From : rana_7addad@hotmail.com
Sent : Thursday, January 19, 2006 11:29 AM
To : arabtimesnewspaper@hotmail.com
Subject : جيل الأرانب
 

جيل الأرانب
رنا حداد


كنا نشاهد قناة تلفزيونية وهي تعرض برنامجا عن حياة الأديب غسان كنفاني حين شرعت جدتي تشتم وتلعن إسرائيل وجنودها وحكومتها حتى آل بها الكلام الى النكبة وأنا بدوري أخذت أسالها عن النكبة, عما فعل بهم الجنود الإسرائيليون. استرسلت جدتي بالإجابة على أسئلتي رغم أن الغصة لم تفارقها وأخذت تسرد الأحداث..كانت تتكلم بحرقة ولوعة "سرقولنا كل شي ما خلوش اشي بهالبيت سجاد سوري.. حطات شاميه.. اقراص تطريز من يوم ما تزوجت..الصيغه.. كل شي..كركبولنا البيت فوقاني تحتاني..سرقونا نهبونا" وتخبرني عن الرحيل: "هربنا من القريه وانقطع صندلي في نص الطريق" تقولها وترتسم على وجهها ابتسامة وتكمل "فخلعت الصندل الاخر ومشيت حافية الأقدام إلى لبنان". تقول عن أمها التي رفضت مغادرة القرية " أمي كانت قوية وجدعه.. كل القريه راحت الا هيي.. بتتركش بيتها لأنو" وتخبرني أيضا عن شباب البلد الذين كانوا يحفرون الحفر باوامر من جنود الاحتلال ويستديرون إلى الحفر فيطلق عليهم الجنود الرصاص ليلفظوا أنفاسهم الأخيرة أمواتا في قبور من صنع أيديهم..

بعد كلام جدتي المقشعر للأبدان أخذت عصارة أفكاري تحملني من تاريخ لأخر.. فكرت بأجدادنا السذجاء الذين لم يعلموا سبب وجود اليهود بينهم وعاملوهم بطيبة وحسنى وفكرت بآبائنا الثوريين الذين عايشوا الشيوعية وخطابات جمال عبد الناصر فانتفضوا وغضبوا وثاروا وتمردوا الى ان اسكتتهم المؤسسات المختصة بكنم الصوت العربي في "إسرائيل" وأخيرا فكرت فينا نحن.. شباب اليوم..الذي يستمع الى الأغاني العبرية والأجنبية والروتانية والذي يدخل اللغة العبرية في محادثاته بشكل يجعلك تحتار ما هي لغته الأم والذي يعرّف نفسه بإسرائيلي فقط لأنه كتب في البطاقة الزرقاء التي يحملها إسرائيلي والذي يفرح حين تكلمه بالعبرية اعتقادا منك انه يهودي!

لا شك أن الأمة العربية تمر بعهد انحطاط طالت مدته الزمنية إذ أن المواطن العربي يعاني من ضغوط نفسية ناتجة عن عدم رضاه من الوضع العربي العام ومن عجزه الشديد في صنع التغيير. الأمر ذاته يحدث عند الفلسطينيين داخل إسرائيل فنجاح إسرائيل بتطوير سيكولوجية الهزيمة لديهم على مر السنين يولّد الشعور بالنقص والدونية الأمر المؤدي إلى الرغبة في التعري من هذه الهوية الفاشلة. هكذا يصل بنا الأمر إلى سماع عربي يقول "الموت للعرب" أو "العرب جرب" أو "العرب بحياتهن ما رح يتقدموا". حالة الجهل الثقافي والسياسي التي نعيشها اليوم تصل إلى أن تجد شخصا فلسطينيا يقول: "أن نعيش في إسرائيل خير من أن تكون فلسطين هنا".

تفكير الشباب الفلسطيني اليوم يحصر في المصلحة الشخصية فبعد أن أزل عهد الآباء الذين تغذوا على الثقافة الوطنية وتحلوا بمزاج الثورية وتمسكوا بقوميتهم العربية وتشبثوا بهويتهم الفلسطينية نجد شباب اليوم يتخلى عن القضية ويرم بالهوية الفلسطينية عرض الحائط متجاهلين ماضيهم أو جاهلين إياه. بعد أن خذلت الدول العربية القضية الفلسطينية واستغنت عنها بالتحديد بعد كامب ديفيد, أصبح وجود الفلسطينيين داخل إسرائيل أمرا مربكا ومخفي التضاريس والمعالم فامحى مزاج الثورية وغاب الغضب والحقد على المحتل واخذ الناس يحاولون التأقلم مع الواقع القائم حيث سأم الاباء وفقدوا الامل والثقة وخافوا, لم يريدوا ان يكون لاولادهم ما كان لهم, ولم يربونا على الثورية ولا على حب الوطن(المفقود) بل ربونا على الخوف وعلى الواقعية وعلى الاستهتار بالأحلام وعلى الاختباء في جحورنا.. لأننا الأرانب وليس الأسود, وكانت النتيجة جيلنا.. جيل الشباب المتقاعس المهزوم الذي يخجل بهويته ويحاول بشتى الطرق أن ينكرها ويهرب منها.

في ظل الواقع الذي نعيشه اليوم اسمح لنفسي أن اقسم شريحة الشباب إلى ثلاث مجموعات: أولها, مجموعة الشباب غير الوطنين مدعي الثقافة الذين يتحركون بدافع البراغماتيه وأولاء يتبنون عبارات مثل "الوطنية لا تطعم الخبز" أو "الوطنية تدمر المستقبل المهني" وهم كما قال محمد الماغوط "لا يتحدثون الا عن الادب الجاد والمسرح الجاد والخبز الجاد والويسكي الجاد والافلام الجادة والمواعيد الجادة". وأما المجموعة الثانية فهي مؤلفة من الشبان متبعي موضة "الكول" أمثال الصبية الجامعية التي تحمل حقيبتها الدراسية التي رسم عليها تشي جيفارا وحين تسألها من هو تشي جيفارا تحملق بك فاغرة فاها او الشاب المراهق الذي تنصب اهتماماته بالمغنين والممثلين الهوليوديين وليست لديه اية فكرة عن تاريخ المكان الذي يعيش فيه اذ انه يعيش اليوم بيومه ولا وقت لديه ليضيعه! أما المجموعة الثالثة فهي عبارة عن الشبيبة المثقفة والواعية سياسيا وهي القلة. أسال نفسي دائما السؤال: " كيف يستطيع جيل الشباب ان ينسى التاريخ الذي شرد أجدادهم؟" والمؤلم في الأمر انه قد يكون لا يعرفه.. والمؤلم اكثر انه قد لا يهتم لمعرفته.

يقول تشي جيفارا, وهو الرجل الذي رسم على حقيبة الصبية الجامعية, "لن يكون لدينا ما نحيا من أجله .. إن لم نكن على استعداد أن نموت من أجله" وعجبي اليوم هل من أشياء نريد أن نحيا من أجلها؟ وإن كانت قائمة فعلا فهل نحن على استعداد للموت من اجلها؟ اخشى أن لا.. فإنّا جيل الأرانب!