From : alakiedi@hotmail.com
Sent : Saturday, January 7, 2006 9:21 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : قطار الجعفري
 

قطار الجعفري
نكتة ليست للضحك
محمد العكيدي
معماري وكاتب عربي من العراق


يختلف مفهوم النكتة لدى الشعب في الوطن العربي، عن مفهومها لدى شعوب العالم المختلفة. كان من ما لفت انتباهي، كاحد اوجه الاختلاف، ليس تعدد مواضيع النكت، من الجنس الى البخل والغباء والدين وصولا الى السياسة، بل ردة فعل سامع النكتة. فمن البديهي ان يضحك سامع النكتة، او ان يبتسم ابتسامة باهتة، اذا كانت النكتة سخيفة مثلا، ولكن ان يتألم لدى سماعه النكتة، فهذا امر، تفوقنا فيه على ما اعتقد على بقية الشعوب. النكتة السياسية او كما نستطيع ان نطلق عليها اسم النكتة السرية في ظل انعدام حرية التعبير، هي اكثر النكت واسرعها انتشارا، رغم ما قد يؤدي اليه القاء النكتة او حتى سماعها الى عواقب وخيمة. العديد من المواطنين اعدموا في الدول العربية لانهم حكوا نكتة سياسية، والكثير سجنوا وعذبوا لانهم ضحكوا لدى سماعهم النكتة، بل ان حتى من سمع النكتة ولم يضحك فقد تعرض للاعتقال والاستجواب بحجة: لماذا لم لم توقف قائل النكتة عند حده؟ او لماذا لم تبلغ عنه عندما تطاول على الحكومة؟
الملفت للانتباه ان النكتة السياسية، لا تحتاج الى جواز سفر لعبور الحدود، فقد تسمع النكتة في العراق، ثم تسمع النكتة ذاتها في اليمن مثلا او في سوريا او مصر، ولكن باسقاطات على اشخاص ورموز اخرين. حسب اعتقادي، فان التفسير البسيط لذلك، هو تشابه الاوضاع السياسية التي يعيشها المواطنون في هذه الدول. النكتة على ما يبدو اضحت احد الوسائل القليلة المتاحة للمواطن للترويح عن نفسه وللتخفيف ولو قليلا من وطأة الانظمة الشمولية وضغوط اجهزتها الامنية.
الاجهزة الامنية العربية لم تهمل موضوع النكتة، بل على العكس تماما اولته اهتماما كبيرا، فتقريبا يوجد في كل جهاز استخبارات عربي عريق، مجموعة من الخبراء والمختصين يطلق عليهم اسم(قسم النكتة). مهمتهم جمع النكات التي تروى في الشارع، وبخاصة ذات الدلالات السياسية، ومن ثم تحليلها والذي يمكنهم من قراءة حالة الشارع وتفاعله مع الاحداث السياسية بل وحتى ردات الفعل المتوقعة ازاء القرارات التي قد تتخذها السلطات الحكومية. الامريكان في العراق لم يكونوا ابدا على جهل بهذا الموضوع، فمنذ بداية تولي بول بريمر منصبه شكل قسم للنكتة يتألف من مجموعة من الخبراء والمختصين والمترجمين واطلق على هذه المجموعة اسم(بعوضة بغداد) وهي مرتبطة بشكل مباشر مع الجهة الحقيقية التي تحكم في العراق وهي الادارة الامريكية في المنطقة الخضراء.
وصلتني عبر البريد الالكتروني ومن مصدر مجهول رسالة، تضمنت صورة للسيد ابراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي الحالي، والذي سيبقى في منصبه على ما يبدو. الصورة التقطت له في احد مستشفيات الاردن وهو يتفقد مريضة عراقية، وتحت الصورة عبارة كتبها المرسل تقول: شنو رأيك؟.
جعلتني هذه الصورة اغوص في بحر عميق من الافكار والذكريات المتلاطمة. كان مما تبادر الى ذهني نكتة رواها لي قبل سنين شخص ما، على ما اعتقد انه كان في يوم ما ذا توجه شيوعيي. النكتة تقول:
في يوم من الايام، تعطل قطار الشيوعية وتوقف عن المسير، فاجتمع كبار قادة الاتحاد السوفيتي السابق، للتباحث حول سبب تعطل القطار وعدم قدرته على متابعة المسير، في محاولة للوصول الى الخلل. استغرقت العملية24ساعة ولم يتوصلوا خلالها الى نتيجة. بعد ان تملكهم اليأس، اقترح احدهم القيام باستحضار روح لينين، لانه هو وحده من يعرف التفاصيل الدقيقة لقطار الشيوعية، وهو وحده القادر على اصلاحه او التعرف على الخلل. تمت الجلسة واستحضروا روح لينين واخبروه بالقضية. انهمكت روح لينين تفحص القطار، وطالت العملية ثلاثة ايام بلياليها، ثم عاد بعدها لينين ليخبرهم بما توصل اليه من نتائج. سألوه ان استطاع ان يتعرف على الخلل ام لا؟ فاجاب لينين نعم. القطار غير قادر على الحركة لان طاقة القطار كاملة مهدورة في الصافرة.
عندما سمعت هذه النكتة قبل ما يقارب العشر سنوات لم اضحك، وبكل صراحة لاني لم افهم المغزى حينها. ولكن مع مرور الزمن وبالمقارنة مع ما يحدث في الدول العربية وبالذات في العراق اصبح معنى النكتة واضاحا.
ان اسباب الفشل السياسي لدينا كثيرة ويصعب حصرها، ولكن احد اهم هذه الاسباب، اننا لا نملك الرجل المناسب في المكان المناسب. ولا اقصد هنا انتقاد الدكتور ابراهيم الجعفري بشخصه، بل الحالة العامة التي هو جزء منها. صحيح ان الرجل طبيب ولكن العوامل الاساسية التي تشكل شخصية الجعفري هي تأثيرات معتقده الديني وخلفية انتماءه الحزبي. حزب الدعوة الاسلامية الذي يتزعمه الجعفري هو من اقدم الاحزاب الدينية الشيعية في العراق. وهو من الاحزاب التي تتخذ من العنف وسيلة ومنهجا للتغير والوصول الى الحكم وتاريخه حافل بذلك ومن المفارقات الغريبة ان الحزب الحاكم الان في العراق ان صح التعبير وهو حزب الدعوة ما يزال في بعض الدول الاوروبية مصنفا ضمن الاحزاب المحضورة من قبل الاجهزة الامنية كما هو الحال في المانيا مثلا.
تأثير هذه الخلفية الحزبية على تكوين شخصية الدكتور الجعفري يبدوا واضحا في الصورة من اسلوب العلاج الروحي او الدعاء الذي يستخدمه الدكتور الجعفري، ملغيا ما كان قد تعلمه خلال سنوات الدراسة الطويلة في كلية الطب. فهل كان ياترى يستخدم نفس الاسلوب خلال السنة الماضية لحل المشاكل السياسية في العراق خلال توليه منصب رئيس الوزراء؟ الهذا توقف قطار الجعفري (قطار الديمقراطية والشفافية وحقوق الانسان المزعومة) عن المسير؟
ام هل تحرك اساسا حتى يتعطل ويقف؟