرجل الشعبي، الصامد على الجبل، ولكن تصريحات الجعيوي أثارت حفيظة الزعماء السياسيين، خشية سرقة الأضواء منهم، فاستدعوا الجعيوي وحذوره من الحديث للصحافة.
وفي انتفاضة الأقصى، لم يترك الجعيوي جنازة شهيد إلا سار فيها، وتحولت جدران محله إلى ما يشبه معرضا لصور الشهداء الذين بقي مخلصا لهم حتى مماته، بينما خان الآخرون وما أكثرهم.
رحم الله عبد السلام، واحد من أبناء حارتنا الفلسطينية، الذين لن تذكرهم كتب التاريخ الرسمية.