|
تسافل السلطة وضياع
الاوطان
د. مصطفي عبد العال
21 يناير 2006
قد يفيد ان نعترف كعرب اننا عشنا لعقود طويله نخشي الحديث عن السلطة,
معناها وجاذبيتها فحكام العرب والمتسلطين علي رقاب الناس يعيدون ويزيدون
دون ملل او خجل انهم زاهدون في السلطة ولولا المنعطف التاريخي لما بقوا
يوما واحدا اضافيا و لولا تمسك الشعب وتضرعه ان يبقوا علي كراسيهم لتركوا
تلك الكراسي وتفرغوا للعلم والبحث العلمي واصدار النظريات, التي سوف تحل
مشاكل العالم الغذائية والامنية والاخلاقية ولو جاء كائن من الفضاء
الخارجي ونظر الي حالنا فقد يموت من الدهشة لقدرتنا العجيبة ان نضحك علي
انفسنا وقبل ان نتسبب في موت الكائنات الفضائية ماذا لو حاولنا ككل البشر
ان ننظر الي السلطة علي حقيقتها وانها جذابة ومغرية و ان الانسان يطمح
اليها ليشعر بتمايزه عن الاخرين بل واحيانا تسيده عليهم, اذا ما نجحنا في
الاعتراف بهذه البديهية الاولية يمكننا ان نتساءل كيف يمكن كبح جماح
الطموح والانانية الانسانية التي يمكن ان تسيطر علي حكامنا بحكم انهم
بشر, هل نبدأ بالتفكير باهمية تحديد فترة الحكم اي لاتزيد عن فترتين او
حتي ثلاثة حتي لانتهم باننا غير واقعيين حيث يستمر الحاكم في السلطة من
خمس الي عشر فترات اذا ما مد الله في عمره, ام نوجه جهودنا الي رفض حالات
النجاح بنسب تقترب من مائة في المائه حتي يشعر الناس ان هناك اخرين في
هذا الوطن غير الحاكم_الاله يمكنهم ان يحصلون علي نسب تزيد عن الواحد
والاثنين في المائة هذا طبعا في حالة ما اذا ما طبقنا نظام الانتخاب
كبديل عن الاستفتاء او المبايعة بالروح والدم.
قد يري بعض من اصابهم اليأس من اي اصلاح ان هذه مجرد امال ساذجه وان الحل
هو انزال هؤلاء الحكام عن كراسيهم عنوة بل وقد يطالب البعض بتعليقهم علي
المشانق جزاءا وفاقا لما فعلوه بالبلاد والعباد ولاننا من اولئك الذين
يتصورون ان هذا لن يؤدي الي حلول حقيقية اذ ان قائد الثورة الجديدة سوف
يستغل الشرعية الثورية ليدخلنا نفس النفق من جديد.
انطلاقا من هذا الواقع التعس كيف يمكن لنا ان نحاول التفكير في وسائل
تخرجنا من اليأس والتسليم ان ما نعيشه هو قدرنا او ان كل دعوات هادئة
للتغيير لاترتكز علي العنف لاامل لها وما هي الا تبريرات لاطالة عمر
الاستبداد وزيادة تمكينه من رقاب العباد.
دعونا نحاول ان نتصور انه قد يكون من المفيد تجسيم وتحديد مخاطر ما نعيشه
خصوصا اذا ما كانت هناك منابر تنشر ما يمكن طرحه وقراء يتابعون بنسبة او
باخري ما ينشر ومن ثم فاالتفاعل ممكن والتغيير ليس بعيد المنال او ضرب
خيال.
سوف نركز في حديثنا هذا علي نقطة واحده علنا نحاول التطرق الي غيرها في
مرات اخري هذه النقطة هي خطورة حالة الفرز العربيه ليس فقط علي مستوي
الحاكم او راس السلطة بل علي المستويات الادني من وزراء ونواب وخبراء
يساندون ويدعمون هذا الحاكم او ذاك, واذا ما نظرنا الي هؤلاء الذين من
المفترض ان يمثلوا عقل الحاكم_ليس لاننا نتصور انه لاعقل له كما يعتقد
الكثيرون_ بل لانهم يشكلون له المنظرين والمبررين والداعمين لرغبته في
البقاء في السلطة التي يعشقها فاننا نلاحظ تردي نوعية هؤلاء المفكرين
ذهنيا وفكريا بل وحتي انسانيا ودليلنا علي ذلك ان لا احد منهم يستقيل
ابدا ومن المعروف ان الانسان كلما ازدادات معارفه كلما نشطت لديه الحاسة
النقدية التي في كثير من الاحيان تمنعه من القبول بما يحدث حوله وبالتالي
تدفعه ان يرفض المشاركة فيه دليلنا الثاني علي حالة الاضمحلال التي يعاني
منها هؤلاء السدنه انهم يتعاملون مع الحاكم من منطلق عبودي لا يوجد به اي
درجة من الندية والدليل انهم قد يستمرون لعشرات السنين خداما للحاكم ولا
تؤهلهم خبراتهم الطويلة في سراديب الحكم لوراثته بل ان التوريث ياخذ منحي
بيولوجي حتي وان كان الابن الوريث بلا اي شرعيه حزبية او عسكريه او
جماهيرية ومن ثم فان الخبراء والكبراء الملتفين حول الحاكم
يمتازون(بفضيلة) التصاغر والقبول بوضع الخادم الذليل للحاكم ولوريثه ومن
هنا نجد انفسنا في مواجهة معادلة مرعبة حيث لدينا حاكم لايحد طموحة شيئا
يحوطه خبراء منكسري الطموح قابلين بعلاقه لاتكون الا داخل المجتمعات التي
تمارس الفصل العنصري حيث لايسمح للاسود مثلا ان يحلم باكثر من وظيفة شرطي
لدي الابيض ليستخدمه في قمع السود الرافضين للعبودية
هذه الحالة من الفرز في بلادنا علي وضاعتها ليست في ذاتها الخطر الاشد
لكن تبعاتها مدمره اذ انها تدفع بالانسان(السوي) الي مزالق خطيرة كي
يحافظ علي حد ادني من توازنه الانساني, في مواجهة هذا الواقع المهين
فلايجد امامه الا ان ينخرط في حالة من اليأس التي تدفعه للتعامل مع فكرة
الوطن كما لو كان ملكية خالصة للاعداء وبالتالي فان كل تخريب فيه هو
انقاص لثروة العدو بل وقد لايجد اي غضاضة في السعي لدي القوي الخارجية
للايقاع ليس فقط بالحاكم في ايدي القوات الغازية بل الايقاع بالوطن نفسه
مدفوعا بذلك اليأس المسيطر عليه, وهنا تكمن الخطورة الحقيقية اذ ان
تحملنا لطغيان الحاكم الذي يكتم علي انفاس شعبه لعقود يؤدي الي ارساء هذا
الطاغية لقواعد تعيسة للفرز فيؤدي ذلك بدوره الي تعميق اليأس وضياع
الاوطان بايدي ابنائها قبل ان يكون بيد المحتل الغازي, فهل يمكن لنا ان
ننظر ونري فداحة القبول بالاستبداد الذي يشكل بداية السلسلة المؤدية
لضياع الاوطان وهل يمكن ان يكون فهمنا لذلك بداية لتفادي ماهو قادم سواء
كان رضوخا مدمرا او رفضا عنيفا يأكل الاخضر واليابس.
لا نملك الا ان نطرح السؤال املين ان نكون مثل كل الامم التي تجد حلولا
لقضاياها عبر ممارسة القدرة علي طرح الاسئلة.
|