نظافة اليد لا تكفي يا باباشا !
s_4_momani@yahoo.com
 صلاح المومني
24 يناير 2006



في عام 1977 حينما نظّم والدي –يرحمه الله- إضراب مصفاة البترول ، كانت أولى خطواته لنجاح الإضراب وتحصيل حقوق السائقين التي هضمتها إدارة الشركة ممثلة برئيس مجلسها "سعد التل" ، كانت أولى خطواته إخبار أجهزة الأمن بما ينوي فعله وفق قوانين البلد التي تسمح بعمل كهذا ، وفعلاً ذهب إلى مصطفى "العظايلة" باشا، وكان مديراً لمخابرات مدينة الزرقاء ، واستطاع والدي إقناعه أن الأمر ليس له دخل بالسياسة وانه لتحصيل حقوق السائقين التي تتلاعب بها إدارة الشركة ، عندها قدم الباشا دعمه لمطالب السائقين وصرح للإضراب بقوله " اقطع البنزين عن البلد وأول مدينة بلدي الكرك" واتخذ إجراءاته لإخبار باقي الجهات الأمنية وأجهزة الدولة أن الأمر لا يعدو كونه إضراباً سلمياً للمطالبة بحقوق ضائعة، وأنه غير مخالف للقانون ، وبهذا تمكن المضربون من تحقيق بعض مطالبهم.

مثل هذا الموقف يبين لنا أن رجل المخابرات قد يكون في صف شريحة من شرائح الشعب، ينتصر لها ويدعمها، بل يبين لنا أن لهذه المهنة ضوابطها التي تجعل منها مفخرة لصاحبها إذا ما أتقن دوره الموكول إليه في الحفاظ على حقوق الشعب وحمايتهم والتصدي لما قد يكون مضراً بهم من أي جهة كان ذلك الضرر.

زيادة على هذه الحادثة فإن أموراً إيجابية أخر تحسب للرجل غير متناسٍ السلبية منها حيث أنه كان مسئولاً في دائرة لها دورها في مطاردة السياسيين والصحفيين والكتّاب وأصحاب الرأي ، لذا لن نغفل هذه الصورة المظلمة في تاريخ أي أردني تحمل أعباء منصب في الدولة ، ليطول هذا رئيس الجهاز السابق أحمد عبيدات ومحمد رسول الكيلاني ، فلكل دوره في معادلة انقسمت بين مواقف وطنية –نظافة اليد أحدها- وقسم تضمن اضطهاداً تمارسه الدائرة بحق أناس لا يد لهم بجريمة أو جناية ، إنما لكونهم خالفوا مذهب الدولة السياسي فانتقدوا هذا أو طالبوا ذاك بالعدل.

تعيين اللواء محمد الذهبي سيناريو جديد قديم لدائرة المخابرات الأردنية ، وربما نجد في هذه الخطوة بعض الراحة من منطلق أنه وصف بنظافة اليد ، لكنه وصف أيضاً بتشدده ضد الصحافة والصحفيين ، وهذا يجعلنا نبحث في شخصه عن الإيجابيات والسلبيات التي قد تضع اسمه في لائحةٍ قل المنتسبون إليها من ضباط دائرة المخابرات العامة ، لأن الغالبية منهم سلبيون حتى النخاع ، هذه اللائحة "الإيجابية"ربما تقع تحت طائلة أجندة وطنية لتسجيل وتخليد الشخصيات الأردنية التي عملت بصدق وأمانة لمصلحة الأردن شعباً وأرضاً ، وكل وفق وبحدود قدراته ومسئولياته.

لا شك سررت غاية المسرة حينما قرأت الخبر ووصفه بنظافة اليد ، لأننا ما زلنا نعاني من سرقات البطيخي وغيره من ضباط ساهموا بتلك الفضيحة التي انتهت بهم في سجون غاية في الوحشية ، حيث تم سجن رئيس المخابرات "البطيخي" في شاليه على البحر ، وتنقله خارج الوطن ظل قيد السرية والكتمان(يا حرام) ليتناول عشاءه مع أقرانه في لندن أو غيرها من المدن التي استثمر فيها تلك الأموال المنهوبة. سجن في غاية الوحشية أليس كذلك؟

المهم بنظافة يد المسئول الجديد نضمن أن أموال الدائرة ستكون في الحفظ والصون ولن تمس بأذى ، ونضمن أنها ستصبح في خدمة أمن البلد وملاحقة المجرمين ، لكن هناك أمور نود أن يتفرد بها مدير المخابرات الجديد عن غيره ، نتمنى وما التمني بتهمة أو قدح سيدخلنا متاهة إطالة اللسان .

نتمنى !!!

أولاً: تطهير الدائرة من الوصوليين الذين لا هم لهم إلا إزعاج الناس بغوغائية التصرف ، لأن الوطن بحاجة لمن يكرم أهله المقيمين على ثراه ، ولأن العمل الوطني من صميم مسئوليات دائرة المخابرات العامة.

ثانياً: مراعاة مبدأ الحريات الذي نتفق عليه في قوانيننا ونفتقده عند التطبيق لأن مشكلتنا مع القوانين تكمن في التطبيق أكثر منه في سنها وتبويبها.

ثالثاً : وأرجو أن يعذرني الباشا للإطالة ، حيث نريد كشف قوائم سجناء الرأي ، وإنصافهم ورفع سقف الحرية "بدل مترين ونص خلوه مترين وواحد وخمسين صانتي ميتر" لأن الزيادة في سقف الحريات ضرورية ومهمة لشعبنا الذي لم تتح له الحرية بعد إلا في هتافات "يعيش فلان" ، حيث لا ضير في أن نفرج عن كربنا بالقول: "يسقط فلان" ، وانتم تعلمون أن شعارات "يعيش" أو "يسقط" لن تطيل في عمر إنسان في السلطة ولا حتى في حياته ، لذا هي ليست أكثر من "تنفيسه" للشعب المسكين المضطهد من الأب والأم والمختار والشرطي والحاكم الإداري و....، إلا الملك فهو الوحيد الذي لا يضطهدنا.

الصحافة:

طبعاً إذا قدّرلنا العيش والعودة للوطن وبقيت الصحة والعقل "حيث يكاد يطير" فإني أرغب بفتح صحيفة في الأردن "لأنه الناس من قلة الخبز بتاكل ورق الجرائد" ، والمشكلة هي أنني لا أتقن التمجيد بقدر ما أتقن النقد وأحياناً الشتم " لما بعصب بس" لذا أتمنى إعطاء فسحة للصحافة للكشف عن مواهب الكتاب وما يدور في خلجات نفوسهم . نحن نعلم أن الكثير منهم يخرج عن طوعه ويشتم الحكومة وغلاء الأسعار وخصوصاً البنزين الذي قطعه –المرحوم أبي بإذن الله- أثناء الإضراب ، فحديث الصحفيين ليس من عند أنفسهم لكنه نبض الشارع ، لذا نتمنى عليكم أن تعيدوا للصحافة حريتها ، فكما يجوز لكتاب المدائح تسطير مقالاتهم في صحف الوطن ، ينبغي أن يسمح لمثلي بذات الشيء "والا كتاب المعارضة اولاد سبعة والمداحين اولاد تسعة" ، وإذا كانت لغتي قد أصابتها "العجمة" بسبب الغربة، فأعدكم بالتدرب على أيدي أمهر وأحذق الصحفيين الوطنيين.

قانون إطالة اللسان:

طبعاً هذا ليس اختصاص دائرة المخابرات ، لكنها السلطة التشريعية ، غير أن تطبيق هذا القانون حتى لو لم نؤيده أو لم نقبل به ينبغي أن يكون وفق نظام عادل ، فليس للمخبر أن يكون الحكم والخصم ويحمل كل من شاء إلى سجن "قفقفا" أو "الجفر" ولا حتى "سواقه" رغم أنهم يقولون عنه بأنه "سجن خمس نجوم" وتتوفر فيه كل الخدمات من مساج وغرف فردية "لمن يحب الخلوة" وحمامات ماء بارد لأنه درجات الحرارة مرتفعة ، وكما ذكر بعض من نزلوا فيه أن في الغرفة أحياناً حمام مستقل لكن دون تهوية أو تجهيز بحيث تكون الرائحة عقوبة أخرى "عفواً هذا مو ذنب المخابرات ، ذنب السجين ليش ليستعمل الحمام" ، المهم أن يكون القانون هو الحاكم وليس مزاج المخبر.

عطوفة الباشا:

يدكم نظيفة ... هذا أمر نجله ونحترمه ، لكن نحب أن نرى مع نظافة اليد أموراً أخر كثيرة ذكرت بعضاً منها ، ولكي لا أطيل عليكم نترك لكم بقية المطالب فأنتم أعرف بما تريدون ونتمنى ، وتدرون أن الكثير بانتظاركم ليتم إصلاحه ، من محاربةٍ للفساد والإرهاب ،رعاية مصالح الوطن والسهر على أمنه وحتى متابعة قضايا الدائرة الداخلية التي تحتاج منكم جهداً في إعادة البناء ... فما هدمه البطيخي كان فوق العادة وما فعله غيره من المدراء يحتم عليكم سهراً وعملاً شاقاً ، ولا نظن مطلقاً أنكم ستخيبون ثقة الملك والشعب الذي ينتظر بفارغ الصبر كل خير على أيديكم.

في النهاية أهديكم وأهدي شعبنا الأردني الكريم أغنية "أتمنى" متمنياً أن تكون هذه الأمنية أمنية الشعب كله، وأن يروق لكم سماعها...