حماس: وداعاً للشعارات
نضال نعيسة
sami3x2000@yahoo.com
29 يناير 2006


بعد مصر، هاهو نظام عربي رسمي آخر يتهاوى أمام ضربات أمواج مد الإسلام السياسي التي تجتاح عموم منطقة الشرق الأوسط، وسط تراجع ملحوظ وغياب شبه مطلق لخيار ثالث يبتعد عن تشدد الأصولية، أو فساد الأنظمة. فلقد أفضت الشعارات البراقة والحماسية السماوية التي رفعتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى هذا الفوز الكاسح الذي حصدته في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، إضافة لدورها البارز في مقارعة سلطات الإحتلال الإسرائيلي. وقد هلل كثيرون من مؤيدي التيارات الدينية لهذا النجاح معتبرين إياه نصرا، وفتحا مبينا من السماء. إلا أنه يجب ألا يغيب عن البال أبدا، أن الناخب الفلسطيني كان أمام خيارين لا ثالث لهما على الإطلاق، وهو إما حماس أو السلطة والفساد، مع كل ما يشاع ويحكي عن قصص فساد مستشر ينخر في جسد السلطة، وحالها هنا، كحال معظم شقيقاتها العربيات حيث أصبح الفساد هو القاعدة والعنوان الناظم لسير الحياة، بينما نظافة اليد، والاستقامة هما شذوذ واستثناء.

وكانت هذه الخلفية المؤلمة، ولاشك، ماثلة، بذهن الناخب وهو يضع ورقته الانتخابية في صندوق الاقتراع. إنه نوع من الثأر، ورغبة في الانتقام من تلك النظم المتآكلة التي نهجت طريق الفساد، أكثر مما هو تميز وتفرد لهذا التنظيم أو ذاك التيار. لا بل لقد رفعت بعض الأنظمة تهديدا تحت عنوان: إما أنا، أو طوفان المد الأصولي في وجوه الناس، وبنت عليه كثيرا من السياسات والتكتيكات، والتوجهات. وفي الحقيقة، ولو وُضِع الناخب في هذه المنطقة بين أي خيارين انتخابيين، أحدهما نظامه الحاكم، لاقترع لصالح الخيار الآخر حتى ولو كان إبليس اللعين، أو الشيطان الرجيم نفسه. وهذا ليس، أبدا، تقليلا من فوز حماس، ولكنه مجرد استقراء عام لما هو عليه واقع الحال، مع محدودية وأحادية الخيارات، وهذا ما يفسر، بالتالي، توجس كثير من الأنظمة في المنطقة من "فزّاعة" الانتخابات لأن النتائج عندها ستكون قاتلة ومحسومة سلفا، وستفضي، حتما، بهذه الأنظمة إلى الزوال، كما حصل مع رفاق المرحوم الختيار أبي عمار.

وأمام محدودية الخيار هذه، وغياب الخيار الثالث، والبدائل الوطنية الأخرى القابلة للحياة، نتيجة إصابة هذه المجتمعات بالخواء والفقر الحضاري والفكري، وتراجع بريق الخيارات القومية التي ترافقت مع الطغيان والاستبداد، وإخلاء ساحة العمل السياسي في عموم المنطقة أيضا، من كافة قوى اليسار والعلمانية والديمقراطية، فقد كان لا بد لحماس الأصولية من أن تحصد معظم كراسي البرلمان، والذي ساعد فيه أيضا عوامل إقليمية ودولية شتى. ومن ها هنا تبدأ معركة حماس الحقيقية، مع واقع جديد بعيد عن تلك المرحلة السالفة من رفع الشعارات. وها هي حماس اليوم أمام مرحلة جديدة مختلفة كليا عما فات، ولديها أكوام من الملفات الساخنة بانتظار المعالجة والحل الفصل. أكوام لا تنفع معها شعارات من مثل الإسلام هو الحل، أو الهروب للأمام، واللجوء إلى السماء.

بل المطلوب خطط واقعية وعملية لمعالجة مشاكل مزمنة مثل البطالة، والانفجار السكاني، وتردي الخدمات، ونقص الموارد والإمكانيات، واقتصاد منهك ومدمر أنهكته سنين الحرب، وبناء دولة مؤسسات قوية قادرة على مجابهة التحديات عن طريق حكومة من الخبراء والتكنوقراط، وبناء علاقات متينة مع دول الجوار والعالم يكون أساسها استقلال القرار الوطني الفلسطيني وابتعاده عن لعبة التجاذبات الإقليمية، وكل هذا يتطلب حنكة وقيادة واعية متبصرة، وألا تقتصر استراتيجيتها في الحكم، ويكون معظم تركيزها على فرض الحجاب في مجتمع إسلامي محافظ اصلاً، وملاحقة تحركات النساء واعتبارها معركة البقاء، ومتابعة التقيد الصارم بمواصفات اللحية والجلباب والسروال الشرعي، وألا تُستنزف في معارك من هذا القبيل، أو أن تفتح أيا من هذه المعارك الهامشية في وجه عالم يراقب كل شيء، ويتقدم ويتغير يوميا، حيث أن مشاكلها تتطلب أكثر من مجرد هذه الشعارات، ومع الاحترام التام لأهميتها، ومضامينها، وخصوصيتها في المجتمع، ولن يكفي هنا مجرد التوجه للغيب، وقراءة الأدعية، والتعاويذ، والتراتيل وصلوات الغائب. وعليها من اليوم أن تثبت شرعيتها الوطنية، كما أثبتت شرعيتها الثورية، بأن تقدم للعالم أنموذجا للإسلام المعتدل، والمتنور، المتسامح والقادر على التكيف، بعيدا عن النموذج الطالباني الذي أودى بأصحابه للهلاك، برغم تطرف طرحه، وإيغاله في مظاهر التقوى والإيمان.

إن حماس اليوم أمام أصعب امتحاناتها ورهاناتها، حتى في أيام النضال، وربما هذا هو أحد الأسباب الذي أبقى الجهاد الإسلامي خارج اللعبة السياسية حتى الآن. مع ملاحظة لابد منها في الختام، وهي أن هذا الإشراك المدفوع لتيارات الإسلام السياسي في الحكم في المنطقة، وبدعم، ورضا، وغض طرف واضح من أطراف إقليمية ودولية، ما هو إلا محاولة ربما للتخلص منها عن طريق توريطها في مسائل شائكة، واتقاء لصوتها العالي، وإسكاته نهائيا في مراحل لاحقة، وإثبات فشلها وعجزها أمام تجذر المشاكل وعمقها واستحالة لحلحتها، وإفراغها من زخمها الثوري والروحي، عبر تحميلها وزر أية انتكاسات، وإخفاقات تبدو محتملة جداً مع واقع معقد وصعب. وعلى مؤيدي حماس، وبناء على كل ذاك، ألا يفرحوا كثيرا الآن، لأن من يضحك كثيراً، هو، فقط، من يضحك أخيراً.