تحليل سياسي وإستراتيجي لصوت طبول الحرب والتصريحات
 المنفعلة التي صاحبت التقارب السوري الإيراني
بقلم: سمير عبيد *
 هل التقارب الإيراني السوري فرضته النوايا الصادقة أم الخطر والظروف؟
من هي إيران السياسية والتاريخية؟
20 يناير 2006


إيران التي تتكون من قوميات متعددة مختلفة إصولا وثقافة جعلها عرضة للتفكك والإنهيار السريع، وهذا ما تكرر حدوثه في التاريخ الإيراني، حيث دخل عنصر التفكك في إيران نتيجة سقوط الدولة الأخمينية، والدولة الفرثية في العصور القديمة، وكذلك سقوط الدولة الصفوية، ومن ثم الدولة الإفشارية، وإستمرار هذه الحالة حتى وصل الأمر الى االفترة االشاهنشاهية التي نجحت بتزاوج الدين والسياسة ليكمل أحدهما الآخر من أجل الإستمرار، ولكن عندما حاول النظام السياسي التخلص من الطرف الديني وأعتبره عبئا عليها ولأسباب كثيرة، حينها تحرك أصحاب الفكر الديني لإيقاف الإنفراد الذي سيفكك الدولة من جديد، وسوف تضعف نتيجة ذلك الأمة الإيرانية المفجوعة تاريخيا بسقوط الدولة الساسانية، فبادرت الحركات الدينية بالتحرك داخليا وخارجيا حتى ضعفت سلالة وحكم آل بهلوي، وإنتصرت الثورة الإسلامية التي صدمت العالم بأسره بقيادة الراحل المرحوم آية الله السيد الخميني، والذي نجح في تأسيس النظام الجديد الذي يسيّس الدين سياسيا، ويدّين السياسة دينيا، فتولد نظام ولاية الفقيه الذي يعطي للمرشد الأعلى صلاحيات مزدوجة ( سياسية ودينية) والهدف هو لمنع إيران من التفكك ، كون إيران تتكون من قوميات مختلفة، ومن ثم هناك عامل مهم في تكوين وقوة وإستمرار الدولة الإيرانية وهو عامل (التاريخ) حيث تنفرد إيران بهذه الخصلة وهي مسألة التاريخ ،فهو العامل الأهم في أي تغيّر في إيران، لذا لو فكرنا قليلا بلب المشروع الأميركي الجديد والذي دشنته مجموعة المحافظين في الإدارة الأميركية، والتي هي إفراز تحالف بين اليهود المتشددين والبروتستانت المتشددين، ولهذا صبُغ المخطط الأميركي بالصبغة الدينية والتاريخية وحتى الحضارية حتى وأن أنكروا ذلك، فالمشروع الأميركي يعتمد على التفكيك والتفتيت، وهي رؤية يهودية قديمة للتغلب على بلدان وشعوب الخصوم في المنطقة، وما حصل ويحصل في العراق لهو دليل قاطع على التفتت والتفكك، علما إن العراق دولة موحدة وكانت تفخر بتعايشها وتزواجها الإجتماعي والمذهبي والعرقي، وإذا بها تخضع للتفتيت والتفكك على أسس طائفية وعرقية، فكيف لا يكون في إيران رعبا شديدا وهي التي تقف على كف عفريت من ناحية التمايز القومي وعقدة التاريخ، ولهذا نجحت إيران بقوقعة المشروع الأميركي في العراق وتأخيره هناك لتتكشف نواياه و وبنوده للعالم أجمع، ولشعوب المنطقة بشكل عام، وللشعب الإيراني بشكل خاص، وهذا هو سر خفوت الأصوات الإيرانية التي كانت تنادي بالتغيير في إيران، وكانت تناشد الولايات المتحدة كي تساعد أو تشارك في عملية التغيير في إيران.

إيران وتحركها الإستراتيجي الحكيم!

وبما أن الولايات المتحدة لم تخف رغبتها بتهديد إيران وتغيير نظامها ومنذ أن وضعها الرئيس الأميركي بوش ضمن ( محور الشر) فمن الطبيعي تلجأ إيران الى الحيل السياسية، وإلى القفزات التكنولوجية والتسليحية، وتحت مبدأ حماية نفسها من التهديد، وبما إن إيران وحسب أقوال الرئيس بوش أنها شريرة ، فيبدو فرحت إيران بهذه التهمة وأخذت تتسلق سلّم الأسلحة النووية وغيرها، وبنفس الوقت أخذت توسع بعلاقاتها وتحالفاتها الدولية والإقليمية، وذلك من أجل حماية نفسها، وبنفس الوقت أعطت الإيعاز لتقوية بعض مخالب القط التي صنعتها من قبل لحماية إيران، وجعلها موانع للدفاع عن إيران، ومنها مخلب القط في أفغانستان والعراق ولبنان وقزوين وإذربيجان وحتى في سوريا، فمن هذا المنطلق وعلى ما يبدو أجرت إيران مسحا سياسيا على المنطقة، فلم تجد حليفا معتمدا في الخليج العربي بل هي أنظمة وحكومات تحركها عن بعد الأصابع الأميركية، وليس هناك أمانا بالتحالف معها ،خصوصا وهي التي وفرت القواعد والمنتجعات للقوات الأجنبية، ولا زالت تسهل طيران وهبوط الطائرات التي تطير لذبح العراقيين، فلم يبق لديها غير دعم أصدقائها في العراق ليس من أجل أن يكون هؤلاء بديلا عنها، فهي تعرفهم وتعرف علاقاتهم مع دوائر الإدارة الأميركية، ولكن من أجل فرض الأمر الواقع على الولايات المتحدة كي تتحدث مع إيران بصدد شؤون العراق، ولقد نجحت في هذا وأجبرت الرئيس الأميركي من إعطاء الضوء الأخضر لسفيره في بغداد ( خليل زاده) كي يفتح قنوات أتصال مع الإيرانيين من أجل التفاهم حول العراق، وبنفس الوقت وضعت الجيش الأميركي في كماشة الباسدران ( الباسيج) وهو الرحم الذي جاء منه الرئيس الأيراني الجديد ( أحمدي نجاد).

وبنفس الطريقة عندما إجرت المسح السياسي في منطقة الهلال الخصيب، فلم تجد غير (سوريا) تشاركها الهموم وتلتقي معها بروافد عديدة وبمحن عديدة ،خصوصا وأن إيران تعيش شبه الحصار في لبنان ومن قبل الولايات المتحدة ،حيث هناك إنحسار سياسي لإيران، وذلك نتيجة الضغط على أصدقاء إيران في لبنان، وتعلم هي أن دمشق عليها حصار سياسي ولوجستي وحتى عسكري من جهة لبنان، لذا لم يبق أمامها إلا التحالف مع دمشق التي تتعرض لنفس التهديد الذي تتعرض له إيران، ولكن لو تمت المقارنة بين سوريا وإيران من ناحية القوة، فنجد أن أيران أقوى من سوريا وحتى أقوى من الولايات المتحدة في العراق والمنطقة، ولكن إيران لا تمتلك الأوراق التي بيد سوريا وهي مهمة وأهمها الحدود مع الكيان الإسرائيلي، والعلاقات المميزة جغرافيا ولوجستيا مع الفلسطينيين وحتى اللبنانيين الذين لا يؤمنون بالمشروع الأميركي، وبما أن الخارطة العالمية أصبحت تقودها التحالفات نتيجة التغيرات التي طرأت على العالم بفعل سياسات الإدارة الأميركية غير الواقعية وغير العقلانية ،والتي يعتبرها البعض بداية النهاية التي تقرر إنحسار الولايات المتحدة إقتصاديا وعسكريا ولوجستيا، خصوصا وهي تعيش القلق نتيجة المتغيرات التي طرأت على الخارطة السياسية في حديقتها الخلفية الى صالح الشعوب والقوى التي تعارض المخططات الأميركية وسياسات الإدارة الأميركية، حيث هناك الجبهة الشافيزية الكاستروية التي أخذت بالإتساع من البرازيل حتى تشيلي، يقابله الرعب الإقتصادي الذي تبشر به وتيرة زيادة الأسعار في سوق النفط، خصوصا وأن إيران تتحكم في فم العالم الإقتصادي وهو ( مضيق هرمز) وسبق وأن هددت إيران أن تجعل أسعار النفط خيالية وحينها سيكون الخاسر الأول الولايات المتحدة والدول الغربية، فسوريا من جانبها قوية ولن تتأثر بالحصار الإقتصادي الأميركي حيث ليس هناك تعاملا كبيرا بين الدولتين، وكذلك لدى سوريا حوالي (19) مليار دولار فائض وللأزمات، وهذا يدل أن السياسة السورية في مجال الإقتصاد حكيمة وذات بعد إستراتيجي، ناهيك أن سوريا قادرة وعند الشدة أن تجعل الهجرة معاكسة من إسرائيل نحو العالم، وتجعل إسرائيل في حصار وقحط عند الصدام خصوصا إذا كان التحالف مع إيران مبنيا على النوايا الحسنة والصادقة، وليست تحالفات مبطنة ونقصد من جانب الإيرانيين، فعلى السوريين توقع كل شيء، لذا لا يجوز وضع البيض كله في سلة واحدة، خصوصا وأن إيران دولة كبيرة ومهمة ولديها للأسف تاريخا مليىء بنقض العهود، وهنا لا نجيّش ضد التحالف أو ضد الإتفاق بل ننبه لما هو مستحيل كي تكون لهذا المستحيل حلولا جاهزة منعا للإنهيار والإستسلام في ساعة الصفر وساعات الشدة.

رعب وخبث أميركي إسرائيلي فرنسي أوربي..!

لذا فنتيجة ذلك تولد الرعب العالمي بكافة أنواعه، فالرعب السياسي من وراء التحالف الإيراني السوري المهم جغرافيا ولوجستيا، والرعب الإقتصادي من الخطوات الإيرانية من جانب سلاح النفط والأسعار، والرعب العسكري من جانب الصواريخ بعيدة المدى والأسلحة النووية، والرعب اللوجستي من الإمتداد الإيراني عالميا نتيجة الإخطبوط المنظماتي والدبلوماسي وما خلفه من دهاليز والذي كله جاهز لتلبية الفتوى الدينية والسياسية أي بمثابة هناك ( صواريخ شهاب) بشرية جاهزة للإطلاق في أي مكان من العالم، فنتيجة هذه الحسابات تولد الرعب لدى إسرائيل التي حملت سوريا وإيران مسؤولية العملية التفجيرية في إسرائيل أخيرا، وهي حملة تصعيدية ضد سوريا وإيران حيث قال وزير الأمن ــ موفاز ــ ( أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تمتلك أدلة قاطعة تشير الى أن العملية التي وقعت أمس في تل أبيب هي نتيجة مباشرة لمحور الإرهاب الذي ينشط بين إيران وسوريا) وهي عملية عويل إستباقية من أجل فرض عقوبة الإرهاب على بعض السوريين والإيرانيين ومن الوزن الثقيل، ولفتح ملف الإرهاب ضد سوريا وإيران معا، ومن أجل هذا تنشر إسرائيل إشاعات بين فترة وأخرى مفادها أن هناك ضربة ضد إيران في أذار القادم، وهناك إتفاقيات وصفقات سرية بين إسرائيل وسوريا ،ولهذا جاء الأمين العام ( كوفي عنان) وقال ( لن تكون هناك ضربة في مارس المقبل ضد إيران وسوريا) ولمن يريد أن يعرف هناك ضربة عسكرية أو حرب عليه مراقبة عمليات شحن الخزانات العملاقة في العربية السعودية ودول الخليج والتي هي تحت الأرض ببنزين الطائرات، وعليه معرفة حركة السفن غير الطبيعية والمحملة بوقود الطائرات ويُعرف هذا من خلال منظمة الأوبك التي تعرف حركة وأسماء وحمولة جميع السفن في العالم تقريبا، أما من الجانب الأميركي فجاءت الخطوة الأولى التي ستلحقها خطوات بنفس الإتجاه عندما جمدت وزارة ( الخزانة الأميركية) حسابات وأموال صهر الرئيس السوري اللواء ــ آصف شوكت ــ علما أنها مجرد فبركة، ولكن هدفها بلبلة الداخل السوري وتصديع الجبهة الداخلية كشعب، والجبهة الداخلية كنظام ومؤسسة حاكمة، ونتيجة هذا سارع البرلمان الأوربي هو الآخر كي يقر قانون يجيز تجميد حسابات جميع المشتبه بهم في قضية إغتيال الحريري، أما مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ــ ديفيد وولش ــ وتماشيا مع الورقة التي يلوح بها ــ موفاز ــ حيث قال ( ليس من المفترض أن يكون حزب الله أصلا في الحكومة، فأنه منظمة أرهابية حسب المنظور الأميركي) وذلك عندما تكلم الى المؤسسة اللبنانية للإرسال ــ قناة فضائية ــ فهل يوجد مؤشر أكبر وأكثر من هذا يعطي الأجوبة للأسئلة التي تقول ( هل دوّل الملف اللبناني؟) ولكن رد الفعل القوي على زيارة الرئيس الأيراني ( نجاد) الى سوريا وعلى التحالف بين دمشق وطهران جاء من فرنسا التي هي رأس الحربة في المخطط ضد سوريا، حيث هدد برد نووي عندما قال الرئيس الفرنسي شيراك ( إن باريس ستكون مستعدة لإستعمال الأسلحة النووية ضد أي دولة ترعى هجوما إرهابيا على الأراضي الفرنسية) وذلك خلال الزيارة التي قام الى قاعدة للغواصات في شمال فرنسا ، وهي بداية خطر حقيقي فعلا ،وهذا الخطر يقود الى الأسئلة الإستراتيجية المهمة:

هل سيورط الرئيس شيراك فرنسا ويقبض الثمن لوحده من الشيخ الصغير سعد الدين الحريري وإسرائيل؟

هل ستضرب فرنسا نفسها على غرار الولايات المتحدة التي ضربت نفسها في 11 سبتمبر عام 2001 وسوف تتهم دمشق وطهران بهذه الضربة، ولهذا صرّح شيراك إستباقيا بالضربة النووية؟

هل هناك قائمة ( محور شر) فرنسية سيصدرها الرئيس شيراك ضد بعض الدول والمنظمات تتماشى مع النقطة الثانية؟.

فكل شيء جائز في عالم تسوده الفوضى وعدم التعقل، وتسوده سياسات الإنفلات والموت والكذب والتدليس، وتسوده إنعدام الأخلاق القيم التي تجعل الرئيس والوزير يقبل الشنط الممتلئة بالدورات، ويقبل العقارات والشيكات ......

فهل نقول وامعتصماه .... أم نقول وا نجاداه .... أم نقول واعرباه؟.