لماذا يعتبر بن لادن خطر حقيقي على أمريكا؟
( دراسة تحليلية ونظرة مستقبلية لخطابه الأخير)
 فهمي خميس شراب
محاضر في جامعة الأقصى.
غزة/ خان يونس
Fahmy1976@yahoo.com



بالطبع لا يمكن فهم ما يرمي إليه الشيخ بن لادن بسهولة ولا يمكن التنبؤ بمدى قوة بن لادن في تهديداته الأخيرة إلا من قرأ ما قرأه بن لادن وعرف ما عرفه بن لادن وتعرف على الخلفية التي ينطلق منها بن لادن في فكره وفي سلوكه.. إن كونداليزا رايس تقرأ كل ما يقرأه الرئيس الأمريكي بوش وذلك من اجل تسهل عملية التنبؤ بما سوف يقدم عليه أو مدى تعاطيه مع بعض القضايا في أي شان من الشؤون.. وبن لادن بكل وضوح يرمي إلى توصيل رسالة فحواها " قد اعذر من انذر" بن لادن يريد أن يبرئ نفسه والقاعدة بأكملها أمام الله والعالم وخاصة الشعب الأمريكي من نتائج كارثية "Catastrophic results" وشيكة الوقوع قد تتمخض في المستقبل القريب .
بن لادن لا يحذر من فراغ, فهو يريد بحنكته السياسية أن يزيد القاعدة قوة ومصداقية بصدق تهديداته ومن خلال الثقة العالية التي أبداها في خطابه الأخير فان بن لادن كان يعلم جيدا ومسبقا برفض الولايات المتحدة الأمريكية للهدنة "truce" التي اقترحها عليهم لذلك فإنني أؤكد على أن النتائج التالية قد تحدث:

هناك هجمات ضد الولايات المتحدة قريبة الوقوع قد تتخذ شكل تفجيرات عديدة في مباني ومراكز اقتصادية ومالية بحتة, وقد تكون في يوم واحد بتوقيت مختلف وذلك لعشرة مراكز على الأقل من اجل أن تحدث خسائر كبيرة في الأموال والأرواح..

إن بن لادن يعرف مكامن القوة في الولايات المتحدة من خلال اضطلاعه الكبير على مجريات الأحداث ومتابعته للأخبار والتحليلات واستطلاعات الرأي العام, فهو متعلم ودارس في الجامعات وأنا هنا لا اقصد بن لادن فقط بل اقصد أيضا المقربون ورفقاء الدرب.. فقد يضرب مراكز الإعلام والتي عادة لا تكون فيها حراسات كبيرة وغير حصينة وخاصة التي ينظر إليها بعين الشك على أنها ملك لبعض اليهود الرأسماليين والليبراليين والذين يمتلكون آليات تصنيع الورق المستخدم للصحافة والحبر من اجل السيطرة على وكالات الأنباء والصحف اليومية والأسبوعية وكل المطبوعات..

قد يوجه بن لادن ضربة لمحطات النقل "Transportation" مثل تفجيرات لندن العام الفائت وذلك في أماكن مختلفة كما وليس مستبعداً استهداف المطارات لشل حركة المواطنين وزرع في قلوبهم الرعب والرهبة وتحقيق نظرية "توازن الرعب" ولكي يدركوا بأنهم جميعا مستهدفين"Targeted" تماما مثل المواطنين العراقيين وتماما مثلما الفلسطينيين الأبرياء الذين سفكت دمائهم وذنبهم الوحيد أنهم عرب مسلمين..

قد يوجه ضربة إلى مراكز سياسية بحتة من اجل توصيل رسالة إلى صناع القرار"decision-makers" ومهندسي السياسة الأمريكية كما ومن المحتمل تنفيذ عمليات تصفية واغتيال"assassinations" لعشرة أو عشرين شخصية سياسية مرموقة لها ثقلها السياسي والإعلامي والمعروفة بعدائها للعرب والمسلمين في يوم واحد أو بشكل مسلسل يومي "inevitable"ولكن مسلسل ناجح تم الإعداد له مسبقا بشكل متقن بحيث تكون هذه العمليات اليومية حديث الساعة وموضوع محوري...

هناك احتمال خطير جدا وغير مستبعدا على الإطلاق بناءا على تقدم القاعدة واستمرار نجاحها وانتشارها وتوفر الإمكانيات المالية الكبيرة فان بن لادن قد يضطر وهذا الأمر هو الأسهل على الإطلاق بضرب صواريخ تحمل رؤوس نووية " " nuclear headsأو كيماوية على بعض الأهداف المنشودة والمستهدفة, حيث بات من المعروف عن إمكانية تهريب الرؤوس النووية من دولة إلى أخرى أو على الأقل نقل المعلومات والبرامج الهامة لأيدي خبراء قد يتواجدوا في أي مكان في الولايات المتحدة أو أفغانستان أو أي دولة صديقة للتوصل لتصنيع الرؤوس النووية, والذي قد يثير الدهشة والاستغراب توقع اشتراك خبراء أمريكان أو غربيين معارضين بشدة لسياسة بوش في صنع تلك القنابل أو الرؤوس وهذا غير مستبعد إذ أن هناك كثيرا من المعارضين لسياسة الحكومة الأمريكية, ومنهم من يحب شخصية بن لادن وصوره "fans", فبن لادن له معجبون كثيرين من الشعب الأمريكي ويُنظر إليه كبطل ورمز مثل " تشي جيفارا" و"كاسترو" وخاصة عند الذين لهم ميولات اشتراكية .. ولا ننسى أن عنصر الإغراء من خلال المال هو مهم فالكثير من الشعب الأمريكي لا يتورع عن ارتكاب أبشع أنواع القتل من اجل المال والرفاهية..

قد يستهدف بن لادن بعض السفارات والقنصليات للولايات المتحدة الأمريكية في عدة دول في أوروبا مثلا وقتل الكثير من الممثلين الدبلوماسيين ورؤساء البعثات الدبلوماسية وقد يتم ذلك في ساعة واحدة قبل إضاءة اللون البرتقالي أو الأحمر للدلالة على الاحتراس والتنبيه "alerts" ورفع المستوى الأمني...

وفي الأخير لا شيء مستبعد وخاصة إن هذا العالم يسير بوتيرة سريعة في العديد من المناحي الحياتية وأصبحت الحياة حبلى بالمفاجئات. فمن منا توقع وصول مرض أنفلونزا الطيور إلى فلسطين ؟ ومن منا توقع بمرض شارون فجأة واختفائه عن الساحة السياسية؟ ومن منا توقع بانهيار مفاجئ لبرجي التجارة ( أحداث الحادي عشر من سبتمبر) فقد تكون الضربة للولايات المتحدة الأمريكية تنتظر تزامنا مع تاريخ معين مثل تاريخ دخول أمريكا للعراق مثلا في شهر مارس القادم!! أو سبتمبر آخر !!

فالحقيقة الراسخة والمؤكدة أن محاربة أمريكا للقاعدة هي جزئية ضمن السياسة الخارجية الأمريكية وهي خيار من خيارات متعددة ومتغير غير ثابت بينما مواجهة القاعدة للحرب الأمريكية والعداء الأمريكي هو الهدف الأوحد وكل توجهات السياسة الخارجية بكل مفاعيلها للقاعدة, والدليل على ذلك كلامه في هذا المقطع البسيط:

(ولقد صبرنا في قتال الاتحاد السوفييتي بأسلحة بسيطة عشر سنين فاستنزفنا اقتصادهم فصاروا بفضل الله أثرا بعد عين و لكم في ذلك عبرة ولنصبر ن في قتالكم بإذن الله حتى يموت الأعجل منا. ولن نفر من الكفاح حتى يفر السلاح. أقسمت لا أموت إلا حرا وإن وجدت الموت طعما مرا..أخاف أن أذل أو أغرا)

فكما يبدو, فالجهاد هو سر وجود تلك المجموعات المقاتلة من اجل أهداف نبيلة بعدما رأت بأم أعينها الظلم الواقع على مجتمعاتها من قتل وسفك الدماء بدم بارد للأبرياء واستغلال لخيرات وموارد تلك البلاد بتواطؤ حكامها عليها ومد يد العون للاحتلال الأمريكي وحكومته التي ما فتئت تدس انفها المزكوم في كل صغيرة وكبيرة وتنتهك قواعد القانون الدولي وابسط القواعد من تدخل صارخ في الشؤون الداخلية للدول وعدم مراعاة قواعد حسن الجوار والهرب من التعاون من اجل حماية الطبيعة وانسحابها من اتفاقيات تهدف إلى التعاون من اجل التصدي للأخطار البيئية.. وفي النهاية يبقى مبدأ التحليل والتنبؤ الشخصي مرهونا بتقدم الزمن.. وان غدا لناظره قريب..