From : ibrahim_awad9@yahoo.com
Sent : Thursday, December 29, 2005 2:35 PM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : اتهام الرافعى لطه حسين فى دينه
 

اتهام الرافعى لطه حسين فى دينه
د. إبراهيم عوض
 


لمصطفى صادق الرافعى الكاتب والشاعر المعروف كتاب بعنوان "تحت راية القرآن" كان فى الأصل مقالات فى جريدة "كوكب الشرق" ردَّ فيها على ما قاله طه حسين فى كتابه "فى الشعر الجاهلى" الصادر عام 1926م والذى سُحِب من الأسواق إثر هذه المقالات الرافعية التى فضحت ما فيه، ثم أعيد طَرْحه العام الذى يليه بعنوان "فى الأدب الجاهلى" بعد أن حُذِف منه ما يسىء للقرآن الكريم وللإسلام وأضيف إليه عدة فصول جديدة. وقد تناول الرافعى فى هذه المقالات طه حسين وكتابه المذكور من عدة جوانب، بيد أننى سأقتصر هنا على مناقشة ما قاله فى دين الرجل، وهو نفس الموضوع الذى أثاره الكتّاب والمعلقون فى جريدة "شباب مصر" فى الأسابيع الأخيرة، وذلك بغية مزيد من التوضيح لبعض ما قالوه فى هذا الصدد. وأود أن أنبه إلى أن ما سأكتبه هنا مأخوذ من كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" الصادر فى عام 1987م. وهذا نص ما قلته هناك بدءا من الفقرة الثالثة من الفصل الثانى من الكتاب المذكور (ص/ 15- 26):
"لن نكتفى هنا بترديد رأى الرافعى فى طه حسين بل سنعرضه على النصوص ونقلّبه على كل وجوهه. وأريد أن أصارح القارئ منذ الآن بأن العلم لا يعرف تلك الحساسية التى تصيب بعض الناس حينما يرون من ينتقد هؤلاء الذين يعظّمهم، وتدفعهم إلى القول بأننا ينبغى ألا نتعرض لإيمان هذا الشخص أو ذاك، على أساس أن هذا تدسُّس إلى القلوب نَهَى عنه الإسلام. إن هذا الاعتراض يصح لو أن الباحث يرجم فى هذه القضية بالغيب، لكن إذا كانت هناك نصوص مقطوع بنسبتها إلى قائلها لا يمكن تأويلها فمعنى ذلك أن للباحث الحق فى دراسة الأمر. وقد سبق أن تناول كثير من الدارسين عقائد أمثال يزيد بن الوليد وابن المقفَّع والمتنبِّى والمَعَرّى والحاكم بأمر الله، فلم نسمع من ينكر عليهم، فلِمَ الكيل بمكيالين إذن؟ أيا ما يكن الأمر فإننا هنا بصدد تناول رأى الرافعى فى عقيدة طه حسين، وهذا الرأى جزء من تراثنا الفكرى والأدبى لا أظننا نكون أمناء لو أهلنا التراب عليه. كذلك فإننا لا ندَّعِى أن ما سنصل إليه من نتائج هو كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا يقول هذا إلا جاهل أو مغرور، وإنما هو اجتهاد علمى قد يصحّ وقد يخطئ. وإذا كان طه حسين قد رأى أن من العلم أن يقول ما قال فى القرآن الكريم، فلماذا نعيب الرافعى إذا رأى فى موقف طه حسين هذا رأيا؟
إن الرافعى يرى أن طه حسين أداة أوربية استعمارية (تحت راية القرآن/ ط3/ مطبعة الاستقامة/ القاهرة/ 1953م/ 186)، غرضها توهين عُرَى الإسلام (ص/ 199)، ويأخذ عليه أنه لم يصلّ على النبى مرة واحدة فى كتابه ولو بحرف "ص" كما يفعل نصارى العرب (ص/ 207)، ويسميه: "المبشر طه حسين" مرة، و"المستر حسين" أخرى (ص/ 122، 177)، ويشبّه الجامعة (فى مجال العلم) بمستشفيات المبشِّرين (فى مجال الطب) (ص/ 145)، ويكنّيه "أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" (ص/ 200، 344، 373)، ويشير إلى دور زوجته فى حياته وتأثيرها عليه (ص/ 349)، ويتهمه بالزندقة (ص/ 129- 130)، وبالإلحاد (ص/ 214، 216، 218) ، ويورد أيضا اتهام الشيخ مفتاح له بأنه كافر وتحديه له أن يقاضيه (ص/ 242- 243). وهو من ثم يدعو إلى إبعاده من الجامعة وحماية النشء من أفكاره (ص/ 188)، ويحرض عليه وزارة المعارف لأنه، كما يقول، يناقض بآرائه ما يقال للطلبة فى كتبها ومدارسها، والمفروض فى نظره ألا يكون هناك تناقض، وإلا فعليها أن تعلن صحة آرائه وتتابعه عليها (ص/ 171).
وحين يدافع أحمد لطفى السيد عن طه حسين على أساس حرية الفكر يردّ الرافعى بأنه لا ينازعه فى معانى حرية الرأى وأشباهها، ولكن النزاع فى الجدل والكفر (ص/ 314، وإن كان ظاهر كلامه قد يوحى بغير هذا). ومن هنا نراه يهاجم حرية الفكر إذا أدت إلى الكفر وتقطيع الأرحام (ص/ 306)، وإن عاد فسلَّم للجامعة بحرية الكفر لا الفكر فقط (يأسا منه، فيما هو واضح، أن يُصِيخ المسؤولون فى الجامعة إليه فى هذه النقطة)، وركز على "الغلطات التاريخية والأدبية التى وقع فيها أستاذها" (ص/ 273).
واتهام الرافعى لطه حسين بالكفر قائم على أساس أن هذا الأخير يرى أن القرآن تأليف لا وحى، وأن النبى عليه الصلاة والسلام رجلُ سياسةٍ لا رسول، وأنه يهاجم الصحابة (ص / 205)، وأنه يرفض الحديث الصحيح (ص/ 194، 205). وفى رأى الرافعى أن طه حسين يهاجم الأدب العربى "لأنه أساس فى حضارة القرآن، ولأن القرآن أساس فى الدين، ولأن الدين ينافى مذهبهم فى الحضارة الغربية التى يعملون لها جهد طاقتهم" (ص/ 306).
والرافعى، رحمه الله، لا يلقى اتهاماته بغير دليل، بل يسوق ما قاله طه حسين من أننا "يجب حين نستقبل البحث عن الأدب العربى وتاريخه أن ننسى قوميتنا وكل مشخصاتها، وأن ننسى ديننا وكل ما يتصل به" (ص/ 140- 141، والنص موجود فى ص 12 من كتاب "فى الشعر الجاهلى"/ مطبعة دار الكتب/ 1926م)، وقوله: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين فى التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخى، فضلا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة... ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن من جهة أخرى" (تحت راية القرآن/ 145- 146، وفى الشعر الجاهلى/ 26)، وما قاله أيضا من أن قريشا "كانت فى هذا العصر (يقصد عصر ما قبل الإسلام) ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية. وهى بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد فى البلاد وحدة سياسية ودينية مستقلة، وأنه "إذا كان هذا حقا، ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخى قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التى تتحدث عنها الأساطير. وإذن فليس ما يمنع قريشا من أن تتقبل هذه "الأسطورة" التى تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما قبل ذلك، ولأسباب مشابهة، "أسطورة" أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس بن بريام صاحب طروادة" (تحت راية القرآن/ 147، وفى الشعر الجاهلى/ 28- 29)، وكذلك قوله إن القرآن "يَذْكُر التوراة والإنجيل ويجادل فيهما اليهود والنصارى، وهو يذكر غير التوراة والإنجيل شيئا آخر هو صحف إبراهيم. ويذكر غير دين اليهود والنصارى دينا آخر هو ملة إبراهيم، هو هذه الحنيفية التى لم نستطع إلى الآن أن نتبين معناها الصحيح. وإذا كان اليهود قد استأثروا بدينهم وتأويله، وكان النصارى قد استأثروا بدينهم وتأويله، ولم يكن أحد قد احتكر ملة إبراهيم ولا زعم لنفسه الانفراد بتأويلها فقد أخذ المسلمون يردّون الإسلام فى خلاصته إلى دين إبراهيم (تحت راية القرآن/ 148، وفى الشعر الجاهلى/ 81)، وقوله أيضا: وليس يعنينى هنا أن يكون القرآن قد استأثر بشعر أمية بن أبى الصلت أو لا يكون" (تحت راية القرآن/ 141- 150، وفى الشعر الجاهلى/ 83)، وكذلك قوله فى الرد على المستشرق كليمان هوار وزَعْمه أن النبى قد استعان بشعر أمية بن أبى الصلت فى تأليف القرآن: "من ذا الذى يستطيع أن ينكر أن كثيرا من القصص كان معروفا بعضه عند اليهود، وبعضه عند النصارى، وبعضه عند العرب أنفسهم، وكان من اليسير أن يعرفه النبى، كما كان من اليسير أن يعرفه غير النبى. ثم كان النبى وأمية متعاصرين، فلم يكون النبى هو الذى أخذ من أمية، ولا يكون أمية هو الذى أخذ من النبى؟" (فى الشعر الجاهلى/ 85)، وهو ما يَلْمَح فيه الرافعى تعريضا من طه حسين بأن النبى هو مؤلف القرآن، وهو نفسه ما يفهمه من قوله فى تعليل مخالفته لمن يرون أن إنكار الشعر الجاهلى يسىء إلى القرآن (على أساس أن القرآن ليس فى حاجة إلى شواهد من الشعر على ألفاظه ومعانيها عند العرب): "إن أحدا لم ينكر عربية النبى فيما نعرف"، فهو يرى فى الإشارة الأخيرة أن القرآن هو كلام النبى، وقوله إنه يوجَد "نوع آخر من تأثير الدين فى انتحال (يقصد: "نحل") الشعر وإضافته إلى الجاهليين، وهو ما يتصل بتعظيم شأن النبى من ناحية أسرته ونسبه فى قريش، فلأمرٍ ما اقتنع الناس أن النبى يجب أن يكون صفوة بنى هاشم، وأن يكون بنو هاشم صفوة بنى عبد مناف، وأن يكون بنو عبد مناف صفوة مُضَر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية كلها" (تحت راية القرآن/ 194، وفى الشعر الجاهلى/ 72- 73)، فالرافعى يرى أن هذا تهكم واستهزاء بالحديث الصحيح التالى: "إن الله اصطفى كنانة من وَلَدِ إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بنى هاشم، واصطفانى من بنى هاشم" (نفس المرجع والصفحة). ومثل هذا تكذيبه بوجود امرئ القيس مما يُعَدّ رفضا للحديث الصحيح الذى ورد بذكر هذا الشاعر (ص/ 197)، وقوله: "إن يزيد صورة صادقة من جده أبى سفيان فى السخط على الإسلام وما سنَّه للناس من سُنَن" (ص/ 211).
وبعد، فهذا جُلّ لا كُلّ ما رآه الرافعى رحمه الله مطعنا فى إيمان طه حسين بالإسلام وكتابه ونبيه. والحقيقة أن من الصعب تماما الدفاع عن طه حسين، اللهم إلا فى بعض النقاط الفرعية التى لا تقدم ولا تؤخر فى اتهام الرافعى له، إذ قد يمكن القول مثلا إنه حينما قال إنه لا يعنيه أن يكون القرآن قد تأثر بشعر أمية أَوْ لاَ لم يُجَوِّز الاحتمالين كما فهم الرافعى، بل قصد أن هذا ليس موضع الرد على كليمان هوار ولا أوانه، لأنه مشغول فقط ببحثه فى الشعر الجاهلى، وإن كان هذا فى الحقيقة لونا من التأويل المتعسف لكلامه. كما قد يمكن القول إن حكمه على أبى سفيان إنما هو رأى ارتآه على سبيل الاجتهاد، ومهما يكن قد أخطأ فيه فإن إحسان القول فى أبى سفيان ليس من دعائم الإسلام، أو إن طه حسين إذا كان يرفض الحديث الشريف الذى ينص على أفضلية الرسول وأسلافه فلأنه يراه غير صحيح رغم وروده فى كتب الصحاح. ثم قد يقول المجادلون إن النبى عليه الصلاة والسلام لا يضره أن يكون أسلافه أو لا يكونوا أفضل البشر...وهكذا. وقد نقبل جدلا كلامه فى عميد الأمويين، لكن هل من السهل أن تخفى علينا نبرة التهكم فى تناوله الحديث الذى يؤكد أفضلية الرسول على جميع البشر؟ وهل يليق بمسلم أن تكون هذه نظرته إلى الرجل الذى يؤمن بنبوته وما يعنيه اصطفاء الله له للقيام بهذه الرسالة العظيمة التى لا يُجْتَبَى لها إلا أفذاذ الأخيار من البشر؟
أيا ما يكن الأمر، فما القول فى مناداته بأن على من يريد دراسة الأدب العربى التجرد من دينه؟ إن هذا معناه شىء واحد هو أن الإسلام يناقض البحث العلمى، فكيف يجمع طه حسين بين الإيمان بالإسلام والإيمان بالمنهج العلمى، وهو يرى أنهما متناقضان؟ إن عليه أن يختار واحدا منهما ما دام الأمر كذلك، لأن من المستحيل، إلا على ذى عقل مضطرب أو مريض بانفصام فى شخصيته، أن يجمع بينهما.
إن طه حسين يعلن أنه، فى شكه فى الشعر الجاهلى، إنما يجرى على منهج ديكارت، فكيف إذن تجاهل أحد القوانين الفطرية التى رأى ديكارت أنها تعلو فوق كل شك، ألا وهو "قانون عدم التناقض"، الذى بمقتضاه لا يمكن أن "يكون" الشىء و"لا يكون" فى نفس الوقت، بل إما أن "يكون" فقط أو "لا يكون"؟ إن تطبيق هذا القانون على النقطة التى نحن بصدها يستلزم أن يؤمن طه حسين إما بالدين أو بالمنهج العلمى ما داما فى رأيه متعارضين (انظر مادة "Descartes"، وبالذات ص 85 من "A Dictionary of Philosophy, Pan Books, 1979" لمؤلفه Antony Flew).
أما قول طه حسين: "إن فى كل منا شخصيتين متمايزتين: إحداهما عاقلة تبحث وتنقد وتحلل وتغير اليوم ما ذهبت إليه أمس، والأخرى شاعرة تلذّ وتألم وتفرح وتحزن وترضى وتغضب فى غير نقد ولا بحث ولا تحليل، وتساؤله: ما الذى يمنع أن تكون الشخصية الأولى عالمة باحثة ناقدة، وأن تكون الثانية مؤمنة دَيِّنة مطمئنة طامحة إلى المثل الأعلى؟ ما لك لا تدع للعلم حركته وتغيره، وللدين ثباته واستقراره؟" (انظر "تحت راية القرآن"/ 349- 350) فهو مغالطات بهلوانية: فأولا إذا كان هو يعتقد أن الدين يتميز بالثبات والاستقرار فكيف يطالب باطّراحه والتجرد منه أثناء البحث؟ لقد كان الأحرى به أن يعرف أن بحث الأدب العربى لا يدخل فى نطاق الدين، ومن ثم لم تكن به حاجة (لو كان فعلا يعنى كلامه هذا) إلى دعوته المريبة تلك. وثانيا أنا لا أفهم العلاقة بين الرضا والغضب واللذة والألم والفرح والحزن وبين الإيمان. إن الإيمان هو اقتناع بعقيدة وتشريع ما، والاقتناع من شأن العقل لا من شأن المشاعر، التى كما يصورها هو نفسه لا تستقر على حال، مع أنه قال إن الدين يتميز بالثبات والاستقرار. إن الإسلام هو دين العقل لا التسليم القلبى دونما فهم أو بحث أو اقتناع، على عكس الأديان الأخرى التى يقع المؤمن بها فريسة للصراع بين عقله وعلمه وبين إيمانه وتسليمه، هذا الصراع الذى يظل يؤرقه ولو فى أعماق نفسه إذا حاول أن يكبته هناك فى تلك الأعماق المظلمة بعيدا عن وعيه، أو يدفعه فى نهاية الأمر إلى الكفر.
من هنا يرى الرافعى أن مقال طه حسين الذى اقتطف هو منه ما سبق (وكان طه حسين قد نشره فى جريدة "السياسة" تسويغا لموقفه وآرائه التى بثها فى كتابه "فى الشعر الجاهلى") إنما هو تفسير وتعليل لكفره على أساس من العلم، إذ "يريد أن يثبت فيه أنه من الممكن أن يكون مِثْلُه كافرا أشد الكفر على اعتبار أنه عالم يبحث بعقله، ثم لا يمنع ذلك أن يكون مؤمنا أقوى الإيمان فى شعوره" (المرجع السابق/ 350- 351)، كما يرى أن تسمية الشعور شخصية، والعقل شخصية أخرى، معناه أن النسيان هو أيضا شخصية، والذِّكْر شخصية، والإنسان عدة شخصيات، وأنه حين ينتقل من حالة إلى أخرى إنما ينتقل من شخصية إلى أخرى ويصبح رجلا غير الذى كان، بل يصبح كأن روحا تقمَّصته (السابق/ 351). وكذلك يرى أنه لا بد من التوفيق بين الدين والعلم فيما يختلفان عليه، وإلا كان أحدهما لغوا وعبثا (السابق/ 354)، وهو ما قلناه من قبل. لقد كان على طه حسين فى الحقيقة، بدلا من اللف والدوران، أن يحدد موقفه من الدين، وهو ما فعله فى نفس المقال الذى نحن بصدده، إذ قال: "إن العالِم ينظر إلى الدين كما ينظر إلى اللغة، وكما ينظر إلى الفقه، وكما ينظر إلى اللباس، من حيث إن هذه الأشياء كلها ظواهر اجتماعية يُحْدِثها وجود الجماعة وتتبع الجماعة فى تطورها. وإذن فالدين فى نظر العلم الحديث ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية، لم ينزل من السماء ولم يهبط به الوحى، وإنما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها، وإنْ رأى دوركايم أن الجماعة تعبد نفسها، أو بعبارة أدق أنها تؤلِّه نفسها" (السابق/ 348- 349).
بهذا يكون موقف طه حسين آنذاك واضحا: فهو لا يؤمن بالإسلام، إن آمن به، على أنه دين سماوى أوحاه الله إلى نبيه محمد، بل على أنه اختراع بشرى. وإذن فالرافعى لم يكن متجنيا عليه قِيد شعرة حين رماه بالكفر والإلحاد. وأحب أن أبادر هنا إلى القول بأننى لا أريد بهذا أن أسىء إلى طه حسين، بل أبحث فقط الأمر بحثا علميا. وإذن أيضا فإن طه حسين حين أعلن من قبل (فى الخطاب الذى أرسله، على أثر الهجوم عليه بسبب كتابه، إلى مدير الجامعة أحمد لطفى السيد) أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر لم يكن يعنى ما يقول (السابق/ 165)، إلا أن يكون الخطاب من تأليف لطفى السيد نفسه، وهو فى الواقع به أشبه. ذلك أن الإنسان لا يمكنه أبدا أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو فى ذات الوقت لا يؤمن بوحى ولا بإله، ما دامت الجماعة إنما تؤله نفسها وتعبد فى الحقيقة ذاتها، وما دام الدين لم ينزل من السماء، وإنما نبع من الأرض اختراعا بشريا.
أما قوله إنه لم يتعمد فى كتابه الخروج على الدين فهو خداع لا يجوز فى العقول، لأنه إذا لم يكن وصْف بعض قصص القرآن بأنها أساطير مخترَعة لغايات سياسية، والقول بأن المسلمين هم الذين ردّوا الإسلام فى خلاصته إلى دين إبراهيم وغير ذلك مما سبق أن أوردناه، هو الخروج على الدين فإنه لا يوجد شىء إذن اسمه الخروج على الدين. وأما تأكيدات طه حسين فى الخطاب الذى أرسله إلى مدير الجامعة بأن دروسه فى المحاضرات قد خلت خلوًّا تامًّا من التعرض للديانات "لأنى أعرف أن الجامعة لم تنشأ لمثل هذا"، فقد سبق أن قلنا إنه ليس تحت أيدينا ما يثبت أو ينفى ذلك. لكن السؤال الذى يلح على الذهن هو أنه إذا لم يكن قد تعرض للأديان فى محاضراته، والكتاب مملوء بالتعرض للأديان، والإسلام منها بالذات، فما الذى كان يقوله إذن فى تلك المحاضرات؟ على أن الدكتور طه عاد فأدلى لصحيفة "الإنفورماسيون" بما يلى: "قيل لهؤلاء البسطاء إنى أطعن فى الإسلام، فشهروا الحرب علىّ جميعا. على أنى أقول عاليا إنه ليس فى كتابى كلمة يمكن أن تُؤَوَّل ضد الدين. والعبارة التى يمكن أن أُنْتَقَد من أجلها تضع النصوص المقدسة بعيدة عن قسوة المباحث التاريخية" (السابق/ 252). وهو كلام لا ظل له من الحقيقة كما بيّنّا. وقد دعت هذه المخادعة الأستاذ الرافعى إلى تكذيبه ووصفه بعدم الحياء والعناد والمكابرة والكذب والسخرية بعقل الأمة (السابق/ 243).
والغريب أن الصحفى السورى سامى الكيالى، الذى رمى من اتهموا طه حسين فى دينه (بسبب ما ورد فى كتابه "فى الشعر الجاهلى") بالرجعية والجمود هو نفسه الذى طبع ونشر لإسماعيل أدهم بحثا بعنوان "طه حسين- دراسة وتحليل" (مطبعة مجلة "الحديث"/ حلب/ 1938م). وفى هذا البحث يمدح أدهم الدكتور طه واصفا إياه بالإلحاد والثورة على الدين، كما يشير إلى رأيه الذى يَعُدّ فيه الدين نتاجا بشريا. والغريب كذلك أن هذا البحث قد أُعِيد نشره فى عدد من أعداد مجلة "الحديث" نفسها التى كان يصدرها الكيالى، وكان ذلك فى نفس العام (عدد نيسان= إبريل)، ولكن بعد أن حُذِفت منه العبارات التى تتحدث عن إلحاد طه حسين وثورته على الدين ونظرته إليه على أنه نتاج بشرى، ووُضِع مكانها بعض النقط. إن هذا يبين حقيقة موقف ذلك الصحفى الذى لا ينبغى أن يخدعنا كلامه، وإلا فكيف يكون وصف طه حسين بالإلحاد من جانب إسماعيل أدهم جميلا، ووصفه بذلك من شيوخ الأزهر وعلماء مصر رجعية وتزمتا؟ كذلك من اللافت للنظر أن الكيالى لم يورد مما قاله طه حسين فى حق القرآن إلا جملة واحدة، ويا ليته أوردها كما هى، بل حرَّفها بما أذهب شناعتها، وزعم فوق هذا أنه إنما قالها على سبيل الاستطراد. فتأمَّل مدى الأمانة العلمية! (انظر كتابه "مع طه حسين"/ سلسلة "اقرأ"- عدد 112/ 1/ 56 وما بعدها)".

وبعد أن فرغنا من مناقشة ما قاله الرافعى فى آراء طه حسين ننتقل إلى تحليل ما قاله فيه هو نفسه. وقد ذكرنا أنه سماه: "المبشر"، وكنّاه: "أبا ألبرت" و"أبا مرجريت"، وقال إن سلطان زوجته عليه شديد. والحقيقة أن هذه الاتهامات، رغم عدم تفصيل الرافعى للقول فيها، تشير من بعيد إلى ما ذكره كاتب (سكرتير) طه حسين بعد ذلك بعشرات السنين، وهو فريد شحاتة النصرانى (أقول: "النصرانى" حتى لا يُتَّهَم مثلما اتُّهِم الرافعى وغيره بالرجعية والجمود)، إذ كتب أن طه حسين قد تعمَّد لاعتناق النصرانية عند زواجه من سوزان الفرنسية، وكان ذلك فى كنيسة إحدى القرى فى فرنسا (انظر مقال أحمد حسين "العودة لطه حسين مفخرة مصر"/ مجلة الثقافة / نوفمبر 1979م/ 4، وكذلك مقاله "لقد حُسِمت القضية وتحدد موقف طه حسين فى تاريخ مصر"/ مجلة الثقافة/ فبراير 1980م/ 8- 9).
والحقيقة أننا، جريا منا على المنهج الصارم الذى نتبعه فى كتاباتنا، لا نستطيع أن نجزم جزما بأن هذا قد حدث، إذ ليس بين أيدينا وثيقة مقطوع بصحتها تشهد على ما قاله كاتب طه حسين، الذى عاشره فى بيته وخارج بيته عشرات السنين واطَّلع عنه على ما لم يطَّلع عليه سواه، وإن كان هذا لا يمنع أن تظهر هذه الوثيقة يوما إن صحت رواية الرجل. كذلك فإن فريد شحاتة بالطبع لم يكن حاضرا طقوس التعميد الذى يشير إليه، فهو لم يكن قد عرف الدكتور طه بعد، وإن كان الحق يقتضى أن أذكر أن فريد هذا كان لصيقا بقلب طه حسين قبل أن يتركه، كما كان موضع أسراره الخطيرة لعشرات من السنين. ويمكن الرجوع فى هذا إلى الحوار الذى أجراه محمد شلبى مع الدكتور طه حسين فى كتابه "مع رواد الفكر والفن" (الهيئة العامة للكتاب/ 1982م/ الحوار كاملا، وبخاصة ص 132). ومع ذلك فهناك عدة ملاحظات لها دلالتها: فزوجة طه حسين، رغم أنها لم تترك شيئا فى حياة زوجها إلا ذكرته فى الكتاب الذى وضعته بعد وفاته عن حياتها معه، ورغم حرصها على أن تصدّ عنه هجوم من هاجموه حتى فى الأمور التى لا تمسها كقضية الشعر الجاهلى مثلا، لم تفتح فمها بكلمة واحدة تدفع بها عنه هذا الاتهام، مع أنها هى الوحيدة المتبقية (فيما أظن) ممن كانوا حاضرين هذا التعميد المشار إليه، بل هى السبب فيه (إن كان قد حدث) باعتبار أن هذا كان شرطا لزواج طه حسين منها، فما معنى عدم نفيها لما قاله واحد من أقرب المقربين إلى زوجها وأسرته؟ ترى لو كان هذا اتهاما باطلا أكانت ستسكت عليه مهما كان تديّنها وحبها لنصرانيتها ورغبتها فى أن تتكثر لدِينها من الأتباع والمتحولين إليه من الديانات الأخرى؟ بل لماذا لم تحاول أن تنفى هذه الدعوى بالباطل لو صح أنها حقيقة؟ أيمكن القول إنها خافت أن تُكَذِّبها سجلات تلك الكنيسة التى قال فريد شحاتة إن عميد الأدب العربى قد تم تعميده فيها إذا عَنّ يوما لأحد الباحثين المهتمين بهذا الموضوع أن يطَّلِع عليها أو ترى الدوائرُ المعنيّةُ فى فرنسا أن تُخْرِج هذه الوثيقة، إن كان لها وجود، وتُذِيعها على الناس عندما تُقَدِّر أنه قد حان الأوان لكشفها من أجل هذا الغرض أو ذاك؟ تلك أسئلة لا يستطيع الباحث فى الظروف الحاليّة أن يجيب عليها إجابة علمية قاطعة تَشْفِى الغليل، ولا يملك إلا أن يقول: فلْننتظر!
على أن الباحث مع ذلك لا يمكنه أن يمر مرور الكرام على الحقائق التالية: أن زوجة طه حسين لم تكن تحبه حين قبلته زوجا. وليس هذا تخمينا منا، فقد ذكرتْ هى هذا ذكرا صريحا فى أكثر من موضع من كتابها (انظر سوزان طه حسين/ معك/ دار المعارف/ 1979م/ 10، 16)، كما ذكر طه حسين قبلها ذلك بنفسه (الأيام/ 3/ دار المعارف/ 1945م/ 108 وما بعدها، 118.وانظر أيضا مقال أحمد حسين "لقد حُسِمت القضية وتحدد موقف طه حسين فى تاريخ مصر"/ مجلة الثقافة/ فبراير 1980/ 9- 10، وسامى الكيالى/ مع طه حسين/ 1/ 29) قائلا إن الذى حثها أو على الأقل شجعها على الزواج منه هو عمها القسيس الكاثوليكى (انظر "معك/ 17، وسامى الكيالى/ مع طه حسين/ 1/ 29 نقلا عن روبير لاندرى الكاتب الفرنسى). ومتى حصل هذا التشجيع من جانب العم القسيس، الذى كان طه حسين يقول عنه إنه أحب رجل إلى نفسه، ويرى فيه مثله الأعلى ودليله فى الحياة (معك/ 17)؟ فى الربع الأول من القرن العشرين حين كان المد الاستعمارى لبلاد المسلمين ولمصر فى أَوْجِه، ونظرة الأوربيين إلينا على أننا شعوب من الهمج على أشدها، وكراهيتهم لنا بوصفنا مسلمين فى قمتها. أليس غريبا أن يجهد قسيس كاثوليكى فرنسى فى العقد الثانى من القرن العشرين جهده فى إتمام زواج ابنة أخيه من شاب مسلم (أى كافر من وجهة نظره)، وترضى ابنة الأخ بهذا الشاب الذى لم يكن يتمتع بما تصبو إليه الفتيات عادةً من غِنًى أو منزلة اجتماعية عالية أو أناقة أو وسامة، ودَعْنا من أنه كان كفيفا، وكانت فرنسيته بالطبع فى ذلك الوقت مكسَّرة بحيث كان من الصعب عليه، حتى لو كان من أمهر الغَزِلين، أن يستميل قلبها بالكلام الخيالى المنمق. كذلك من المهم أن نلاحظ أنها هى نفسها كانت شديدة التمسك بنصرانيتها. أى أن افتراض لامبالاتها بكونها نصرانية وكونه مسلما ( أى كافرا من وجهة نظرها) هو افتراض غير مقبول. وثمة أمر آخر أرى أن له مغزاه، فقد ذكر طه حسين أنه حينما أتاه خطاب سوزان من قريتها فى الجنوب الفرنسى (هذا الخطاب الذى كان علامة بينهما على أنها رجعت عن موقفها فى رفضها الزواج منه لأنها لا تحبه) قد سافر وحده إلى هناك، ولم يستمع لزملائه المصريين الذين حاولوا أن يصدّوه عن الذهاب إشفاقا عليه (الأيام/ 3/ 112). يعنى أنه، حين أُعْلِنت خِطْبته على سوزان، بل أثناء أشهر ذلك الصيف كله، كان طه حسين وحده بين تلك الأسرة الفرنسية الكاثوليكية، وفيها ذلك العم القسيس الذى عضّد هذا الزواج، بل أغلب الظن أنه هو السبب فى تغيير ابنة أخيه لموقفها فى مدى شهر!
لقد حاول زملاؤه، كما مرّ، أن يصدّوه مشفقين عليه، لكنه أصرّ إصرارا على موقفه، وكان له ما أراد، فلم يحضر معه مصرى ولا مسلم هذه الخِطْبة. أليس لهذه الوقائع دلالتها الخطيرة؟ وتشير زوجة طه حسين إلى أن عمها القسيس، الذى كان متحمسا لزواجها به رغم نفورها منه، قد اصطحب خطيبها، حين زارهم فى قريتهم فى الجنوب الفرنسى، ساعتين تجولا أثناءهما فى الحقول وحدهما. بيَْدَ أنها لم تذكر لنا فيم تحدَّثا، أو ما الذى أخذه عليه العم من عهود قبل أن يعطيه ابنة أخيه. من هنا فإننا من الوجهة التاريخية الموثَّقة نجد أنفسنا كلما اقتربنا من هذه المسألة نصطدم بالصمت. فأى نوع من الصمت هذا؟ حتى الصحفى سامح كريم، الذى ينقل ما كتبه الآخرون عن طه حسين، عندما أتى إلى هذه النقطة أخذ يحوم حولها من غير أن يسميها، مكتفيا بالحديث عن فريد شحاتة ومذكراته عن عمله مع الدكتور طه وغَيْظ هذا منه ووَصْفه له بــ"هذا الشىء الذى أسمّيه: فريد شحاتة"، كل ذلك من غير أن يعرف القارئ الخالى الذهن عَلاَمَ يدور الكلام، وهو ما يجافى أمانة النقل (انظر، فى رحلة الحقول هذه، "معك"/ 17. وبالنسبة لصمت سامح كريم عن الاتهام المذكور انظر كتابه "ماذا يبقى من طه حسين؟"/ دار الشعب/ 1975م/ 124- 125).
كذلك من الملاحظات الدالة المتصلة بتكنية الرافعى لطه حسين: "أبا مرجريت" و"أبا ألبرت" أن السيدة سوزان، فيما أذكر، لم تشر فى كتابها "معك" إلى أنه كان يوجّه أولاده توجيها إسلاميا، ولا أظن من السهل الجواب على ذلك بأنها كنصرانية لا يهمها أن تشير إلى هذا، فإن هذه الملاحظة تصدق أيضا على كتاب "الأيام"، الذى كتبه هو وأفاض فيه القول عن كل شىء يتعلق به وبحياته وحياة أسرته. وبالمناسبة فالذى أعرفه هو أن "مؤنس" ابن الدكتور طه كان يسمَّى فى البيت: "كلود" لا "ألبرت".
ولعله يكون من المناسب هنا أن نشير إلى أن والدة طه حسين حين أخذ طه زوجته إلى كوم أمبو بعد عودته من فرنسا للتعرف إلى أسرته هناك، قد سألته، على حسب ما حكت لنا سوزان نفسها، أىّ نوع من النبيذ يجب شراؤه من أجلها (معك/ 31). فإذا كان هذا هو موقف والدته من أم الكبائر، وهى سيدة صعيدية عجوز غير متعلمة، وفوق ذلك طبعا مسلمة، ومتى؟ فى الربع الأول من القرن العشرين، وكل ذلك من أجل خاطر العروس الوافدة (لاحِظْ أن كل ظروف والدة طه حسين كان من شأنها أن تدفعها إلى الفزع الشديد من مجرد دخول الخمر إلى بيتها)، ألا يساعدنا هذا فى تخيل موقف طه حسين نفسه من أمر ذلك الزواج كله والضريبة التى كان عليه أن يدفعها فى مقابله، وهو الذى كان مُدَلَّها أشدَّ التدله فى سوزان، وكان فوق ذلك معجبا أقوى الإعجاب بالحضارة الأوربية وانغمر فيها فى بلادها انغمارا مطلقا؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فالمعروف أن طه حسين كان يختار سكرتيريه عادة من النصارى، فهل ينبغى أن نمر بهذه الحقيقة أيضا دون أن نلتفت إلى مغزاها؟ لقد اشتغل توفيق شحاتة كاتبا وقارئا له، ثم خلفه أخوه فريد، صاحب القصة الخاصة بتعميد طه حسين قبل زواجه من سوزان، التى لم تكن تحبه وكانت ترفض بفظاظة أن تسمع منه كلمة "الحب" أو أن يتحدث معها مجرد حديث فى موضوع الزواج إن أراد لزمالتهما وصداقتهما أن تستمر، والتى غيّرت رأيها فجأة بعد أن بصَّرها عمّها بمزايا الزواج من هذا الشاب الذى أطراه لها مؤكدا أنه سيتجاوزها باستمرار (انظر، فى هذه النقطة الأخيرة، سامى الكيالى/ مع طه حسين/ 1/ 28-29، وسوزان طه حسين/ معك/ 17). وإن الباحث ليتساءل: "يتجاوزها فى ماذا؟". ويبدو أن الفتاة الذكية قد قامت بدورها فى الإيقاع بطه حسين على خير وجه، فقد كانت، رغم ردها هذا الخشن الصادم، ترسل إليه قبل ذلك عندما عاد إلى مصر أثناء البعثة بسبب ما كانت تعانيه الجامعة من أزمة مالية، خطاباتٍ مشجعةً تبعث على الأمل وورودًا داخل هذه الخطابات مما لا يستقيم أبدا مع موقفها الرافض الشديد الجفاف والجفاء، ويجعلنا نتساءل: أو كان هذا جزءا من الخطة التى أريد بها الاستيلاءُ على الشاب استيلاءً لا يعود بعده ذلك الشخصَ الذى كان قبلا؟ (انظر "الأيام"/ 3/ 88. وكانت هذه الخطابات تنتظره فى كل مكان يذهب إليه حسبما ورد فى أكثر من موضع من هذا الكتاب، حتى فى نابولى وهو فى طريق العودة إلى فرنسا بعد انجلاء الغمة المالية فى الجامعة). وهناك غير الأخوين شحاتة سكرتيران آخران على شاكلتهما، وهما ألبير برزان (أول سكرتيريه) وسليم شحاتة، وإن كان هناك دكتور أزهرى قُدِّر له أن يشتغل مع طه حسين فترة من الوقت قال عنه د. زكريا البرى وزير الأوقاف الأسبق إنه قد لاحظ أن أسلوب حياة الدكتور طه يجرى على غير المعهود فى البيوت المسلمة (انظر مقاله: "الشيخ والأستاذ والدكتور والإمام" بجريدة "النور" فى 11 صفر 1407هـ- 15 أكتوبر 1986م).
والآن بعد أن رأينا هذه المسألة من كل جوانبها المتاحة فإننا نتساءل: هل نما إلى الرافعى فى ذلك الوقت المبكر ما أشار إليه فريدشحاتة بعد ذلك؟ لكن لماذا لم يذكر هذا صراحة، وهو الذى لم يكن هيّابا فى كتاباته؟ لقد لاحظنا أنه لم يجمجم فى تسمية الدكتور طه بــ"المبشر طه حسين" وتكنيته: "أبا مرجريت" وأبا ألبرت"، فهل بلغه ذلك الأمر أو شىء منه، لكنه لسبب أو لآخر لم يذكره؟ إن كان الجواب بالإثبات فمن الذى بلّغه إياه يا ترى؟ إن د. نجيب البهبيتى يتحدث فى كتابه "المدخل إلى دراسة التاريخ والأدب العربيَّيْن" عن أسرار أخرى تتعلق بأسرة سوزان والمهنة التى كانت تمارسها هى فى باريس...إلخ، وهى أسرار إن كانت جديدة علينا نحن الآن فلا شك أن المبعوثين المصريين فى العاصمة الفرنسية فى ذلك الوقت كانوا يعرفونها، فهل نقل إلى الرافعى واحدٌ من هؤلاء المبعوثين أو ممن لهم بهم اتصالٌ سرَّ هذا التعميد، الذى لا نستطيع مع ذلك من الوجهة التاريخية الموثَّقة أن نجزم به؟ الجواب طبعا: لا نعرف.
ومما قاله الرافعى رحمه الله فى د. طه حسين اتهامه إياه، كما رأينا، بأنه أداة أوربية استعمارية. ويتصل بهذا أنه ينقل، فى كتابه "تحت راية القرآن"، ما كتبته مجلة "الفتح" بعد شهرين من نشره لمقاله المسمَّى: "عصبية طه حسين على الإسلام"، ونَصّه: "ليقل لنا طه حسين كم يتقاضى من رجال التبشير، أو بعبارة أدق: من رجال الدول الغربية من أجرٍ على دعايته تلك لهم وعمله لصالحهم وجهاده من أجلهم، هذا الجهاد الطويل العنيف الذى لا يرهب فيه أمة بأسرها. إن ذلك الأجر لا بد أن يكون عظيما جدا كما يتحدث الناس فى أنديتهم" (تحت راية القرآن"/ 195- 196)، كما سمى فرنسا: وطن طه حسين الجديد (المرجع السابق/ 370).
والواقع أن الباحث الذى يريد أن يحقق هذا الأمر يجد نفسه أمام عدة حقائق لا يستطيع، إذا كان باحثا أمينا، أن يُغْفِلها. وهذه الحقائق، وكلها مستمدة مما كتبه طه حسين نفسه وزوجته، هى: علاقته الحميمة إلى حد مذهل بالأساتذة الأجانب فى الجامعة، حتى إنهم ليجتمعون عنده فى بيته كل أسبوع مرة، وذلك يوم الأحد (لاحظ!). ومن هؤلاء الأساتذة جريجوار وإميل برهييه وجريدور وسكايف ولالاند وسانياك (معك/ 74- 75). كما أنه هو الذى استقدم كازانوفا الفرنسى للتدريس فى الجامعة، مع أن طه حسين كان لا يزال فى أولى درجاته الجامعية فى سلك التدريس حينذاك، فمن أين له هذا الثقل الوظيفى والإدارى فى الجامعة؟ ومن الذى كان يقف وراءه؟ إن هذا الأستاذ كان هو المشرف على رسالة طه حسين فى باريس، وحين أتى إلى القاهرة كان طه حسين يزوره كل يوم (المرجع السابق/ 76، وانظر "الأيام"/ 3/ 121، وكذلك سامح كريم/ ماذا يبقى من طه حسين؟"/ 76). ومن لا يعرف هذا المستشرق نُحِيله إلى كتابه "Mahomet et La Fin du Monde" ليعرف آراءه السُّود فى الإسلام ونبيه، الذى يتهمه بتلفيق القرآن من عنده، كما يتهم الصحابة الكرام بالعبث بنصه عندما اتضح أن ما قاله الرسول عليه السلام عن قرب قيام الساعة كان محض هراء، فكان لا بد فى زعمه من زيادة بعض النصوص التى تمحو أثر هذه النبوءة الكاذبة. وقد حزن طه حسين لوفاته حزنا شديدا، وأشار إلى ذلك المرحوم الرافعى بقوله إنه حين هلك كان طه حسين هو "نادِبَته" الوحيدة فى مصر (تحت راية القرآن/ 275. كما وصفه بحق بأنه "كَذَبَنُوفا"/ 294).
ويشبه هذا ما كان من ود وتفاهم بين مرجليوث وطه حسين، حتى إن الدكتور طه، حين سافر إلى أوكسفورد لحضور مؤتمر المستشرقين هناك سنة 1928م، نزل هو وأسرته ضيفا عليه، وقامت زوجة هذا المستشرق المتطاول والحاقد على الإسلام ونبيه برعاية طفله المريض (معك/ 91). لقد عاش كاتب هذه السطور عدة سنين فى تلك المدينة التى كان يدرس فى جامعتها للحصول على درجة الدكتورية، ويعرف جيدا كراهية الأساتذة فى تلك الجامعة لكل ما هو مسلم أو إسلامى. ومرجليوث هذا بالذات من أشد المستشرقين بغضا للإسلام وكتابه ونبيه. إنه من هذه الناحية يأتى هو ولامانس البلجيكى فى المقدمة.ومن يرغب فى أن يأخذ فكرة عن هذا البغض القَتّال فليرجع فقط إلى كتابه "Muhammad and the Rise of Islam"، الذى يأخذ فيه جانب وَثَنِيِّى مكة فى كل موقف حتى فى تعذيبهم للمسلمين، كما وقف فى صف اليهود فى جميع مؤامراتهم لقتل النبى الكريم ومحاولتهم تدمير الإسلام الناشئ تدميرا نهائيا. وقد بلغ من سخطه على الرسول ودينه أنْ قد حمل على أحفاد القردة والخنازير حملة شعواء لأنهم، كما يقول، لم يحكموا أمرهم ويتخلصوا منه قبل أن يلتفت لتآمرهم عليه ويتخلص منهم أوّلاً. ولقد وصف هذا الرجل الوقح رسولنا الكريم بأنه "شيخ منسر: a robber- chief" (D. S. Margoliouth, Muhammad and the Rise of Islam, New York- London, 1905, P. 238). وكان يرى أنه ينبغى ألا نعير كلامه صلى الله عليه وسلم كبير ثقة (المرجع السابق/ 263). كما قال عن أبى عامر الراهب (هذا العميل البيزنطى الحاقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى نجاح دينه، والذى بنى له المناقون مسجدا فى أطراف المدينة بعيدا عن عيون المسلمين المخلصين ليلتقوا به فيه لحبك المؤامرات ضد الإسلام ونبيّه وأتباعه) إنه كان عنده قبل هجرة الرسول إلى يثرب ميل إلى الإصلاح الدينى، بيد أن القليل الذى خَبَرَه من محمد بعد هجرته قد أقنعه بأفضلية الوثنية (المرجع السابق/ 290- 291)، وغير ذلك ممما يعج به الكتاب من أقوال شنيعة لا تحترم حقائق التاريخ ولا تلقى بالا للقيم الإنسانية النبيلة التى أرساها محمد عليه الصلاة والسلام، وكان أول وأحسن من استمسك بها. فكيف يمكن أن تقوم مودة حميمة بين مسلم يحب دينه ويؤمن برسوله ولا يقبل أن يسىء إليه أحد وبين مثل هذا المستشرق الوغد الذى كان يكرهه عليه السلام كراهية العمى؟
وممن كانت له علاقة حميمة بالدكتور طه حسين المستشرق الفرنسى لويس ماسينيون، الذى كان يبدى اهتماما شديدا به فى أزماته التى يثيرها، والذى عَرَض عليه ذات مرة وظيفة فى الولايات المتحدة الأمريكية (معك/ 101)، وكان شديد الاحتفاء بابنه مؤنس أثناء دراسته بباريس، إذ كان يأخذه بعد خروجهما من محاضراته التى كان يَحْضُرها له مؤنس فيمشيان معا ويستعلم منه باهتمامٍ وُدِّىٍّ عن كل ما يقوم به أبوه من عمل أو يخطط للقيام به (المرجع السابق/ 253- 254). وماسينيون هذا هو أحد أعمدة الاستعمار الفرنسى فى الشرق الإسلامى العربى. وقد تحدث عن دوره هذا: الصحفى اللبنانى إسكندر الرياشى فى كتابه "رؤساء لبنان"، فليراجعه من شاء. وإننا لنسأل: ما سر هذا الاهتمام الزائد من جانب ماسينيون الاستعمارى وأمثاله بطه حسين؟ لعل ما يلقى بصيصا من الضوء على جواب هذا السؤال أن طه حسين كان يشتغل أثناء الحرب العالمية الثانية مراقبا لإذاعة فرنسا الحرة التى كانت تبث برامجها من دار الإذاعة المصرية.كما أنه قد استقبل الجنرال ديجول حين مجيئه للقاهرة فى إبريل سنة 1941م (السابق/ 129).
ولم تنس السيدة سوزان أن تتحدث عن جوانب من الصداقة الحميمة لزوجها بالمستشرق الفرنسى ريجى بلاشير أيضا. وبلاشير هذا هو الذى عبثت يده النجسة بآيات القرآن الكريم تقطيعا وتقديما وتأخيرا أثناء ترجمته لكتاب الله المجيد، وبلغت به الجرأة أن خطّأ القرآن نحويا وأسلوبيا فى مواضع غير قليلة، كما أضاف إلى سورة "النجم" الجملتين اللتين تسميان بــ"آيتى الغرانيق"، وهو ما لم يجرؤ أحد أن يفعله فى حدود علمنا جاعلاً إياهما جزءا من القرآن، وتعمد تشويه كتابنا الكريم بتفسيرات لا يمكن أن تخطر إلا فى خيال مريض يهذى، كقوله مثلا (مع كايتانى وشبرنجر) إن "جنة المأوى" التى ورد ذكرها فى سورة "النجم" هى فيلا فى ضواحى مكة، وإن "سدرة المنتهى" المذكورة فى ذات السورة هى شجرة بجوار تلك الفيلا. وبطبيعة الحال فالرجل ليس مريضا يهذى، لكنه حاقد يتعصب ضد القرآن ويحاربه بهذه الأساليب السافلة (انظر الهوامش التى خصصها ذلك المستشرق لتلك الآيات فى ترجمته للقرآن، وكذلك الفصل الذى درستُ فيه تلك الترجمة من كتابى "المستشرقون والقرآن"، وهو الفصل الثالث من الباب الأول).
ومن اهتمام المستشرقين والدوائر العلمية الغربية بطه حسين أن المستعرب الإيطالى نلينو مثلا فى مؤتمر المستشرقين الذى انعقد بإيطاليا أثناء الحكم الفاشى قد تنازل لطه حسين عن رئاسة القسم الذى كان يرأسه، وهو ما لم يحدث من قبل كما تقول السيدة سوزان (معك/ 123)، وأن الدكتوراهات الفخرية قد أُغْدِقت عليه إغداقا من الجامعات الأوربية على اختلافها (المرجع السابق/ 162، 172، 177، 180، 251مثلا). إن الصحفى السورى سامى الكيالى المعجب بطه حسين وباتجاهه الدائم نحو قبلة أوربا إعجابا أعمى يشير بفخر إلى هذا الاهتمام الزائد من جانب الجامعات الأوربية بطه حسين (مع طه حسين/ 1/ 123- 124)، مع أن هذا الاهتمام هو دليل على أن الرافعى لم يكن يلقى الكلام على عواهنه حين وصفه بأنه أداة أوربية، وإلا فما هذا الاحتفاء الغريب المريب بطه حسين من دون المفكرين والأدباء العرب الذين كانوا معاصرين له؟ أعَقُمَتْ بلاد المسلمين والعرب ومصر فلم تلد إلا طه حسين؟ إن هؤلاء المحتفين بطه حسين هم أنفسهم الذين يبغضوننا ويبغضون ديننا وأدبنا ولغتنا، وهم الذي استعمرونا وأذاقونا كأس المذلة مُتْرَعَةً ونهبوا بلادنا وقتلوا آباءنا، واقتطعوا من جسدنا وروحنا فلسطين وأعطَوْها لليهود، الذين ساعدهم طه حسين على النجاة بجلدهم عند اقتراب الألمان من العلمين، وهم الذين يُمِدّون إسرائيل بالمال والرجال والسلاح ليذبحونا. فهل يمكن أن يحتفى هؤلاء بأى واحد منا لو رَأَوْا أنه نافع لأمته؟ إن لدينا، والحمد لله، عقولا تفكر!
ومن مظاهر اهتمام المستشرقين بطه حسين كذلك أن بعضهم، حينما أُبْعِد الرجل عن الجامعة، قد أعلنوا أسفهم الشديد وهاجموا المسؤولين عن ذلك وعدّوه من المناضلين عن حرية الفكر. وأعلن برجشتراسر، وكان أيامها أستاذا بالجامعة المصرية، أنه لن يعود إلى الجامعة إلا إذا عاد إليها طه حسين (معك/ 109- 110). وهذا كله مع أن مئات الأساتذة الجامعيين المسلمين يُفْصَلون ويُسْجَنون ويُقَتَّلون فى أنحاء العالم المختلفة، ولم نسمع من أحد من هؤلاء المستشرقين ولو كلمة مجاملة من باب ذر الرماد فى العيون. وبالمناسبة فقد نابنى من الحُبّ جانبٌ بسبب الكتاب الذى أنقل منه هذا الفصل (أو إذا آثرنا الصراحة: بسبب طه حسين وما اقتحمتُه فى ذلك الكتاب من محرّمات وأقداس لا ينبغى أن يقترب منها أحد، وإلا تم التنكيل به حتى يكون عبرة لغيره)، فأوذيت أذى شديدا لم أُوذَه فى حياتى العلمية والوظيفية، ولم يكلِّف أحد من المتباكين على الحرية الفكرية عَيْنَه أن تذرف ولو دمعة واحدة من دموع التماسيح على سبيل التجمُّل، فضلا عن أن يثير الأمرَ فى وسائل الإعلام المحلية، بَلْه العالمية. وكان ذلك قبل مسألة د. نصر أبو زيد بقليل، الذى أخذت وكالات الأنباء فى كل أرجاء الدنيا تطيّر أخباره وتغطى الاحتجاجات التى كانت تظاهره من كل صَوْبٍ وحَدَب، وكأننا بصدد حرب كونية ثالثة! وأحب رغم ذلك ألا يفهمنى أحدٌ خطأً فيتوهم أنى مع اضطهاد الفكر، ولكنى فقط أتساءل عن سر هذا الاهتمام الغريب من قِبَل الدوائر العالمية المعادية للإسلام بطه حسين وأمثاله وقَصْره عليهم، وعليهم وحدهم! ومن المضحك الذى ينبغى إيراده هنا، وشر البلية ما يضحك كما يقول المثل المشهور، أن يبلغ التحمس لطه حسين عند أحد القساوسة المصريين، وهو كمال ثابت قلته (فى رسالته للماجستير عن الدكتور طه)، أن يهاجم، وهو رجل الدين النصرانى، شيوخ الأزهر ويتهمهم بالرجعية واصمًا إياهم بأنهم لم يفهموا الإسلام كما فهمه طه حسين. فالحمد لله الذى جعل هذا القس يفهم الإسلام خيرا من مشايخنا ويقوم فوق ذلك بدور القاضى بينهم وبين الأزهرى السابق الشيخ طه، ويصدر فى النهاية هذا الحكم المهذب العادل (انظر كتابه "طه حسين وأثر الثقافة الفرنسة فى أدبه"/ دار المعارف/ 90- 92).
فإذا عدنا إلى الرافعى واتهامه لطه حسين وجدنا من الصعب أن نرميه بالتجنى وإرسال القول على عواهنه. ومن المؤكد أنه، رحمة الله عليه، كان يعرف عن طبيعة علاقات طه حسين بالمستشرقين ورجال الدين والسياسة الغربيين الشىء الكثير بحكم المعاصرة، وبحكم اهتمامه كأديب ومفكر بقضايا الأدب والتاريخ العربى والإسلامى، وبحكم انغماسه التام فى الحياة الثقافية واتصاله بأقطاب الفكر والأدب والنهضة الإسلامية، وبحكم وجود الاستعمار البريطانى الدنس على أرض المحروسة مما يشجع من لهم علاقة بدوائر الغرب العلمية والسياسية على عدم الاستتار بهذه العلاقات، بالضبط كما هو حادث الآن فى الظروف السُّود التى يمر بها الوطن العربى بل أمة محمد على بكرة أبيها. ويمكن، لمن يريد التعرف إلى بعض العلاقات التى كانت لطه حسين بهذه الدوائر، الرجوع إلى الصفحات التالية: 162، 173- 174، 178، 190، 195، 197، 199، 202، 204، 266...إلخ من كتاب "معك" الذى وضعته زوجته عنه بعد وفاته والذى كان مرجعا أساسيا من مراجعنا فى هذا الفصل. ودعنا من رحلته التى قام بها إلى فلسطين وزار فيها الجامعة العبرية سنة 1927م، تلك الجامعة التى بذل طه حسين جهوده (المشكورة والمقدورة) حتى نجح فى تذليل الاعتراض الذى أبداه رجال البعثات فى مصر على ذهاب أحد الطلاب إليها (المرجع السابق/ 83، 186). وكذلك دعنا من إشرافه على مجلة "الكاتب المصرى" اليهودية، التى قرأت ذات مرة أن المشرف المالى عليها كان أبا إيبان الذى أصبح فيما بعد وزيرا لخارجية إسرائيل، وكذلك تسهيله لأصدقائه من اليهود الخروج من مصر عند اقتراب الألمان من العلمين (السابق/ 140). ولعل من الطريف أن نشير هنا إلى ما ذكرته السيدة زوجته فى هذا الكتاب من أن أم وأخت أحد الشبان الإخوانيين، وكان قد حُكِم عليه ضمن آخرين مثله بالإعدام أيام الرئيس عبد الناصر لارتكابهم جرائم قتل (!) كما تقول، ألحتا على الدكتور طه أن يتدخل لإنقاذ الشاب. ولكنه لم يفعل بطبيعة الحال، ربما لأنه لم يكن يهوديا. ومع ذلك فهذه القصة غير مقنعة، إذ لا أظن أن سمعة طه حسين بين الإخوان وأسرهم كانت تشجع المرأتين على أن ترجوا تحقيق مثل هذا الطلب على يديه، وهو الذى هاجمهم أشد هجوم فى بعض ما كتب فى تلك الفترة.علاوة على أننى لا أعرف أن الإخوان قد ارتكبوا جرائم قتل فى عهد عبد الناصر أو حتى اغتيالات سياسية. وفى النهاية فإنى لا أعرف لماذا لم تذكر السيدة الكاتبة اسم الشاب. أغلب الظن أن مثل هذا الشاب وأمه وأخته ليس لهم وجود! والله أعلم.
((ملحوظة: هذا المقال مأخوذ من الفصل الثالث من كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" الصادر فى عام 1987م بالقاهرة))

الرافعى وطه حسين وحرية الفكر (3)
د.إبراهيم عوض
والآن وبعد الانتهاء من مناقشة رأى الرافعى فى طه حسين ننتقل إلى قضية "حرية الفكر". وقد سبق أن رأينا الرافعى رحمه الله يعلن أنه لا يشاحّ فى حرية الفكر، ولكن المشاحّة فى حرية الجهل والكفر. ومن هنا وجدناه يدعو إلى إبعاد طه حسين عن الجامعة وحماية النشء من أفكاره (تحت راية القرآن/ 188، 306، 314)، وبهاجم القانون الخاص بعدم عزل أى أستاذ جامعى، ويرى أن المقصود به حماية طه حسين بالذات (المرجع السابق/ 113- 114). وبادئ ذى بدء أعلن أنى مع حرية الفكر، أى أننى لست من أنصار محاكمة الناس ومعاقبتهم على عقائدهم المخالفة لما نؤمن به. فما دمت لا أقبل من أحد أن يتدخل بينى وبين ضميرى فيجبرنى على تغيير معتقدى، فكذلك لا أقبل بل لا أفكر مجرد تفكير أن أَقْسِر أحدا على تغيير ما يعتنقه أو أطالب بمعاقبته على ما يؤمن به. بيد أن هذا شىء، والسكوت على ما نعتقد مخلصين أنه خطأٌ شىءٌ آخر، على أن يكون الرد على الكلام بكلام مثله. ومن ثم فإنى أقدِّر الجهود المخلصة التى بذلها العلماء والنقاد الذين ردوا على آراء طه حسين وبيَّنوا ما فيها من تهافت وعُوَار، ولا أجد أية غضاضة فى تناولهم لموقفه من الدين وحكمهم عليه الحكم الذى يرتضيه المنطق استنادا لنصّ ما قاله الدكتور نفسه دون تعسف أو لَىٍّ للكَلِم عن مواضعه. ومن المؤكد أن القراء الأعزاء قد لاحظوا كيف أنى كنت حريصا على التثبت مما قاله طه حسين، مع اعتمادى فى ذلك على ما كتبه هو أو مُنَاصِروه لا غير، علاوة على أننى كنت دائما ما أستبعد أى دليل يحتمل أكثر من معنى بحيث يمكن تفسيره لصالحه مهما كان فى ذلك من تعسف. ولكنى، برغم تقديرى لهذه الجهود واطمئنانى إلى أن هؤلاء العلماء لم يظلموه فى الحكم الذى أصدروه عليه، لا أقر مطالبة البعض بمحاكمته ولا المحاكمة نفسها. إن طه حسين أديب وكاتب، وإذن فينبغى أن يقتصر التصدى له على أمثاله من الكتّاب ورجال الفكر والأدباء، وفكرةٌ تقرع فكرةً فى حوارٍ طبيعىٍّ حرّ، أما النيابة العامة فما دخلها هنا؟ اللهم إلا إذا ثبت أن هناك تآمرا وخيانة بطبيعة الحال، أو كانت هناك إهانة للدين أو للرسول عليه السلام مثلا، فهذا شىء آخر. وحتى يكون كلامى واضحا أُحِبّ أن أسأل من يخالفنى فى هذا الرأى عن موقفه لو أن الحكومة فى دولةٍ غير مسلمة حَجَرَتْ على كاتبٍ مسلمٍ من رعاياها أن يصرّح بما يخالف عقيدة تلك الدولة أو عاقبت أحدا من مواطنيها لخروجه عن دين أمته ودخوله فى الإسلام. ولعل من المفيد هنا أن نُومِئ مثلا إلى أن السلطات الآن فى فرنسا تأخذ حتى خطباء المساجد بما يقولونه مما هو موجود فى القرآن رغم اقتصارهم فى ذلك على الكلام، وإلى المسلمين وحدهم، وفى داخل المسجد أثناء شعيرة الجمعة، كما حدث مع الخطيب الذى أشار إلى أن ضرب المرأة قد يكون علاجا فى بعض الحالات مع بعض الزوجات مثلما يكون الدواء المرّ شفاء من بعض الأدواء، وذلك إذا تمادت الزوجة فى نشوزها وتمردها وفشلت معها كل الحلول ولم يبق إلا هذا العلاج أو الطلاق، مع ما هو معروف طبعا من كراهية الإسلام للضرب حسبما بيّن الرسول، وبالطريقة الرمزية التى هدّد بها عليه السلام مجرد تهديدٍ ذات مرة. وهذا يعنى أن المسلمين فى فرنسا ليست لهم الحرية الدينية التى يزعم العلمانيون أنهم يرتعون فى بحبوحتها فى الغرب حتى ولا فى نطاق ما يسمى بــ "الأحوال الشخصية". بل إن السلطات الفرنسية، كما هو معروف لكل إنسان، تجبر التلميذات والطالبات والمدرسات المسلمات على تعرية شعورهن داخل المدارس والمعاهد رغم أن هذا مما يدخل فى صميم أخلاق الإسلام وآدابه ولا علاقة له البتة بحقوق الآخرين، إلى جانب أنه ممنوع على المسلمين فى الغرب أن يعلنوا عن دخول وقت الصلاة بأى صوت يمكن سماعه من الشارع مما يجعل من الأذان فى الواقع عملية لا معنى لها، على عكس ضرب الكنائس للنواقيس جهارا ولمدة غير قصيرة كما كنت ألاحظ فى المنطقة التى سكنت فيها أول وصولى لأوكسفورد فى سبعينات القرن الماضى. على أية حال لقد كان الناس فى المدينة على عهد الرسول، عليه الصلاة والسلام، يتمتعون بحرية القول إلى حد قد يصعب على كثير منا الآن تصوره. ألم يحدثنا القرآن أن من بين أهل الكتاب طائفةً كانت تتواصى بإعلان الإسلام فى أول النهار ثم الارتداد إلى الكفر فى آخره (آل عمران/ 72- 74)؟ فهل سمع أحد أن رسول الله، عليه صلوات الله وسلامه، قد أكره أحدا من هؤلاء على الرجوع إلى الإسلام أو عَاقَبَه؟ والمنافقون، أليس معروفا لكل إنسان أنهم كانوا لا يكفّون عن انتقاد الرسول والمسلمين واستعمال كلام جارح فى حقهم أحيانا؟ أولم ينزل القرآن معلنا أن هؤلاء النفر أو أولئك منهم قد كفروا بالله من بعد إيمان (التوبة/ 49، 55، 66، 74، 80، 84- 85، 95- 97، 108، 110)؟ هل قرأ أحدٌ أن نبىّ البِرّ قد فكر مجرد تفكير فى معاقبتهم؟ الملاحظ أن القرآن فى موضعين من المواضع التى تتحدث عمن يدخل الإسلام ثم يعود فيكفر به قد بيّن بأجلى بيان أن الإيمان بالله هو فضل منه سبحانه يؤتيه من يشاء (آل عمران/ 72- 74، والمائدة/ 54). ومعنى هذا أن الذى يخرج من الإسلام إنما يحرم نفسه من فضل وخير كثير، فهل نكون نحن أرفق به وأحرص على مصيره منه هو نفسه؟
أقول هذا وأمامى مثلان: الأول الشيخ محمد أحمد عرفة وكيل كلية الشريعة فى ذلك الحين، فقد أعلن فى مقدمة كتابه الذى نقض به مطاعن طه حسين فى القرآن أنه سيجادله بالمنطق ولن يلجأ إلى القول بأن هذا القرآن مقدس لا يليق أن يطعن فيه هذا الطعن (انظر كتابه "نقض مطاعن فى القرآن الكريم"/ ط2/ مكتبة الزهراء/ 1986م/ 12). بل إنه رأى أن فصل الدكتور طه من الجامعة (يقصد فصله فى عهد صدقى سنة 1932م بسبب ما كان قد قاله فى القرآن قبل ذلك) قد يفسره الناس على أنه عجز من أولى الأمر عن أن يهدموا رأيه بالحجة، فلذلك عمدوا إلى القوة، التى هى فى رأيه غير نافعة فى هدم رأى أو إدحاض مذهب (المرجع السابق/ 9)، وإن كان هناك مجال للخلاف مع الشيخ رغم ذلك فى تحرجه من أن يسمّى ما فيه مخالفةٌ للدين وكفرٌ به باسمه (السابق/ 12) ما دام الإنسان لا يأخذ بالشبهة ولا يحجّر واسعا بل يقتصر فى ذلك على ما لا يحتمل تأويلا بحيث لا يمكن أن يعنى إلا الكفر. ومع ذلك فإن الشيخ، عليه رحمة الله، لم يتمالك قلمه أن يُفْلِت منه اتهام للمطاعن التى وُجِّهت إلى القرآن بأنها إلحاد يلبس لَبُوس العلم (السابق/ 43).
وبمناسبة هذا الكلام أحب أن أشير إلى أن د. طه حسين لم يتحرج أن يحكم على عقائد من تناولهم بالدرس من الأدباء والشعراء، فتعرَّض على سبيل المثال لما قيل عن زندقة أبى العلاء المعرى وقال إنه كان مضطربا فى الإيمان بالبعث، بل كان أقرب إلى إنكاره منه إلى إثباته، وإنه هجا الأنبياء والناس جميعا وكان يشك فى النبوات، ولا يؤمن بالملائكة والجن بل يسخر منهما، كما كان لا يطمئن إلى الحج وينكره بالنسبة للنساء. أى أنه باختضار كان يؤمن ببعض الكِتَاب ويكفر ببعض (تجديد ذكرى أبى العلاء/ ط 5/ دار المعارف/ 1377هـ- 1958م/ 288- 297، ومع أبى العلاء فى سجنه/ دار المعارف/ 1963م/ 33- 36، 46، 148- 150،168- 169، 192- 193). وبالمثل شكك فى إسلام ابن المقفع وقال إنه لم يكن صحيحا ولا خالصا لوجه الله (من حديث الشعر والنثر/ ط 9/ دار المعارف/ 46)، وأكد أن المتنبى فى قصيدته الدالية قد أثم من وجوه: فهو يذكر حلاوة التوحيد فى لهجة الساخر المستهزئ، ويشبِّه نفسه بالمسيح وصالح عليهما السلام، ويتجاوز ذلك إلى الجهر بالقرمطية الصريحة التى تجحد الصلوات الخمس وتستحلّ دم الحُجّاج فى الحَرَم (مع المتنبى/ ط10/ دار المعارف/ 97- 100). كما تحدث بحرية كبيرة عن شذوذ أبى نُوَاس وأكد أنه فى بعض شعره يائس من البعث والنشور لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا، ولا يصحّ عنده من أمر الدين شىء، بل لا يصحّ عنده من عاقبة الحياة إلا الموت والقبر (خصام ونقد/ ط11/ دار العلم للملايين/ 1982م/ 249- 253، 258)...وهكذا. وطه حسين فى ذلك كله لم يحاول أن يتثبت كما فعلت أنا معه مثلا هنا، وكما فعلت فى اثنتين من دراساتى عن المتنبى خصّصتُ فى كلتيهما عشرات الصفحات لتقليب أشعاره وما قاله السابقون فيه حتى وصلتُ إلى أنه لم يخرج على الإسلام، وإن كان قد أساء الأدب لسفاهة فيه لا غير. ونفس الشىء فعلته عند بحثى هذه النقطة عند بشار وابن المقفع، إذ لم آخذ بكلام الآخرين فيهما كما هو، بل عرضتُه على محك النقد والتمحيص إلى أن اطمأننت إلى أنهما لم يكونا زنديقين خلافا لما شاع عنهما وردَّده طه حسين على السماع دون أن يتعب نفسه فى دراسته دراسةً مستقصية.
أما المثل الثانى فهو الشيخ عبد المتعال الصعيدى، أحد الذين ردوا على آراء طه حسين العاجزة المتداعية، وله مع ذلك فى الدفاع عن حرية الاعتقاد والتفكير وتوضيح الموقف العظيم للإسلام منها عدة دراسات قيمة (هى "الحرية الدينية فى الإسلام"، و"حرية الفكر فى الإسلام"، و"مع زعيم الأدب العربى فى القرن العشرين"، وفصل بعنوان "الإسلام وحرية البحث" من كتابه "دراسات إسلامية") بيَّن فيها أن الإكراه فى الدين لا يؤدى إلى شىء وأنه ليس من الإسلام. وهو كلام متزن حكيم.
وعندنا الدكتور طه مثلا: هل نجحت محاكمته أو حتى فصله من الجامعة بعد ذلك فى تغيير آرائه؟ لقد أعلن أنه مسلم يؤمن بالله وملائكته ورسله وكتبه واليوم الآخر، ثم وجدناه بعد ذلك يعلن أن الدين اختراع بشرى، وأن الجماعة باعتقادها فى الألوهية إنما تعبد نفسها...إلخ. كما رأيناه أيضا يكتب "مستقبل الثقافة فى مصر" فيسلخ مصرنا العزيزة عن الشرق العربى والإسلامى جملةً ويلحقها بأوربا...وهكذا. ولعله من المفيد فى هذا السياق الإشارة إلى أنى لم أذكر هنا ما نُسِب إليه من آراء عن المكى والمدنى فى القرآن وعن فواتح السور قال بعض من هاجموه إنه أملاها على الطلبة فى الجامعة سنة 1927م، وهى آراء لا تقل خطرا عما ورد فى كتابه "فى الشعر الجاهلى". وسبب إغفالى لها أن طه حسين قد أنكر أن يكون قد فعل شيئا أكثر من عرضه لآراء المستشرقين فى هذا الموضوع لا رأيه هو. ولما كانت هذه الآراء غير مثبتة فى كتاب من كتبه فقد سكتُّ عنها على أساس أنه لا يوجد دليل موثَّق على أنها له، وإن كنت لا أستبعد صدورها منه، وبخاصة أن إسماعيل أدهم، الذى كان معجبا أشد الإعجاب به وكتب عنه بحثا يمدحه فيه ، قد أسند هذا الكلام إليه بناءً على ما رجع له من المذكرات التى أملاها طه حسين على طلبته (انظر فى ذلك محمد أحمد عرفة/ نقض مطاعن فى القرآن الكريم/ 4- 8، 12- 15، وطه حسين/ حديث المساء/ دار العرب للبستانى/ القاهرة/ 4- 6، وإسماعيل أدهم/ طه حسين- درس وتحليل/ مطبعة مجلة الحديث/ حلب/ 1938م). وفى المقابل نجد الأستاذ العقاد، وهو الوفدى الوحيد الذى دافع عن طه حسين فى البرلمان وخارجه، يعود فيردّ على نظرية الشك فى الشعر الجاهلى ردًّا مفحما (انظر د. نعمات أحمد فؤاد/ قمم أدبية/ عالم الكتب/ 1966م/ 148، وطه حسين/ حديث المساء/ 8، 12، وسامى الكيالى/ مع طه حسين/ 2/ 87). ومع أن أحدا لم يحاكم العقاد على آرائه الجريئة فى الدين فى أول حياته الفكرية مما أورده فتحى رضوان فى كتابه "عصر ورجال" (مكتبة الأنجلو المصرية/ 1967م/ 229- 230) ولا أذكر أنا أنى قرأت شيئا منه على كثرة ما طالعته له، فإنه قد أنتج بعد هذا كُتُبًا عِدّة فى سيرة النبى عليه الصلاة والسلام وكبار الصحابة ومحاسن الإسلام تخاطب العقل قل أن يوجد لها نظير فى قوة البرهان وصلابته ورصانة الأسلوب وحلاوته. ومثله فى ذلك الدكتور محمد حسين هيكل، الذى رجع عن موقفه الأول من الإسلام وأصدر كتابا فى السيرة النبوية من أجمل ما كُتِب عنها، بالإضافة إلى كُتُبه عن أبى بكر وعمر والحكومة الإسلامية وغيرها. كل ذلك من غير ضغط ولا قَسْر. إن الإسلام لن يَكْسِب بإكراه أحدٍ خرج منه على العودة إليه، فالإكراه إن صحَّ مع الجماد لا يصحّ فى الحب والكره ولا فى العقائد والآراء، وهو لا يصنع مسلما بل يزيد المنافقين الذين يعملون على تقويض الإسلام من داخله واحدا. ولَخَيْرٌ لنا نحن المسلمين أن نعرف الملحدين والكفرة بأعيانهم من أن ننخدع فى إعلانهم الإسلام تقيةً ونفاقا. والإسلام طاهر نظيف، ولا يقبل فى صفوفه إلا الطاهرين الأنقياء. ولقد صودر كتاب "فى الشعر الجاهلى" حسبما هو معروف، فهل اختفت الآراء التى وردت فيه؟ أليس من الطريف أن كتاب الرافعى رحمه الله، وكذلك كتب العلماء الآخرين الذين نقضوا الآراء الواردة فى كتاب طه حسين، قد تكفلت ولا تزال بنشر هذه الآراء بنَصّها كما وردت فى الكتاب المصادَر؟ أى أنك قد تطرد الفكرة من الباب وتلتفت فإذا بها قد عادت من الشباك! على أن هذا لا يعنى إفساح المجال للتطاول على الدين أو القرآن أو الرسول عليه الصلاة والسلام مثلا، فهذا لا يدخل فى حرية الفكر والمعتقد، بل ينبغى أن يُؤَاخَذ مُجْتَرِحُه بكل قوة وصرامة. أرجو بذلك أن أكون قد وضعت قضية حرية الفكر، على الأقل فى خطوطها العامة، داخل الإطار الصحيح، وإن كنتُ قد أشرتُ قبلا إلى أن ما سأقوله هنا هو مجرد رأى يقبل الخطأ أو الصواب، فما كلامى فى نهاية المطاف إلا اجتهاد بشرى رغم اقتناعى القوى به.
بيد أن هذا ليس إلا جانبا واحدا من الأمر، أما الجانب الثانى فهو أن الحرية الفكرية يجب أن تكون شاملة ينعم بها كل الأطراف لا أن تقتصر على طرَف دون الآخر. مثلا ما معنى النَّصّ فى عقد انضمام الجامعة القديمة إلى الجامعة الجديدة التى كانت الحكومة تُزْمِع إنشاءها على أن يكون طه حسين دون الأساتذة الآخرين أستاذا فى هذه الجامعة الجديدة؟ كان ذلك فى سنة 1923م، ولما ضُمَّت الجامعة المصرية إلى وزارة المعارف سنة 1925م فى عهد حكومة الأحرار الدستوريين، الذين وقف طه حسين قلمه على الدعاية لهم، انضم معها طه حسين آليا، فما دلالة ذلك؟ وما مغزاه؟ ولم كل هذا التحويط على طه حسين بالذات؟ لقد علل أحمد لطفى السيد هذا الشرط بسفسطته المعروفة بأنه راجع لحالة الدكتور طه حسين الشخصية. وهو تعليل متهافت يستتر خلف هذا الاعتبار الإنسانى الذى لا ندرى لماذا لم يطبَّق على غير طه حسين فى جميع المصالح الحكومية فى أنحاء القطر كله. أم إن على رأس طه حسين ريشة؟ (انظر أحمد لطفى السيد/ قصة حياتى/ كتاب الهلال/ مايو 1982م/ 175، 179، وكذلك د. حسين فوزى النجار/ أحمد لطفى السيد أستاذ الجيل/ أعلام العرب/ عدد 39/ 271، 278، ود. نعمات أحمد فؤاد/ قمم أدبية/ 34، ومحمد سعيد العريان/ حياة الرافعى/ ط 3/ مطبعة الاستقامة/ 1955م/ 154). و"أستاذ الجيل" هذا الذى كان يدافع دائما عن طه حسين ومواقفه منذ صغره كان يتمتع بصفاقة فكرية غريبة، إذ كان مثلا يحرض المصريين على عدم مساعدة إخوانهم الليبيين أثناء العدوان الإيطالى عليهم، على حين كان ينظم عقود المديح الولهان فى كرومر الطاغية الإنجليزى الوقح الذى أساء إلى المسلمين ودينهم إساءات بشعة لا تغتفر فى كتابه "Modern Egypt" (Macmillan and Co., London, V. II, PP. 123- 200)، وأقام له حفل توديع لتكريمه والتعبير عن الشعور بالمنة لما فعله بالمصريين، وذلك عند مغادرته أرض المحروسة (فى ستين داهية تأخذه وتأخذ أسلافه وكل ذليل بائس خوّان) بتأثير من حملات مصطفى كامل الزعيم الوطنى الشريف الشجاع التى فضحت فى أرجاء أوربا والشرق غطرسته وجبروته وتنكيله الإجرامى الوحشى المعروف بأهل دنشواى (انظر، فى مواقف لطفى السيد هذه، كتابه "قصة حياتى"/ 49- 70، وكلامه عن كرومر والإنجليز فى مواضع متفرقة من الجزء الأول من كتابه "المنتخبات"، ود. حسين فوزى النجار/ أحمد لطفى السيد أستاذ الجيل/ 125- 149، ود. محمد حسين هيكل/ مذكرات فى السياسة المصرية/ مطبعة مصر/ 1951م/ 1/ 49- 50، ود. محمد محمد حسين/ الاتجاهات الوطنية فى الأدب العربى المعاصر/ ط 3/ مكتبة الآداب/ 1382هــ/ 1/ 78، 82، 85- 86، 88- 90. وبالنسبة لما قاله هذا الرجل الجامد الوجه فى العِلْج كرومر عند توديعه يمكن الرجوع إلى عدد 30 إبريل 1907م من "الجريدة"). لقد لفت هذا الأمر المرحوم مصطفى صادق الرافعى وأثار ارتيابه فقال: "كنا والله نرتاب فى أن الجامعة المصرية مدرسة إلحاد، وأن طه حسين ما أُخِذ لها دون سواه ممن كانوا فى الجامعة القديمة إلا لهذه العلة فيه لأنه أقوم بها وأقدر عليها" (تحت راية القرآن/ 112، 257). وكان رأيه أن الجامعة حينما فكرت فى إصدار قانون بمنع أساتذتها من الفصل كان الهدف من ذلك حماية طه حسين بالذات (المرجع السابق/ 114/ هــ1).
ويتعلق بهذا أن طه حسين، حين أصدر كتابه "فى الشعر الجاهلى"، قدّمه بهذه الكلمات لرئيس الوزارة فى ذلك الحين عبد الخالق ثروت: "إلى حضرة صاحب الدولة عبدالخالق ثروت باشا: سيِّدى صاحب الدولة، كنتُ قبل اليوم أكتب فى السياسة، وكنت أجد فى ذكرك والإشادة بك راحة نفس تحب الحق، ورضا ضمير يحب الوفاء. وقد انصرفتُ عن السياسة وفرغتُ للجامعة، وإذا أنا أراك فى مجلسها كما كنت أراك مِنْ قَبْلُ قوىّ الروح، ذكىّ القلب، بعيد النظر، موفَّقا فى تأييد المصالح العلمية توفيقَك فى المصالح السياسية. فهل تأذن لى فى أن أقدم إليك هذا الكتاب مع التحية الخالصة والإجلال العظيم؟". إن الكتاب كتاب فى النقد الأبى، فما دخل رئيس الوزراء فيه؟ ومنذ متى كانت كتب النقد الأدبى تُقَدَّم لرؤساء الحكومات؟ ولاحظ قوله: "سيدى"، ثم عبارات الغزل الوَلْهَى فى قوة روح ثروت باشا، وذكاء قلب ثروت باشا، وبُعْد نظر ثروت باشا (وبوجه خاص "بُعْد نظره"!). وهذه الإشارة إلى تأييده للمصالح العلمية، ألا يشم فيها القارئ رائحة معينة؟ ترى بالله لماذا كل هذا التمحك فى رئيس الحكومة فى مقدمة هذا الكتاب بالذات؟ أهذا صنيع من يؤمن بحرية الفكر أم صنيع من يؤمنون بحرية فكرهم هم وحدهم، ويحتمون بأصحاب السلطان حتى يقفوا بالمرصاد لمن يردون عليهم ويوقفونهم عند حدهم؟ لقد كنت أحب من الدكتور طه أن يدع كتابه يأخذ مجراه فى الهواء الطلق خارج هذه "الصُّوبَة" الثروتية. ولقد رآنى القارئ أدافع عن حرية الفكر، لكن حرية الفكر ينبغى، كما قلت، أن تتمتع بها كل الأطراف، أما الاستتار خلف السلطان فانتهاك لهذه الحرية وخيانة لها. وأنا إذن مع الرافعى فى تأكيده أن الحق لا يبحث عمن يحميه لأنه قوى بذاته (السابق/ 308- 309)، لكنى لست معه فى الدعوة إلى فصل طه حسين من الجامعة. إلا أن الإنصاف يقتضينا أن نوضح أن سبب ثورته العارمة هو رؤيته أَيْدِيًا خفية تسند طه حسين وحده وآراءه.
كذلك فإن حرية الفكر، لو أن المسؤولين بالجامعة الذين كانوا يتشدقون بها وقتذاك صادقون، كانت تستلزم تمثيل كل التيارات الفكرية جميعها بنسبتها الحقيقية فى محاضراتها. أما أن يُسْتَجْلَب للجامعة المستشرقون أعداء ديننا ووطنيتنا وقوميتنا ويُحْرَم من التدريس فيها أمثال الرافعى فليس من الحرية الفكرية فى شىء. ترى هل كان الرافعى يعجز عن تدريس الأدب العربى وتاريخه، وهو الذى وضع كتابا فى هذا الموضوع أكثر من ممتاز بالنسبة للعصر الذى أُلِّف فيه، وقرّظه كل من أحمد لطفى السيد وطه حسين بما هو أهله؟ (انظر محمد سعيد العريان/ حياة الرافعى/ 67- 70 حيث يذكر آراء بعض المشاهير والكتّاب فى ذلك الكتاب الرائد حين ظهوره والجهد الذى بذله الرافعى فى تأليفه وكيف كان هذا الكتاب سببا فى إدخال هذه المادة فى منهج الجامعة). وإذا كان الشىء بالشىء يُذْكَر فلا بد من القول بأن الدكتور طه لم يكن متخصصا فى الأدب العربى بل فى التاريخ الإغريقى واللاتينى! مرة أخرى لماذا لم تُعْطَ الفرصة لممثلى التيارات الفكرية والأدبية بنسبتهم الصحيحة فى الحياة الثقافية المصرية، مع ترك عوامل التطور تأخذ مجراها الطبيعى عن طريق الاحتكاك بين هذه التيارات المختلفة فى المحاضرات والكتب والندوات؟
وهل من حرية الفكر أن يرفض المسؤولون بالجامعة المناظَرة التى دعا الرافعى إلى عقدها بينه وبين طه حسين؟ إن المؤمنين الحقيقيين بحرية الفكر يحرصون أشد الحرص على احتكاك العقول والآراء حتى يتمحص الحق من الباطل، أما رفض مثل هذا الاحتكاك فقد يكون أى شىء غير حرية الفكر والرغبة فى الوصول للحقيقة (انظر، فى خبر هذه المناظرة المقترحة، كتاب الرافعى:"تحت راية القرآن"/ 116، 122). ليس ذلك فحسب، بل يذكر الرافعى أيضا أن الأستاذ الخضرى بك "كان قد أعدّ محاضرة مسهبة فى الرد على طه حسين وكتب إلى الجامعة يستأذنها فى إلقائها، فوسّعت له وقالت إنها تقدّس الحرية، وإنها تخصه بأوسع غرفة لمحاضرة الطلبة، بيد أنها سألته أن يبعث إليها بما كتب. فلما اطَّلَعَتْ عليه رأت أن تستر على نفسها وأغلقت الأبواب وقالت لأقفالها: دافعى أيتها الأقفال المتينة!" (المرجع السابق/ 312). والغريب أن تكون علة هذا التراجع المؤسف هى الادعاء "بأن الكِتَاب لم يُلْقَ على الطلبة حتى يُرَدّ عليه فى نفس الجامعة" (السابق/ 385، 388، والكلام للأستاذ القاياتى فى البرلمان).
كذلك هل من حرية الفكر أن يضيق صدر طه حسين بمناقشة أحد طلبته له فينهره ويُسْكِته، ثم يترك المحاضرة ويخرج، مع أنه هو الذى أذن له بالكلام، ومع أن الطالب لم يخرج على ما يجب عليه نحو أستاذه من احترام؟ لكنْ من الواضح أنه كان يتوقع من هذا الطالب (الذى لم يكن شخصا آخر سوى محمود شاكر) ان يقوم فيُثْنى على آرائه وعلى ما كان الدكتور طه يسميه "نظريته" فى الشعر الجاهلى رغم أنها كلها تقريبا مسروقة من مرجليوث كما وضحنا فى موضع آخر من هذه الدراسة تفصيلا. ولنترك محمود شاكر يروى لنا القصة بقلمه: "بعد المحاضرة طلبتُ من الدكتور طه أن يأذن لى فى الحديث، فأذن لى مبتهجا، أو هكذا ظننت. وبدأت حديثى عن هذا الأسلوب الذى سماه: "منهجا" وعن تطبيقه لهذا المنهج فى محاضراته، وعن هذا "الشك" الذى اصطنعه: ما هو؟ وكيف هو؟ وبدأت أدلل على أن الذى يقوله عن "المنهج" وعن "الشك" غامض، وأنه مخالف لما قاله ديكارت، وأن تطبيق منهجه هذا قائم على التسليم تسليمًا لم يداخله الشك بروايات فى الكتب هى فى ذاتها محفوفة بالشك! وفوجئ طلبة قسم اللغة العربية، وفوجئ الخضيرى خاصة. ولما كدت أفرغ من كلامى انتهرنى الدكتور طه وأسكتنى، وقام فخرج" (المتنبى/ مطبعة المدنى/ 1976م/ السفر الأول/ 22).
((هذا المقال مأخوذ من الفصل الرابع من كتابى "معركة الشعر الجاهلى بين الرافعى وطه حسين" الصادر فى عام 1987م مع بعض التصرف))